من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الترغيب في قضاء الحاجة واصطناع المعروف
حدّثني محمد بن عبيد قال حدّثنا داود بن المحبّر عن محمد بن الحسن الهمداني عن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جدّه عليّ بن أبي
طالب رضوان الله عليه قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك معونة أخيه المسلم والسّعي معه في حاجته قضيت أو لم تقض كلّف أن يسعى في حاجة من لا يؤجر في حاجته. ومن ترك الحجّ لحاجة عرضت له لم تقض حاجته حتى يرى رءوس المحلّقين».
حدّثني محمد بن عبيد قال حدّثنا ابن عيينة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن جدّه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «اشفعوا إليّ ويقضي الله على لسان نبيّكم ما شاء».
بلغني عن جعفر بن أبي جعفر المازنيّ عن ابن أبي السّريّ عن إبراهيم بن أدهم عن منصور بن المعتمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحببت أن يحبّك الله فازهد في الدنيا وإن أحببت أن يحبّك الناس فلا يقع في يدك من حطامها شيء إلا نبذته إليهم».
حدّثني محمد بن داود عن محمد بن جابر قال: قال ابن عيينة: ليس أقول لكم إلّا ما سمعت: قيل لابن المنكدر: أيّ الأعمال أفضل؟ قال:
إدخال السرور على المؤمن. وقيل: أيّ الدنيا أحبّ إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا زرير العطارديّ قال: صلّى بنا أبو رجاء العطارديّ العتمة ثم أوى إلى فراشه، فأتته امرأة فقالت: أبا
رجاء، إنّ لطارق الليل حقّا، وإنّ بني فلان خرجوا إلى سفوان وتركوا كتبهم وشيئا من متاعهم؛ فانتعل أبو رجاء وأخذ الكتب وأدّاها وصلّى بنا الفجر، وهو مسيرة ليلة للإبل، والناس يقولون: إنها أربعة فراسخ.
حدّثني أحمد بن الخليل عن محمد بن سعيد قال حدّثنا ابن المبارك عن حميد عن الحسن قال: لأن أقضي حاجة لأخ أحبّ إليّ من أن أعتكف سنة.
قال ابن عائشة: كان عمرو بن معاوية العقيليّ يقول: اللهم بلّغني عثرات الكرام.
قال المأمون لمحمد بن عبّاد المهلّبيّ: أنت متلاف؛ فقال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظنّ بالله، يقول الله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
وكان ابن عبّاس يقول: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متّكأ.
هذا نحو قول النبيّ ﷺ: «المعروف يقي مصارع السّوء».
وكان ابن عبّاس يقول أيضا: ما رأيت رجلا أوليته معروفا إلّا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلا أوليته سوءا إلّا أظلم ما بيني وبينه.
قال جعفر بن محمد: إنّ الحاجة تعرض للرجل قبلي فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها أو تأتيه وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع.
وقال الشاعر:
وبادر بسلطان إذا كنت قادرازوال اقتدار أو غنى عنك يعقب
وقال آخر في مثله:
بدا حين أثرى بإخوانهففكّك عنهم شباة العدم
وذكّره الحزم غبّ الأمورفبادر قبل انتقال النّعم
وقرأت في كتاب للهند: من صنع المعروف لعاجل الجزاء، فهو كملقي الحبّ ليصيد به الطير لا لينفعه.
قال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل اغبرّت قدماه في المشي إليّ إرادة التسليم عليّ؛ فأما الرابع فلا يكافئه عنّي إلا الله جلّ وعزّ؛ قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكّر بمن ينزله، ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي.
وقال سلّم بن قتيبة: ربّ المعروف أشدّ من ابتدائه.
ويقال: الابتداء بالمعروف نافلة، وربّه فريضة.
قيل لبزرجمهر: هل يستطيع أحد أن يفعل المعروف من غير أن يرزأ شيئا؟ قال: نعم، من أحببت له الخير وبذلت له الودّ، فقد أصاب نصيبا من معروفك.
قال جعفر بن محمد: ما توسّل إليّ أحد بوسيلة هي أقرب به إلى ما يحبّ من يد سلفت منّي إليه، أتبعتها أختها لأحسن ربّها وحفظها؛ لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
قال رجل من مجلس خالد بن عبد الله القسريّ؛ فقال خالد: إني لأبغض هذا الرجل وما له إليّ ذنب، فقال رجل من القوم: أوله أيّها الأمير معروفا ففعل، فما لبث أن خفّ على قلبه وصار أحد جلسائه.
قال ابن عباس: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث: تعجيله وتصغيره وستره، فإنه إذا عجّله هنّأه، وإذا صغّره عظّمه وإذا ستره تمّمه.
وقال الخريميّ في نحو هذا:
زاد معروفك عندي عظماأنّه عندك محقور صغير
تتناساه كأن لم تأتهوهو عند الناس مشهور كبير
وقال الطائيّ:
جود مشيت به الضّراء تواضعاوعظمت عن ذكراه وهو عظيم
أخفيته فخفيته وطويتهفنشرته والشخص منه عميم
وكان يقال: ستر رجل ما أولى، ونشر رجل ما أولي.
وقال رجل لبنيه: إذا اتخذتم عند رجل يدا فانسوها. وقالوا: المنّة تهدم الصنيعة. قال الشاعر:
أفسدت بالمنّ ما أسديت من حسنليس الكريم إذا أسدى بمنّان
قال رجل لابن شبرمة: فعلت بفلان كذا وفعلت به كذا؛ فقال: لا خير في المعروف إذا أحصي.
وفي بعض الحديث: كلّ معروف صدقة وما أنفق الرجل على أهله ونفسه وولده صدقة وما وقى المرء به عرضه فهو صدقة وكلّ نفقة أنفقها فعلى
الله خلفها مثلها إلا في معصية أو بنيان. وفي الحديث المرفوع «فضل جاهك تعود به على أخيك صدقة منك عليه ولسانك تعبّر به عن أخيك صدقة منك عليه وإماطتك الأذى عن الطريق صدقة منك على أهله.
وكان يقال: بذل الجاه زكاة الشرف.
وقال بعض الشعراء:
وليس فتى الفتيان من راح واغتدىلشرب صبوح أو لشرب غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدىلضرّ عدوّ أو لنفع صديق
قال ابن عباس: لا يزهّدنّك في المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه.
وقال حمّاد عجرد:
إنّ الكريم ليخفي عنك عسرتهحتى تراه غنيّا وهو مجهود
إذا تكرّمت أن تعطي القليل ولمتقدر على سعة لم يظهر الجود
وللبخيل على أمواله عللزرق العيون عليها أوجه سود
أورق بخير ترجي للنوال فماترجى الثّمار إذا لم يورق العود
بثّ النوال ولا تمنعك قلتهفكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
والعرب تقول: من حقر حرم.
حدّثني عبد الرحمن عن عمه قال: قال سلّم بن قتيبة: أحدهم يحقر
الشيء فيأتي ما هو شرّ منه، يعني المنع.
وقال الشاعر:
وما أبالي إذا ضيف تضيّفنيما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقلّ إذا أعطاك مصطبراومكثر من غنى سيّان في الجود
وفي الحديث المرفوع «أفضل الصّدقة جهد المقلّ».
وقال البريق الهذليّ:
أبو مالك قاصر فقرهعلى نفسه ومشيع غناه
وكان خالد بن عبد الله يقول على المنبر: أيها الناس عليكم بالمعروف، فإنّ فاعل المعروف لا يعدم جوازيه، وما ضعف الناس عن أدائه قوي الله على جوازيه، والبيت المشهور في هذا قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناس
ويقال: إنه في بعض كتب الله ﷿.
قال وهب بن منبّه: إن أحسن الناس عيشا من حسن عيش الناس في عيشه، وإنّ من ألّذ اللّذّة الإفضال على الإخوان وفي الحديث المرفوع «إنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت وما سوى ذلك فهو ملك الوارث».
وقال بشار:
أنفق المال ولا تشق بهخير ديناريك دينار نفق
قال بزرجمهر: إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى. أخذه بعض المحدثين فقال:
فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسراوأنفق على ما خيّلت حين تعسر
فلا الجود يفني المال والجدّ مقبلولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر
وفي كتاب كليلة: لا يعدّ عائشا من لا يشارك في غناه.
مرّ الحسن برجل يقلّب درهما؛ فقال له: أتحبّ درهمك هذا؟ قال:
نعم، قال: أما إنه ليس لك حتى يخرج من يدك.
قال الربيع بن خيثم لأخ له: كن وصيّ نفسك ولا تجعل أوصياءك الرجال.
وقال بعض الشعراء:
سأحبس مالي على حاجتيوأوثر نفسي على الوارث
أعاذل عاجل ما أشتهيأحبّ من المبطيء الرّائث
قال عبيد الله بن عكراش: زمن خؤون، ووارث شفون؛ فلا تأمن الخؤون وكن وارث الشّفون.
وقال أبو ذرّ: لك في مالك شريكان إذا جاءا أخذا ولم يؤامراك:
الحدثان والقدر، كلاهما يمرّ على الغثّ والسمين، والورثة ينتظرون متى
تموت فيأخذون ما تحت يديك وأنت لم تقدّم لنفسك؛ فإن استطعت ألّا تكون أخسّ الثلاثة نصيبا فافعل.
وقال سعيد بن العاص في خطبة له: من رزقه الله رزقا حسنا فليكن أسعد الناس به فإنه إنما يترك لأحد رجلين: إمّا مصلح فلا يقلّ عليه شيء، وإمّا مفسد فلا يبقي له شيء. فقال معاوية: جمع أبو عثمان طرفي الكلام.
وقال حطائط بن يعفر:
ذريني أكن للمال ربّا ولا يكنلي المال ربّا تحمدي غبّه غدا
أريني جوادا مات هزلا لعلّتيأرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا
وقلت ولم أعي الجواب تبيّنيأكان الهزال حتف زيد وأربدا
قال أعرابيّ: الدراهم ميسم تسم حمدا أو ذمّا؛ فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له، وما كلّ من أعطي مالا أعطي حمدا، ولا كلّ عديم ذميم.
وقال بعض المحدثين:
أنت للمال إذا أمسكتهفإذا أنفقته فالمال لك
حدّثني يزيد بن عمرو عن يزيد بن مروان قال: حدّثنا النعمان بن هلال عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «تنزل المعونة على قدر الموونة».
قال معاوية لوردان مولى عمرو بن العاص: ما بقي من الدنيا تلذّه؟
قال: العريض الطويل؛ قال: وما هو؟ قال: الحديث الحسن أو ألقى أخا قد
نكبه الدهر فأجبره»
؛ قال: نحن أحقّ بهما منك؛ قال: إن أحقّ بهما منك من سبقك إليهما.
وقال اعرابيّ:
وما هذه الأيام إلّا معارةفما استطعت من معروفها فتزوّد
فإنك لا تدري بأيّة بلدةتموت ولا ما يحدث الله في غد
يقولون لا تبعد، ومن يك بعدهذراعين من قرب الأحبّة يبعد
وقال آخر:
إن كنت لا تبذل أو تسألأفسدت ما تعطي بما تفعل
قال بعضهم: مضى لنا سلف أهل تواصل، اعتقدوا مننا، واتّخذوا أيادي ذخيرة لمن بعدهم: كانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا، وإظهار البرّ حقّا واجبا، ثم حال الزمان بنشء اتخذوا مننهم صناعة، وبرّهم مرابحة، وأياديهم تجارة واصطناع المعروف مقارضة كنقد السّوق خذ منّي وهات.
قال العتبيّ: وقع ميراث بين ناس من آل أبي سفيان وبني مروان، فتشاحّوا فيه، فلما انصرفوا أقبل عمرو بن عتبة على ولده، فقال لهم: إن لقريش درجا تزلق عنها أقدام الرجال، وأفعالا تخشع لها رقاب الأموال، وألسنا تكل معها الشّفار المشحوذة، وغايات تقصر عنها الجياد المنسوبة؛
ولو كانت الدنيا لهم ضاقت عن سعة أحلامهم، ولو احتفلت ما تزيّنت إلا بهم. ثم إنّ ناسا منهم تخلّقوا بأخلاق العوامّ، فصار لهم رفق باللؤم وخرق في الحرص، لو أمكنهم قاسموا الطير أرزاقها، إن خافوا مكروها تعجّلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمة أخّروا عليها الشكر، أولئك أنضاء فكر الفقر وعجزة حملة الشكر.
قال بعض الحجازيّين:
فلو كنت تطلب شأو الكرامفعلت كفعل أبي البختري
تتّبع إخوانه في البلادفأغنى المقلّ عن المكبثر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع