من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الشكر والثناء
حدّثني شيخ لنا عن وكيع عن سفيان عن منصور عن هلال بن أساف قال قال ﷺ: «إذا صلّى أحدكم فليدن عليه من ستر بيته فإنّ الله ﷿ يقسم الثناء كما يقسم الرزق».
وحدّثني أيضا عن وكيع عن سعيد عن أبي عمران الجوني عن عبد الله ابن الصّامت قال قال أبو ذرّ: قلت للنبي ﷺ: الرجل يعمل العمل ويحبّه الناس؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن. وقال النبيّ ﷺ: إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند الله فانظروا ماذا يتبعه من الثّناء».
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: كان يقال: الثناء يضاعف كما تضاعف الحسنات؛ يكون الرجل سخيّا فيزيد الله في سخائه، ويكون شجاعا فيزيد الله في شجاعته.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن العمريّ قال: قال رجل لعمر بن الخطّاب ﵁: إنّ فلانا رجل صدق؛ قال: سافرت معه؟ قال لا.
قال: فكانت بينك وبينه خصومة؟ قال لا. قال: فهل ائتمنته على شيء؟ قال لا. قال: فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد!.
قال بعض الحكماء: إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر.
وقال آخر: حقّ النّعمة أن تحسن لباسها، وتنسبها إلى وليّها، وتذكر ما تناسى عندك منها.
وقال بعض الحارثيين:
عثمان يعلم أنّ الحمد ذو ثمنلكنّه يشتهي حمدا بمجّان
والناس أكيس من أن يحمدوا أحداحتى يروا قبله آثار إحسان
وقال حمّاد عجرد:
قد ينقضي كلّ ما أوليت من حسنإذا أتى دون ما أوليت يومان
تنأى بودّك ما استغنيت عن أحدوإن طمعت فأنت الواصل الدّاني
الشّهد أنت إذا ما حاجة عرضتوحنظل كلّما استغنيت خطبان
وقال عمران بن حطّان:
وقد عرضت لي حاجة وأظنّنيبأنّي إذا أنزلتها بك منجح
فإن أك في أخذ العطيّة مربحافإنك في بذل العطيّة أربح
لأنّ لك العقبى من الأجر خالصاوشكري في الدنيا، فحظّك أرجح
وقال معاوية بن أبي سفيان يعاتب قريشا:
إذا أنا أعطيت القليل شكوتموإن أنا أعطيت الكثير فلا شكر
وما لمت نفسي في قضاء حقوقكموقد كان لي فيما اعتذرت به عذر
وأمنحكم ما لي وتكفر نعمتيوتشتم عرضي في مجالسها فهر
إذا العذر لم يقبل ولم ينفع الأسىوضاقت قلوب منهم حشوها الغمر
فيكف أداوي داءكميزيدكم غيّا! فقد عظم الأمر
سأحرمكم حتى يذلّ صعابكم،وأبلغ شيء في صلاحكم الفقر
وقال طريح الثّقفيّ»
سعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت بيفقصّرت مغلوبا وإنّي لشاكر
ومثله قول الخريميّ:
لأنك تعطيني الجزيل بداهةوأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
ومثله قوله أيضا:
زاد معروفك عظماأنّه عندك محقور صغير
تتناسه كأن لم تأتهوهو عند الناس مشهور كبير
قال رجل لبعض السلطان: المواجهة بالشكر ضرب من الملق، منسوب من عرف بها إلى التخلّق؛ وأنت تمنعني من ذلك وترفع الحال بيننا عنه، ولذلك تركت لقاءك به. غير أنّي من الاعتراف بمعروفك ونشر ما تطوي منه والإشادة بذكره عند إخوانك والانتساب إلى التقصير مع الإطناب في وصفه، على ما أرجو أن أكون قد بلغت به حال المحتمل للصّنيعة، الناهض بحقّ النعمة.
قال ابن عنقاء الفزاريّ:
رآني على ما بي عميلة فاشتكىإلى ما له حالي أسرّ كما جهر
دعاني فآساني ولو صدّ لم ألمعلى حين لا بدو يرجّى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعلهوأوفاك ما أسديت من ذمّ أو شكر
وقال آخر:
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتيأيادي لم تمنن وإن هي جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقهولا مظهر الشكوى إذ النعل زلّت
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتى تجلّت
وقرأت في كتاب للهند: أربعة ليست لأعمالهم ثمرة: مسارّ الأصمّ، والباذر في السّبخة، والمسرج في الشمس، وواضع المعروف عند من لا شكر له.
وقال بعض الشعراء المحدثين، وقيل: إنه للبحتريّ. فبعثت إليه أسأله عنه فأعلمني أنه ليس له:
فلو كان للشكر شخص يبينإذا ما تأمّله النّاظر
لبيّنته لك حتّى تراهفتعلم أنّي امرؤ شاكر
ولكنه ساكن في الضميريحرّكه الكلم السائر
وقال آخر:
فلو كان يستغني عن الشّكر سيّدلعزّة ملك أو علوّ مكان
لما أمر الله الجليل بشكرهفقال اشكروني أيّها الثّقلان
وقال آخر:
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكمبإحساننا إنّ الثناء هو الخلد
وقال رجل من غنيّ:
فإذا بلغتم أهلكم فتحدّثواومن الثناء مهالك وخلود
وكانت عائشة ﵂ تتمثّل بقول الشاعر:
يجزيك أو يثني عليك وإنّ منأثنى عليك بما فعلت كمن جرى
وقال الحارث بن شدّاد في عليّ بن الربيع الحارثيّ:
النّاس تحتك أقدام وأنت لهمرأس وكيف يسوّى الرأس والقدم
فحسبنا من ثناء المادحين إذاأثنوا عليك بأن يثنوا بما علموا
وقال آخر:
بأيّ الخصلتين عليك أثنيفإنّي عند منصرفي مسول
أبى الحسنى وليس لها ضياءعليّ فمن يصدّق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهلوأنت البحر من ذهب يسيل
وقال بشّار:
أثني عليك ولي حال تكذّبنيفيما أقول فأستحيي من الناس
قد قلت إنّ أبا حفص لأكرم منيمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي
وكتب بعض الكتّاب إلى وزير: لست تشبه حالنا في الحرمة، ولا نشبه حالك في الجاه والقدرة، ولا ظاهر ما نحن عليه الباطن. وليس بعد حرمتي حرمة، ولا فوق سببي سبب، ولا بعد حالك حال يرتجى، ولا بعد منزلتك منزلة تتمنّى، ولا تنتظر شيئا ولا أنتظره؛ ولا أتوقّع حقّا أزيده في حقوقي، ولا تتوقّع فائدة تزيدها في ذات يدك. وكم تحتال بالألفاظ، وتموّه بالمعاني، والناس يحتجّون بالعمل ويقضون بالعيان.
وقال بعض الشعراء:
وزهّدني في كلّ خير صنعتهإلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر
وقال أبو الهول في أبي المراء عتبة بن عاصم:
إذا فاخرتنا من معدّ عصابةفخرنا عليها بابن عتبة عاصم
يجرّ رياط الحمد في دار قومهويختال في عرض من الذمّ سالم
وقال رجل لبعض السلطان: مثلك اوجب حقّا لا يجب عليه، وسمح بحقّ يجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر. لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك.
وكتب آخر:
ما أنتهي إلى غاية من شكرك، إلا وجدت وراءها غاية من معروفك يحسروني بلوغها. وما عجز الناس عنه فالله من ورائه. فلا زالت أيامك ممدودة بين أمل لك تبلغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى من الأعمار أطولها، وتنال من الهبات أفضلها.
ونحو هذا قول آخر:
كان لي فيك أملان: أحدهما لك، والآخر بك. فأمّا الأمل لك فقد بلغته، وأمّا الأمل بك فأرجو أن يحقّقه الله ويوشكه.
وفي كتاب آخر:
أيّام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليل، والمعروف وإن أسدي إلى من يكفره مشكور بلسان غيره.
وفي كتاب بعض الكتّاب:
وما ذكرت- أعزّك الله- من ذلك قديما ولا جدّدت منه حديثا، إلّا
وأصغر أملي فيك فوقه وإن كان استحقاقي دونه. فإن أقض واجب حقّ الله علىّ في شكر نعمك فبتوفقه وعونه، وإن أقصّر عن كنهه فعن غير تقصير في بلوغ الجهد فيه.
وفي هذا الكتاب:
أمّا ما بذل الأمير من ماله، فذلك ما قد سبق الرجاء بل اليقين إليه، معرفة منّي بطوله وكرمه، وليس ينكر أياديه ولا بدع صنائعه. وما يرشدني أملي بعد الله إلّا إليه، ولا أفزع لحادثة إلى غيره، ولا أتضاءل لنائبة معه. ولو عجزت عن النّهضة لما حاولت الإستقلال والانتعاش إلّا به. ومال الأمير الكثير المذخور عند انقطاع الحيل، لا معنّف طالبه، ولا مخوّف على الردّ عنه واهبه، ولا عائق منع دونه، ولا تنغيص من ورائه؛ ولا كنز أولى بالصون وأن يجعل وقفا على النوائب والعواقب من كنز من هذه حاله.
قالت بنو تميم لسلامة بن جندل: مجّدنا بشعرك؛ فقال: افعلوا حتّى أثني. ونحوه قول عمرو بن معد يكرب:
فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهمنطقت ولكنّ الرّماح أجرّت
قال رجل من قريش لأشعب: والله ما شكرت معروفي عندك؛ فقال: إنّ معروفك كان من غير محتسب، فوقع عند غير شاكر.
وقال أبو نواس:
أنت امرؤ أوليتني نعماأوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم تقدمةوالتك بالتصريح منكشفا
لا تحدثنّ إليّ عارفةحتّى أقوم بشكر ما سلفا
وقال أبو نخيلة:
شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقىوما كلّ من أقرضته نعمة يقضى
فأحييت من ذكري وما كان ميّتاولكن بعض الذكر أنبه من بعض
آخر:
لأشكرنّك معروفا هممت بهإنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف
وقال رجل لسعيد بن جبير: المجوسيّ يوليني خيرا فأشكره، ويسلّم عليّ فأردّ عليه؛ فقال سعيد: سألت ابن عبّاس عن نحو هذا، فقال لي: لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه مثله.
أنشد ابن الأعرابيّ:
أهلكتني بفلان ثقتيوظنون بفلان حسنه
ليس يستوجب شكرا رجلنلت خيرا منه من بعد سنه
وقال بعضهم: لا تثق بشكر من تعطيه حتى تمنعه؛ فإنّ الصابر هو الشاكر، والجازع هو الكافر.
وقال أوس بن حجر:
سأجزيك أو يجزيك عنّي مثوّبوقصدك أن يثنى عليك وتحمدي
والعرب تقول: فلان أشكر من البروق وهو نبت ضعيف ينبت بالسحاب إذا نشأ وبأدنى مطر.
وقال الشاعر:
لئن طبت نفسا عن ثنائي فإنّنيلأطيب نفسا عن نذاك على عسري
فلست إلى جدواك أعظم حاجةعلى شدّة الإعسار منك إلى شكري
وقال آخر:
حسب امرىء إن فاتني غرضمن برّه أن فاته شكري
إنّي إذا ضاق امرؤ بجداعنّي اتّسعت عليه بالعذر
وقال الطائيّ لإسحاق بن إبراهيم:
ومحجّب حاولته فوجدتهنجما عن الركب العفاة شسوعا
أعدمته لمّا عدمت نوالهشكري فرحنا معدمين جميعا
وقال:
فإن يك أربى عفو شكري على ندىأناس فقد أربى نداه على جهدي
وقال:
وكيف يجور عن قصد لسانيوقلبي رائح برضاك غادي
وممّا كانت العلماء قالتلسان المرء من خدم الفؤاد
وقال:
أبا سعيد وما وصفي بمتّهمعلى الثّناء وما شكري بمخترم
لئن جحدتك ما أوليت من نعمإنّي لفي الشّكر أحظى منك في النّعم»
أنسى ابتسامك والألوان كاسفةتبسّم الصّبح في داج من الظّلم
رددت رونق وجهي في صفيحتهردّ الصّقال بهاء الصّارم الخذم
وما أبالي، وخير القول أصدقه،حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
وقال:
فلا تكدر حياضك لي فأنيأمتّ إليك آمالا طوالا
وفرجاهي عليّ فإنّ جاهيإذا ما غبّ يوم كان مالا
وقال:
يا منّة لك لولا أخفّفهابه من الشكر لم تحمل ولم تطق
بالله أدفع عنّي ثقل فادحهافإنني خائف منه على عنقي
وقال بشار في عمر بن العلاء:
دعاني إلى عمر جودهوقول العشيرة بحر خضمّ
ولولا الذي زعموا لم أكنلأمدح ريحانة قبل شمّ
ويقال: الشكر ثلاث منازل: لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإفضال عليه.
قال إبراهيم بن المهديّ يشكر المأمون:
رددت ما لي ولم تمنن عليّ بهوقبل ردّك ما لي قد حقنت دمي
فأبت منك وقد جلّلتني نعماهي الحياتان من موت ومن عدم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك بهوالمال حتى أسلّ النعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عاريّة رجعتإليك لو لم تعرها كنت لم تلم
وقام علمك بي فاحتجّ عندك ليمقام شاهد عدل غير متّهم
وقال آخر، وبلغني أنه الخثعميّ:
فاذهبا بي إن لم يكن لكما عقر إلى جنب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كان دمي من نداه لو تعلمان
وفد رجل على سليمان بن عبد الملك في خلافته؛ فقال له: ما أقدمك؟ قال: ما أقدمني عليك رغبة؛ قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرّغبة فقد وصلت إلينا وفاضت في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهبة فقد أمنّا بعدل أمير المؤمنين علينا وحسن سيرته فينا من الظلم، فنحن وفد الشكر.
وقال الفرزدق في عمرو بن عتبة:
لولا ابن عتبة عمرو والرّجاء لهما كانت البصرة الحمقاء لي وطنا
أعطاني المال حتى قلت يودعنيأو قلت أودع لي مالا رآه لنا
فجوده متعب شكري ومنّتهوكلّما زدت شكرا زادني مننا
يرمي بهمّته أقصى مسافتهاولا يريد على معروفه ثمنا
هذا مثل قول الأعرابيّ: ما زال فلان يعطيني حتى ظننت أنه يودعني ماله. وما ضاع مال أورث المحامد.
ويقال: خمسة أشياء ضائعة: سراج يوقد في شمس، ومطر جود في سبخة، وحسناء تزفّ إلى عنّين، وطعام استجيد وقدّم إلى سكران، ومعروف صنع إلى من لا شكر له.
وكان يقال: الشكر زيادة في النّعم وأمان من الغير.
وقال أسماء بن خارجة: إذا قدمت المصيبة تركت التّعزية، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء.
بعث روح بن حاتم إلى كاتب له بثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: قد
بعثت بها إليك، ولا أقلّلها تكبّرا، ولا أكثّرها تمنّنا، ولا أستثيبك عليها ثناء، ولا أقطع عنك بها رجاء.
وفي كتاب للهند: لا ثناء مع كبر. وفيه: ستّة أشياء لا ثبات لها: ظلّ الغمام، وخلّة الأشرار، وعشق النساء، والمال الكثير، والسّلطان الجائر، والثناء الكاذب.
والعرب تقول: «لا تهرف قبل أن تعرف» أي لا تطنبنّ في الثّناء قبل الاختبار.
وكتب أبو نواس من الحبس إلى الفضل بن الربيع:
ما من يد في الناس واحدةكيد أبو العباس مولاها
نام الثّقات على مضاجعهموسرى إلى نفسي فأحياها
قد كنت خفتك ثم آمننيمن أن أخافك خوفك الله
فعفوت عنّي عفو مقتدروجبت له نقم فألغاها
والبيت المشهور في هذا قول النّجاشيّ:
لا تحمدنّ امرأ حتى تجرّبهولا تذمّنّ من لم يبله الخبر
وقال آخر في الاختبار:
إنّ الرجال إذا اختبرت طباعهمألفيتهم شتّى على الأخبار
لا تعجلنّ إلى شريعة موردحتى تبيّن خطّة الإصدار
وقال الرّياشيّ: أنشدني أبو العالية:
إذا أنا لم أشكر على الخير أهلهولم أذمم الجبس اللئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمهوشقّ لي الله المسامع والفما
قال ابن التّوءم: كلّ من كان، جوده يرجع إليه؛ ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيّأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك، فليس يجب له عليك شكر. وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على النفع في حجّة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له.
فإن شكرنا الناس على بعض ما جرى لنا على أيديهم، فلأمرين: أحدهما التعبّد؛ وقد أمر الله تعالى بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين وتعظيم من هو أسنّ منّا وإن كنّا أفضل منه. والآخر: لأن النفس ما لا تحصّل الأمور وتميّز المعاني، فالسابق إليها حبّ من جرى لها على يديه الخير وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها. ألا ترى أنّ عطيّة الرجل صاحبه لا تخلو أن تكون لله أو لغير الله؛ فإن كانت لله فثوابه على الله؛ وكيف يجب في حجّة العقل شكره وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما أعطاني؛ وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر؛ فإن كان كذلك فإنما جعلني سلّما إلى حاجته وسببا إلى بغيته؛ أو يكون إعطاؤه إياي طلبا للمكافأة؛ فإنما ذلك تجارة؛ أو يكون إعطاؤه لخوف يدي أو لساني أو اجترار معونتي ونصرتي، وسبيل هذا معروف؛ أو يكون إعطاؤه للرحمة والرّقة ولما يجد في فؤاده من العصر والألم، فإنّما داوى بتلك العطيّة من دائه ورفّه من خناقه.
وكان محمد بن الجهم يقول: نحو هذا قول الشاعر:
لعمرك ما النّاس أثنوا عليكولا عظّموك ولا عظّموا
ولا شايعوك على ما بلغت من الصالحات ولا قدّموا
ولو وجدوا لهم مطعناإلى أن يعيبوك ما جمجموا
ولكن صبرت لما ألزموكوجدت بما لم يكن يلزم
وكان قراك إذا ما لقوكلسانا بما سرّهم ينعم
وخفض الجناح ووشك النجاحوتصغير ما عظّم المنعم
فأنت بفضلك ألجاتهمإلى أن يجلّوا وأن ينعموا
وقال خلف بن خليفة الأقطع:
وفي اليأس من أن تسأل الناس راحةتميت بها عسرا وتحيي بها يسرا
وليس يد أوليتها بغنيمةإذا كنت تبغي أن يعدّ شكرا
غنى النفس يكفي النفس ما سدّ فاقةفإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
قال ابن عائشة: بلغني أنّ عبد الرحمن بن حسّان سأل بعض الولاة حاجة فلم يقضيها له، فسألها آخر فقضاها له؛ فقال:
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتيتولّى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأيّ مقصّرونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرّةعصاها وإن همّت بشرّ أطاعها
وقال ابن عائشة: قال رجل يوما لابن عيينة: ما شيء تحدثونه يا أبا محمد؟ قال: ما هو؟ قال: يقولون إن الله تعالى يقول: أيّما عبد كانت له إليّ حاجة فشغله الثناء عليّ عن سؤال حاجته، أعطيته فوق أمنيّته؛ فقال له: يابن أخي، وما تنكر من هذا! أما سمعت قول أميّة بن أبي الصّلت في عبد الله بن جدعان:
إذا أثنى عليه المرء يوماكافه من تعرّضه الثناء
فكيف بأكرم الأكرمين!.
وكان يقال: في طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة: إن هو أعطاه حمد غير الذي أعطاه، وإن منعه ذمّ غير الذي منعه.
حدّثنا الرّياشيّ قال: أنشدنا كيسان لدكين الراجز:
إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضهفكلّ رداء يرتديه جميل
إذا المرء لم يصرع عن اللؤم نفسهفليس إلى حسن الثناء سبيل
وكان يقال: أوّل منازل الحمد السلامة من الذمّ.
قال عروة بن أذينة اللّيثيّ:
لا تتركن، إن صنيعة سلفتمنك وإن كنت لا تصغّرها
إلى امرىء، إن تقول إن ذكرتعندك في الجدّ لست أذكرها
فإنّ إحياءها إماتتهاوإنّ منّا بها يكدّرها
وإن تولّى امرؤ بشكر يدفالله يجزي بها ويشكرها
ويقال: أحيوا المعروف بإماتته.
أبو سفيان الحميريّ قال: كان مسعدة الكاتب أبو عمرو بن مسعدة مولى لخالد القسريّ، وكان في ديوان الرسائل بواسط، وكان موجزا في كتبه، فكتب إلى صديق له: أما بعد، فإنه لن يعدمك من معروفك عندنا أمران: أجر من الله وشكر منّا. وخير مواضع المعروف ما جمع الأجر والشكر. والسلام.
وكتب بعض الكتّاب إلى بعض العمّال: وما أتأمّل في وقت من الأوقات ولا يوم من الأيّام آثار أياديك لديّ، ومواقع معروفك عندي، إلّا نبّهني التأمّل على ما يحسر الشكر ويثقل الظهر، لأنك أنعشت من عثرة، وأنهضت من سقطة، وتلافيت نعمة كانت على شفا زوال ودروس»
، وتلقّيت ما ألقيت عليك من الكلّ بوجه طليق وباع رحيب. والسلام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع