تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الحرص والإلحاح

لما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتابا: إذا كان القدر حقّا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثّقة بكلّ أحد عجز، وإذا كان الموت لكل أحد راصدا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.

وقال بعض الشعراء:

من عفّ خفّ على الصّديق لقاؤهوأخو الحوائج وجهه مملول

وفي كتاب للهند: لا يكثر الرجل على أخيه الحوائج؛ فإنّ العجل إذا أفرط في مصّ أمه نطحته ونحّته.

وقال عديّ بن زيد:

قد يدرك المبطىء من حظّهوالرزق قد يسبق جهد الحريص

وقال ابن المقفّع: الحرص محرمة، والجبن مقتلة، فانظر فيما رأيت وسمعت أمن قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا، وانظر من يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحقّ أن تسخو نفسك له بالعطيّة أم من يطلب ذلك

بالشّره والحرص.

وقال الشاعر:

كم من حريص على شيء ليدركهوعلّ إدراكه يدني إلى عطبه

وقال آخر:

وربّ ملحّ على بغيةوفيها منيّته لو شعر

والعرب تقول في الرجل الملحّ في الحوائج الذي لا تنقضي له حاجة إلا سأل أخرى:

لا يرسل السّاق إلّا ممسكا ساقا

وأصل المثل في الحرباء، إذا اشتدّ عليه حرّ الشمس لجأ إلى شجرة ثم توقّى في أغصانها، فلا يرسل غصنا حتّى يقبض على آخر.

وقال الشاعر:

أنّى أتيح له حرباء تنضبةلا يرسل الساق إلّا ممسكا ساقا

وفي كتاب كليلة: لا فقر ولا بلاء كالحرص والشّره، ولا غنى كالرّضا والقناعة، ولا عقل كالتّدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق.

قال ابن المقفع: الحرص والحسد بكرا الذنوب وأصل المهالك؛ أمّا الحسد فأهلك إبليس، وأما الحرص فأخرج آدم من الجنّة.

وفي كتاب كليلة: خمسة حرصاء، المال أحبّ إليهم من أنفسهم:

المقاتل بالأجرة، وحفّار القنيّ والأسراب، والتّاجر يركب البحر، والحاوي يلسع يده الحيّة، والمخاطر على شرب السمّ.

دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بمال عليه وقيّد، فقال له: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من هذه القيود! فرفع مالك رأسه فرأى سلّة، فقال: لمن هذه؟ قال: لي، قال: فأمر بها أن تنزل، فأنزلت فوضعت بين يديه، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود في رجلك.

كان أشعب يقول: أنا أطمع وأمّي تيقن فقلّ ما يفوتنا.

وقال النابغة:

واليأس عمّا فات يعقب راحةولربّ مطعمة تعود ذباحا

وقال أبو عليّ الضرير:

فإنّي قد بلوتكم جميعافما منكم على شكري حريص
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
وأرخصت الثّناء فعفتموهوربّتما غلا الشيء الرّخيص
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
فعفت نوالكم ورغبت عنهوشرّ الزاد ما عاف الخصيص

وقال أعرابيّ:

أيّها الدّائب الحريص المعنّىلك رزق وسوف تستوفيه
قبح الله نائلا ترتجيهمن يدي من تريد أن تقتضيه
إنّما الجود والسّماح لمن يعطيك عفوا وماء وجهك فيه
لا ينال الحريص شيئا فيكفيهـ وإن كان فوق ما يكفيه
فسل الله وحده ودع الناس وأسخطهم بما يرضيه
لا ترى معطيا لما منع اللهـ ولا مانعا لما يعطيه

وجد بالأصل بآخر هذا الجزء ما يأتي:

آخر كتاب الحوائج، وهو الكتاب الثامن من عيون الأخبار لابن قتيبة رحمة الله عليه. وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد ابن عليّ الواعظ الجزريّ وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلاته وسلامه على سيّدنا محمد النبيّ وآله أجمعين. ويتلوه الكتاب التاسع وهو كتاب الطعام، والله الموفّق للصّواب.

وفيه كذلك- وهو من زيادات النسّاخ-:

في الاستعفاف:

عليك باليأس من الناسإنّ غنى نفسك في اليأس
كم صاحب قد كان لي وامقاإذ كان في حالة إفلاس»
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عليك باليأس من الناس»
أقول لو قد نال هذا الغنىصيّرني منه على الرّاس
حتى إذا ما صار فيما اشتهيوعدّه النّاس من النّاس
قطّع بالصدّ حبال الصّفامنّي ولمّا يرض بالقاسي

وقال آخر وقد أحسن:

إنّ للمعروف أهلاوقليل فاعلوه
أهنأ المعروف ما لمتبتذل فيه الوجوه
أنت ما استغنيت عن صاحبك الدّهر أخوه
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يسلم المرء أخوه»
فإذا احتجت إليهساعة مجّك فوه
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يسلم المرء أخوه»
إنما يعرف الفضل من الناس ذووه
لو رأى الناس نبيّاسائلا ما وصلوه
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يسلم المرء أخوه»

وكتب أبو العيناء إلى أبي القاسم بن عبيد الله بن سليمان رقعة يقول فيها: أنا- أعزّك الله- وولدي وعيالي زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى. وقد مسّني منك جفاء بعد برّ وإغفال بعد تعهّد، فشمت عدوّ، وتكلّم حاسد، ولعبت بي ظنون؛ وانتزاع العادة شديد. ثم كتب في آخرها:

لا تهنّي بعد إكرامك ليفشديد عادة منتزعه
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «ليت شعري عن خليلي ما الذي»

وقال آخر:

ما لي معاش سوى ضدّ المعاش فلاأغدو إلى عمل إلّا بلا أمل
وليس لي شغل يجدي عليّ إذافكرت فيه وما أنفكّ من شغل
كلّ امرىء رائح غاد إلى عملوما أروح ولا أغدو إلى عمل
ولست في الناس موجودا كبعضهموإنّما أنا بعض الناس في المثل

وقال آخر:

المرء بعد الموت أحدوثةيفنى وتبقى منه آثاره
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «المرء بعد الموت أحدوثة»
يطويه من أيّامه ما طوىلكنّه تنشر أسراره
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «المرء بعد الموت أحدوثة»
وأحسن الحالات حال امرىءتطيب بعد الموت أخباره
يفنى ويبقى ذكره بعدهإذا خلت من شخصه داره
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «المرء بعد الموت أحدوثة»

وقال حبيب الطائي:

وما ابن آدم إلّا ذكر صالحةأو ذكر سيّئة يسري بها الكلم
أما سمعت بدهر باد أمّتهجاءت بأخبارها من بعدها أمم

في البخل:

طرقت أناسا على غرّةفذقت من العيش جهد البلاء
فأمّا القديد وأشباههفذاك مفاتيحه في السماء
وأما السّويق ففي عيبةيشمّ ويدعى له بالبقاء
ومن حاول الخبز قالوا لهأتذكر شيئا خبي للدّواء

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.