تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الجوع والصوم

قيل لبعض الحكماء: أيّ الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.

وكان يقال: نعم الإدام الجوع، ما ألقيت إليه قبله.

قال لقمان لابنه: يا بنيّ، كل أطيب الطعام، ونم على أوطأ الفراش.

يقول: أكثر الصيام، وأطل بالليل القيام.

اشتاق أعرابيّ بالبصرة إلى البادية فقال:

أقول بالمصر لمّا ساءني شبعيألا سبيل إلى أرض بها جوع
ألا سبيل إلى أرض بها عرسجوع يصدّع منه الرأس برقوع

وقال آخر:

وعادة الجوع فاعلم عصمة وغنىوقد يزيدك جوعا عادة الشّبع

العتبيّ قال: قلت لرجل من أهل البادية: يا أخي، إني لأعجب من أن فقهاءكم أظرف من فقهائنا، وعوامّكم أظرف من عوامّنا، ومجانينكم أظرف من مجانيننا، قال: وما تدري لم ذاك؟ قلت لا؛ قال: من الجوع؛ ألا ترى أن العود إنما صفا صوته لخلوّ جوفه!.

وقيل لبعض حكماء الرّوم: أيّ وقت الطعام فيه أطيب وأفضل؟ قال:

أمّا لمن قدر فإذا جاع، وأمّا لمن لم يقدر فإذا وجد.

ونظر أعرابيّ إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان، فقال: أما والله لئن أثرتموه لتمسكنّ منه بذنابي عيش أغبر.

وقيل لآخر: ألا تصوم البيض من شعبان! فقال: بين يديها ثلاثون كأنها القباطيّ».

وقيل لمدني: بم تتسحّر الليلة؟ فقال: باليأس من فطور القابلة.

الرّياشيّ قال: قيل لأعرابيّ: اشرب، فقال: إنى لا أشرب على ثميلة. وقال:

إذا لم يكن قبل النبيذ ثريدةمبقّلة صفراء شحم جميعها
فإنّ نبيذ الصّرف إن كان وحدهعلى غير شيء أوجع الكبد جوعها

قدم أعرابيّ على ابن عمّ له بالحضر، فأدركه شهر رمضان؛ فقيل له:

أبا عمرو لقد أتاك شهر رمضان؛ قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام؛ قال: أبالليل أم بالنهار؟ قالوا: لا، بل بالنهار؛ قال: أفيرضون بدلا من الشهر؟ قالوا: لا؛ قال: فإن لم أصم فعلوا ماذا؟ قالوا: تضرب وتحبس؛ فصام أياما فلم يصبر، فارتحل عنهم وجعل يقول:

يقول بنو عمّي وقد زرت مصرهمتهيّأ أبا عمرو لشهر صيام
فقلت لهم هاتوا جرابي ومزوديسلام عليكم فاذهبوا بسلام
فبادرت أرضا ليس فيها مسيطرعليّ ولا منّاع أكل طعام

وأدرك أعرابيّا شهر رمضان فلم يصم؛ فعذلته امرأته في الصوم، فزجرها وأنشأ يقول:

أتأمرني بالصّوم لا درّ درّهاوفي القبر صوم يا أميم طويل

دعا عبد الله بن الزبير الحسين فحضر وأصحابه، فأكلوا ولم يأكل؛ فقيل له: ألا تأكل! فقال: إنّي صائم، ولكن تحفة الصائم؛ قيل: وما هي؟ قال:

الدّهن والمجمر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.