تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الاستنجاح بلطيف الكلام

حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ: دخل أبو بكر الهجريّ على

المنصور فقال: يا أمير المؤمنين نغض فمي وأنتم أهل بيت بركة، فلو أذنت لي فقبّلت رأسك لعل الله يشدّد لي منه! فقال أبو جعفر: اختر منها ومن الجائزة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أهون عليّ من ذهاب درهم من الجائزة ألّا تبقى في فمي حاكّة.

قال أبو حاتم: وحدّثنا الأصمعيّ عن خلف قال: كنت أرى أنّه ليس في الدنيا رقية إلا رقية الحيّات، فإذا رقية الخبز أسهل. يعني ما يتكلّفه الناس من الكلام لطلب الحيلة.

قال رجل للفضل بن سهل يسأله: الأجل آفة الأمل، والمعروف ذخيرة الأبد، والبرّ غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة أخي القدرة؛ فأمر وهبا كاتبه أن يكتب الكلمات. ورفع إليه رقعة فيها: يا حافظ من يضيّع نفسه عنده، ويا ذاكر من ينسى نصيبه منه، ليس كتابي إذا كتبت استبطاء، ولا إمساكي إذا أمسكت استغناء؛ لكنّ كتابي إذا كتبت تذكرة لك، وإمساكي إذا أمسكت ثقة بك.

وقال رجل لآخر: ما قصّرت بي همّة صيّرتني إليك، ولا أخّرني ارتياد دلّني عليك، ولا قعد بي رجاء حداني إلى بابك. وبحسب معتصم بك ظفر بفائدة وغنيمة، ولجء إلى موئل وسند.

دخل الهذيل بن زفر على يزيد بن المهلّب في حمالات لزمته،

فقال له: قد عظم شأنك عن أن يستعان بك أو يستعان عليك، ولست تصنع شيئا من المعروف إلّا وأنت أكثر منه، وليس العجب أن تفعل، وإنما العجب من ألّا تفعل.

قال الحمدوني في الحسين بن أيوب والي البصرة:

قل لابن أيّوب قد أصبحت مأمولالا زال بابك مغشيّا ومأهولا
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
إن كنت في عطلة فالعذر متّصلوصل إذا كنت بالسلطان موصولا
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
شرّ الأخلّاء من ولّى قفاه إذاكان المولّى وأعطى البشر معزولا
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
من لم يسمّن جوادا كان يركبهفي الخصب قام به في الجدب مهزولا
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
افرغ لحاجاتنا ما دمت مشغولالو قد فرغت لقد ألفيت مبذولا

وقال آخر:

ولا تعتذر بالشّغل عنّا فإنماتناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل

وأتى رجل بعض الولاة، وكان صديقه، فتشاغل عنه، فتراءى له يوما؛ فقال: اعذرني فإنّي مشغول؛ فقال: لولا الشغل ما أتيتك.

وكتب رجل إلى صديق له: قد عرضت قبلك حاجة، فإن نجحت بك فالفاني منها حظّي والباقي حظّك، وإن تعتذر فالخير مظنون بك والعذر مقدّم لك.

وفي فصل آخر: قد عذرك الشّغل في إغفال الحاجة وعذرني في إنكارك.

وفي فصل آخر: قد كان يجب ألّا أشكو حالي مع علمك بها، ولا أقتضيك عمارتها بأكثر من قدرتك عليها؛ فلربّما نيل الغنى على يدي من هو دونك بأدنى من حرمتي. وما أستصغر ما كان منك إلا عنك، ولا أستقلّه إلا لك.

وقال آخر: إن رأيت أن تصفّد يدا بصنيعة باق ذكرها جميل في الدهر أثرها، تغتنم غرّة الزمان فيها وتبادر فوت الإمكان بها، فافعل.

قدم على زياد نفر من الأعراب فقام خطيبهم فقال: أصلح الله الأمير! نحن، وإن كانت نزعت بنا أنفسنا إليك وأنضينا ركائبنا نحوك التماسا لفضل عطائك، عالمون بأنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع؛ وإنما أنت ايّها الأمير خازن ونحن رائدون، فإن أذن لك فأعطيت حمدنا الله وشكرناك، وإن لم يؤذن لك فمنعت حمدنا الله وعذرناك، ثم جلس؛ فقال زياد لجلسائه:

تالله ما رأيت كلاما أبلغ ولا أوجز ولا أنفع عاجلة منه، ثم أمر لهم بما يصلحهم.

دخل العتّابيّ على المأمون، فقال له المأمون: خبّرت بوفاتك فغمّتني، ثم جاءتني وفادتك فسرتني؛ فقال العتابيّ: لو قسمت هذه الكلمات على أهل الأرض لوسعتهم؛ وذلك أنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك؛ قال: سلني، قال: يداك بالعطيّة أطلق من لساني.

قال نصيب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، كبرت سنّي ورقّ عظمي، وبليت ببنيّات نفضت عليهنّ من لوني فكسدن عليّ؛ فرقّ له عمر ووصله.

سأل رجل أسد بن عبد الله فاعتلّ عليه؛ فقال: إني سألت الأمر من غير حاجة؛ قال: وما حملك على ذلك؟ قال: رأيتك تحبّ من لك عنده حسن بلاء، فأحببت أن أتعلّق منك بحبل مودّة.

لزم بعض الحكماء باب بعض ملوك العجم دهرا فلم يصل إليه، فتلطّف للحاجب في إيصال رقعة ففعل، وكان فيها أربعة أسطر:

السطر الأوّل الأمل والضّرورة أقدماني عليك.

والسطر الثاني والعدم لا يكون معه صبر على المطالبة.

والسطر الثالث الانصراف بلا فائدة شماتة للأعداء.

والسطر الرابع فإمّا نعم مثمرة، وإمّا لا مريحة. فلما قرأها وقّع في كلّ سطر: زه؛ فأعطي ستّة عشر ألف مثقال فضّة.

دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم، فقال له: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن تقضها حمدنا الله وشكرناك، وإن لم تقضها حمدنا الله وعذرناك؛ فأمر له بحاجته. وقال له أيضا في حاجة أخرى: إنّي

أتيتك في حاجة، فإن شئت قضيتها وكنّا جميعا كريمين، وإن شئت منعتها وكنّا جميعا لئيمين.

أتى رجل خالد بن عبد الله في حاجة، فقال له: أتكلّم بجرأة اليأس أم بهيبة الأمل؟ قال: بل بهيبة الأمل؛ فسأله حاجته فقضاها.

وقال أبو سمّاك لرجل: لم أصن وجهي عن الطّلب إليك، فصن وجهك عن ردّي، وضعني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك.

قال المنصور لرجل: ما بالك؟ قال: ما يكفّ وجهي ويعجز عن برّ الصّديق فقال: لقد تلطّفت للسؤال، ووصله.

وقال المنصور لرجل أحمد منه أمرا: سل حاجتك فقال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين؛ قال: سل، فليس يمكنك ذلك في كلّ وقت؛ فقال: ولم يا أمير المؤمنين! فوالله لا أستقصر عمرك ولا أرهب بخلك ولا أغتنم ما لك وإنّ سؤالك لزين، وإنّ عطاءك لشرف، وما على أحد بذل وجهه إليك نقص ولا شين، فأمر حتّى مليء فوه درّا.

قال أبو العبّاس لأبي دلامة: سل حاجتك. قال: كلب؛ قال: لك كلب. قال: ودابّة أتصيد عليها؛ قال: ودابة. قال: وغلام يركب الدابّة ويصيد؛ قا: وغلام. قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه؛ قال:

وجارية. قال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء عيال ولا بدّ من دار؛ قال: ودار. قال:

ولا بدّ من ضيعة لهؤلاء؛ قال: قد أقطعتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وأيّ شيء الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: فأنا أقطعك ألفا وخمسمائة جريب من فيافى بني أسد؛ قال: قد جعلتها كلّها لك عامرة. قال:

أقبلّ يدك؛ قال: أمّا هذه فدعها. قال: ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم فقدا منها.

قال عبد الملك لرجل: ما لي أراك واجما لا تنطق؟ قال: أشكو إليك ثقل الشّرف؛ قال: أعينوه على حمله.

رأى زياد على مائدته رجلا قبيح الوجه كثير الأكل، فقال له: كم عيالك؟ قال: تسع بنات؛ قال: أين هنّ منك؟ قال: أنا أجمل منهنّ وهنّ آكل منّي؛ قال: ما أحسن ما تلطّفت في السؤال وفرض له وأعطاه.

وقفت عجوز على قيس بن سعد فقال: أشكو إليك قلّة الجرذان؛ قال:

ما أحسن هذه الكناية! املؤا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا.

وقال بعض القصّاص في قصصه: اللهم أقلّ صبياننا وأكثر جرذاننا.

كان سليمان بن عبد الملك يأخذ الوليّ بالوليّ والجار بالجار؛ فدخل عليه رجل وعلى رأسه وصيفة روقة، فنظر إليها: فقال سليمان: أأعجبتك؟

قال: بارك الله لأمير المؤمنين فيها! قال: هات سبعة أمثال في الاست وخذها؛ فقال: «صرّ عليه الغزو استه». قال: واحد. قال: «است البائن أعلم»؛ قال اثنان. قال: «است لم تعوّد المجمر تحترق»؛ قال: ثلاثة.

قال: الحرّ يعطي والعبد يبجع باسته»؛ قال: أربعة. قال: «استي أخبثى» » ! قال: خمسة. قال: «عاد سلاها في استها»؛ قال: ستة. قال:

«لا ماءك أبقيت ولا حرك أنقيت»؛ قال: ليس هذا من ذاك؛ قال: أخذت الجار بالجار كما يفعل أمير المؤمنين! قال: خذها.

قال يزيد بن المهلّب لسليمان في حمالة كلّمه فيها: يا أمير المؤمنين، والله لحمدها خير منها، ولذكرها أحسن من جمعها، ويدي مبسوطة بيدك فابسطها لسؤالها.

قطع عبد الملك بن مروان عن آل أبي سفيان أشياء كان يجريها عليهم، لتباعد كان بينه وبين خالد بن يزيد بن معاوية؛ فدخل عليه عمرو بن عتبة فقال: يا أمير المؤمنين، أدنى حقّك متعب وتقصّيه فادح، ولنا مع حقّك علينا حقّ عليك، لقرابتنا منك وإكرام سلفنا لك؛ فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليك، وضعنا بحيث وضعتنا الرّحم منك، وزدنا بقدر ما زادك الله؛ فقال:

أفعل، وإنما يستحقّ عطيّتي من استعطاها، فأمّا من ظنّ أنه يستغني بنفسه فسنكله إليها، يعرّض بخالد؛ فبلغ ذلك خالدا، فقال: أمّا عمرو فقد أعطى

من نفسه أكثر مما أخذ، أو بالحرمان يتهدّدني! يد الله فوق يده مانعة، وعطاؤه دونه مبذول.

أتى رجل يزيد بن أبي مسلم برقعة يسأله أن يرفعها إلى الحجّاج؛ فنظر فيها يزيد فقال: ليست هذه من الحوائج التي ترفع إلى الأمير؛ فقال له الرجل: فإني أسألك أن ترفعها، فلعلّها توافق قدرا فيقضيها وهو كاره؛ فأدخلها وأخبره بمقالة الرجل؛ فنظر الحجاج في الرّقعة، وقال ليزيد: قل للرجل: إنها وافقت قدرا وقد قضيناها ونحن كارهون.

دخل بعض الشعراء على بشر بن مروان فأنشده:

أغفيت عند الصّبح نوم مسهّدفي ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدةمغنوجة حسن عليّ قيامها
وببدرة حملت إليّ وبغلةدهماء مشرفة يصلّ لجامها
فدعوت ربي أن يثيبك جنّةعوضا يصيبك بردها وسلامها

فقال له بشر: في كل شيء أصبت إلا في البغلة فإني لا أملك إلّا شهباء: فقال: إني والله ما رأيت إلّا شهباء.

قال رجل لمعاوية: أقطعني البحرين، قال: إني لا أصل إلى ذلك.

قال: فاستعملني على البصرة؛ قال: ما أريد عزل عاملها. قال: تأمر لي بألفين؛ قال: ذاك لك. فقيل له: ويحك! أرضيت بعد الأوليين بهذا! قال:

اسكتوا لولا الأوليان ما أعطيت هذه.

جاء أعرابيّ إلى بعض الكتّاب فسأله. فأمر الكاتب غلامه بيمينه أن

يعطيه عشرة دراهم وقميصا من قمصه؛ فقال لأعرابيّ:

حوّل العقد بالشمال أبا الأصبغ واضمم إلى القميص قميصا
إن عقد اليمين يقصر عنّيوأرى في قميصكم تقليصا

يقول: حوّل عقد اليمين وهو عشرة إلى عقد الشمال وهو مائة.

سأل أعرابيّ فقال في مسألته: لقد جعت حتى أكلت النّوى المحرق ولقد مشيت حتى انتعلت الدّم وحتى سقط من رجلي بتخص لحم وحتى تمنّيت أنّ وجهي حذاء لقدمي، فهل من أخ يرحمنا؟.

وسأل آخر قوما فقال: رحم الله امرأ لم تمجج أذناه كلامي، وقدّم لنفسه معاذا من سوء مقامي، فإنّ البلاد مجدبة، والحال مصعبة، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والعدم عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء أحد الصدقتين فرحم الله امرأ أمر بمير، ودعا بخير، فقال له رجل من القوم: ممّن الرجل؟

فقال: اللهم غفرا ممن لا تضرّك جهالته، ولا تنفعك معرفته؛ ذلّ الإكتساب، يمنع من عزّ الانتساب.

سأل أعرابيّ رجلا فحرمه؛ فقال: علام تحرمني! فو الله ما زلت قبلة لأملي لا تلقتني عنك المطامع، فإن قلت: قد أحسنت بدءا، فما ينكر لمثلك أن يحسن عودا!.

قال ابن أبي عتيق: دخلت على أشعب وعنده متاع حسن وأثاث، فقلت له: ويحك! أما تستحي أن تسأل وعندك ما أرى! فقال: يا فديتك! معي والله من لطيف السؤال ما لا تطيب نفسي بتركه.

قال الصّلتان العبديّ:

نروح ونغدو لحاجاتناوحاجة من عاش لا ننقضي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة
تموت مع المرء حاجاتهوتبقى له حاجة ما بقي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة
إذا ليلة هرّمت يومهاأتى بعد ذلك يوم فتي
للشاعر الصَحاري بن شبيب، من قصيدة «أشارب الصغير وأفنى الكبير»

وقال آخر:

وحاجة دون أخرى قد سنحت بهاجعلتها للّتي أخفيت عنوانا

كتب دعبل إلى بعض الأمراء:

جئتك مستشفعا بلا سببإليك إلّا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنّني رجلغير ملحّ عليك في الطلب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «جئت بلا حرمة ولا سبب»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.