تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

آداب الأكل والطعام

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأكل في السّوق دناءة». وعن عبد الرحمن بن عراك قال: بلغني أنه من غسل يده قبل الطعام كان في سبعة من الرّزق حتى يموت.

عن الحسن أنه قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللّمم.

وعنه قال: قيل لسمرة بن جندب: إنّ أباك أكل طعاما كاد يقتله؛ قال:

لو مات ما صلّيت عليه.

وعن شرحبيل بن مسلم قال: قال أبو الدّرداء: بئس العون على الدّين قلب نخيب، وبطن رغيب، ونعظ شديد.

أكل الجارود مع عمر طعاما، ثم قال: يا جارية هات الدّستورد؛ فقال عمر: امسح باستك أو ذر.

قال جعفر: كنّا نأتي فرقدا السّبخيّ ونحن شببة فيعلّمنا: إنّ من

ورائكم زمانا شديا، فشدّوا الأزر على أنصاف البطون، وصغّروا اللّقم، وشدّدوا المضغ، ومصّوا الماء مصّا. وإذا أكل أحدكم فلا يحلّنّ إزاره فتتّسع أمعاؤه. وإذا جلس أحدكم ليأكل فليقعد على أليتيه، وليلزق بطنه بفخذيه، وإذا فرغ فلا يقعد وليجىء وليذهب؛ واحتموا فإنّ من ورائكم زمانا شديدا.

وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ: «ساقي القوم آخرهم شربا».

وعن الجارود بن أبي سبرة قال: قال لي بلال بن أبي بردة: أتحضر طعام هذا الشيخ- يعني عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر-؛ فقلت: إيها والله؛ فقال: حدّثني عنه. فقلت: نأتيه وكان سكّيتا، إن حدّثنا أحسن الحديث، وإن حدّثناه أحسن الاستماع، فإذا حضر الغداء جاء خبّازه فمثل بين يديه؛ فيقول: ما عندك؟ فيقول: بطّة بكذا، ودجاجة بكذا وكذا. قال: وما يريد بذاك؟ قلت: كي يحبس كلّ إنسان نفسه إلى ما يشتهي، فإذا وضع الخوان خوّى تخوية الظليم فما له إلا موضع متّكئه فيجدّ ويهزل، حتى إذا رآهم قد فتروا وكلّوا أكل معهم أكل الجائع المقرور حتى ينشّطهم بأكله.

وكان يقال: إذا اجتمع للطعام أربع كمل: أن يكون حلالا، وأن تكثر عليه الأيدي، وأن يفتتح باسم الله، ويختتم بحمد الله.

وكان يقال: سمّوا إذا أكلتم ودنّوا وسمّتوا.

قال أپرويز لصاحبي طعامه وشرابه: إني سلّطتكما على المعشية، وأشركتكما في الحياة، وجعلتكما أمينين على نفسي، وولّيتكما من طعامي وشرابي ما التوسعة فيه مروءة والتضييق فيه دناءة؛ فاجعلاه في فضله على ما سواه كفضلي على من سواي، وفي كثرته ككثرة من معي على من مع غيري. ولا يشهدنّ طعامي الذي آكل عين تراه ولا نفس تحسّه ولا يد تداوله خلا نفسا واحدة؛ وإنما أفردته بذلك لتستحكم الحجّة فيه على من أضاع، وتنقطع الشبهة فيه عمن غفل، ولأجعل صاحب ذاك رهنا بدم نفسه إن هو قصّر في صنعه أو أوقع بغائلة.

الأصمعيّ قال حدّثني ابراهيم بن صالح: أنه كان له جام من حبّ رمّان مدقوق يسفّ منه بين كل لونين ملعقة حتى يعرف اختلاف الألوان.

وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر من كتبه قال: كان أبو عبد الرحمن الثّوريّ يقعد ابنه معه على خوانه يوم الرأس، ثم يقول: إياك ونهم الصبيان وأخلاق النوائح، ودع عنك خبط الملّاحين والفعلة، ونهش الأعراب والمهنة، وكل من بين يديك؛ فإنّ حظّك الذي وقع وصار إليك. واعلم أنه إذا كان في الطعام شيء طريف أو لقمة كريمة أو بضعة شهيّة، فإنما ذلك للشيخ

المعظّم والصبيّ المدلّل، ولست واحدا منهما. وأنت قد تأتي الدعوات، وتجيب الولائم، وتدخل منازل الإخوان، وعهدك باللحم قريب، وإخوانك أشدّ قرما إليه منك، وإنما هو رأس واحد فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضا. وأنا بعد أكره لك الموالاة بين اللحم؛ فإن الله يبغض أهل البيت اللّحمين.

وكان يقال: مدمن اللحم كمدمن الخمر.

ورأى رجل رجلا يأكل لحما، فقال: لحم يأكل لحما، أفّ لهذا عملا!.

وكان عمر يقول: إيّاكم وهذه المجازر، فإنّ لها ضرواة كضراوة الخمر.

يا بنيّ عوّد نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السّباع، ولا تخضم خضم البراذين، ولا تدمن الأكل إدمان النّعاج، ولا تلقم لقم الجمال؛ فإن الله تعالى جعلك إنسانا وفضّلك، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا. واحذر سرعة الكظّة وسرف البطنة.

قال بعض الحكماء: إذا كنت بطينا فعدّ نفسك من الزّمني. وقال الأعشى:

والبطنة ممّا تسفّه الأحلاما

واعلم أنّ الشّبع داعية البشم، وأنّ البشم داعية السّقم، وأنّ السقم داعية الموت، فمن مات بهذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، وهو مع هذا قاتل نفسه، وقاتل نفسه الأم من قاتل غيره.

يا بنيّ، والله ما أدّى حقّ الركوع والسجود ذو كظّة، ولا خشع لله ذو بطنة، والصوم مصحّة، والوجبات عيش الصالحين.

أي بنيّ، لأمر مّا طالت أعمار الهند، وصحّت أبدان الأعراب. فلله درّ الحارث ابن كلدة حيث يزعم أنّ الدواء هو الأزم، وأنّ الداء إدخال الطعام إثر الطعام.

أي بنيّ، لم صفت أذهان الأعراب، وصحّت أبدان الرّهبان، مع طول الإقامة في الصوامع حتى لم تعرف النّقرس ولا وجع المفاصل ولا الأورام، إلّا لقلّة الرّزء وخفّة الزاد. وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحّة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح المعي»

وكثرة المال، والقرب من عيش الملائكة!.

أي بنيّ، لم صار الضبّ أطول شيء ذماء إلّا لأنّه يتبلّغ بالنسيم؛ ولما قال الرسول ﷺ «إنّ الصوم وجاء» إلّا ليجعله حجازا دون الشهوات. افهم تأديب الله، فإنه لم يقصد به إلّا إلى مثلك.

أي بني، قد بلغت تسعين عاما نغض لي سنّ، ولا انتشر لي عصب ولا عرفت ذنين أنف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول؛ ما لذلك علّة إلّا التخفيف من الزاد. فإن كنت تحبّ الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تريد الموت فار يبعد الله إلّا من ظلم نفسه.

وقال أبو نهشل: كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة، في ذراع كأنه جمّارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة. إلّا خصّصتني بها، فزوّجتها وصرت أجلس معي على المائدة ابنا لي فيبرز كفّا كأنها كرنافة، في ذراع كأنه كربة، فو الله ما إن تسبق عيني إلى لقمة طيّبة إلّا سبقت يده إليها.

وقال بعضهم: غلبت بطنتي فطنتي.

قال عمرو بن العاص لمعاوية يوم تحكّم الحكمان: أكثروا الطعام، فو الله ما بطن قوم قطّ إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا.

وكان يقال: أقلل طعاما تحمد مناما.

الأصمعيّ قال: كان يقال: ليس لشبعة خير من جوعة تحفزها.

دعا عبد الملك بن مروان إلى الغداء رجلا فقال: ما فيّ فضل؛ فقال عبد الملك: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يبقى فيه فضل! فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، ولكن أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين.

وقال لشيخ: ما أحسن أكلك؟ قال: عملي منذ ستين سنة.

وقال الحسن: إنّ ابن آدم أسير الجوع، صريع الشبع.

وسأل عبد الملك أبا الزعيرة فقال: هل اتّخمت قطّ؟ قال لا؛ قال:

وكيف ذاك؟ قال: لأنا إذا طبخنا أنضجنا، وإذا مضغنا دقّقنا، ولا نكظّ المعدة ولا نخليها.

وقال الأحنف: جنّبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل أن يكون وصّافا لبطنه وفرجه، وإنّ من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه.

الأصمعيّ قال: بلغني أنّ أقواما لبسوا المطارف العتاق، والعمائم الرّقاق؛ وأوسعوا دورهم، وضيقّوا قبورهم؛ وأسمنوا دوابّهم، وهزّلوا دينهم؛ طعام أحدهم غصب، وخادمه سخرة، يتّكىء على شماله، ويأكل من غير ماله؛ حتى إذا أدركته الكظّة قال: يا جارية هاتي حاطوما؛ ويلك! وهل تحطم إلا دينك! أين مساكينك! أين يتاماك! أين ما أمرك الله به! أين أين!.

قال بعض الحكماء: مدار صلاح الأمور في أربع: الطعام لا يؤكل إلّا على شهوة، والمرأة لا تنظر إلا إلى زوجها، والملك لا يصلحه إلا الطاعة، والرعيّة لا يصلحها إلا العدل.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ: «من أكل من سقط المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده وولد ولده من الحمق».

وقيل لأعرابيّ: أتحسن أن تأكل الرأى؟ قال: نعم، أبخص عينيه، وأسحي، خدّيه، وأفكّ لحييه، وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج منّي إليه.

وكانوا يكرهون أكل الدماغ؛ ولذلك يقول قائلهم: أنا من قبيلة تبقى المخّ في الجماجم.

دعبل قال: يا بنيّ، لا تأكل ألية الشاة لأنها طبق الاست وقريب من الجواعر.

قال بعض الشعراء:

إذا لم أرى إلّا لآكل أكلةفلا رفعت يمنى يديّ طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمةولا جوعة إن جعتها بغرام

عبد الملك بن عمير عن عمه عن الأصمعيّ قال: لا تخرج يا بنيّ من منزلك حتى تأخذ حلمك. يعني حتى تتغذّى. وقال هلال بن جشم:

وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤهويكفيك سوءات الأمور اجتنابها

وقرأت في الآيين: أن رجلا من خدم دار المملكة أوصى ابنه فقال:

إذا أكلت فضمّ شفتيك، ولا تتلفّتنّ يمينا وشمالا. ولا تتّخذنّ خلالك قصبا.

ولا تلقمنّ بسكين أبدا، وإذا كان في يدك سكّين وأردت التقاما فضعها على مائدتك ثم التقم. ولا تجلس فوق من هو أسنّ منك وأرفع منزلة. ولا تتخلّل بعود آس. ولا تمسح بثياب بدنك. ولا ترق ماء وأنت قائم. ولا تحفر أرضا بأظفارك. ولا تجلس على حائط أو باب أو تكتب عليهما فتلعن، ولا تسترح على أسكفّة فتجهّل، ولا تستنج بمدر فيورثك البواسير، ولا تمتخط حيث يسمع امتخاطك، ولا تبصق في الأماكن المنظّفة.

وأجلس معاوية على مائدته رجلا يؤاكله، فأبصر في لقمته شعرة، فقال:

خذ الشعرة من لقمتك؛ فقال له الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر الشعرة في لقمتي! والله لا أكلت معك أبدا ثم خرج الأعرابيّ وهو يقول:

وللموت خير من زيارة باخليلاحظ أطراف الأكيل على عمد
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

وكان سعيد بن جبير إذا فرغ من طعامه قال: اللهمّ أشبعت وأرويت فهنئنا، وأكثرت وأطبت فزدنا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.