من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أخبار من أخبار الأكلة
الأصمعيّ قال: قال رجل: أحبّ أن أرزق ضرسا طحونا، ومعدة هضوما، وسرما نثورا.
عن إسحاق بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول: رأيت عمر يلقى إليه الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه.
وقال بعض الشعراء:
همّ الكريم كريم الفعل يفعلهوهمّ سعد بما يلقي إلى المعده
وقيل لرجل رئي سمينا: ما أسمنك؟ قال: أكلي الحارّ، وشربي القارّ، واتكائي على شمالي، وأكلي من غير مالي.
وقيل لآخر: ما أسمنك؟ قال: قلّة الفكرة، وطول الدّعة، والنّوم على الكظّة.
قال الحجّاج للغضبان بن القبعثري في حبسه: ما أسمنك؟ قال: القيد والدّعة، ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
وقال آخر لرجل رآه سمينا: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك.
وقيل لآخر: إنك لحسن الشّحمة ليّن البشرة؛ فقال: آكل لباب البرّ بصغار المعز، وأدّهن بدهن البنفسج، وألبس الكتّان.
قيل لميسرة الأكول وأنا أسمع: كم تأكل في كلّ يوم؟ قال: من مالي أو من مال غيري؟ قالوا: من مالك؛ قال: دونان؛ قالوا: فمن مال غيرك؟
قال: اخبز واطرح.
والعرب تقول: «العاشية تهيج الآبية». يريدون أنّ الذي لا يشتهي أن يأكل، إذا نظر إلى من يأكل هاجه ذلك على الأكل.
قال جرير:
وبنو الهجيم سخيفة أحلامهمثطّ اللّحى متشابهوا الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شربةبعمان أصبح جمعهم بعمان
متأبّطين بنيهم وبناتهمصعر الأنوف لريح كل دخان
قعد رجل على مائدة المغيرة، وكان منهوما، وجعل ينهش ويتعرّق؛ فقال المغيرة: ناولوه سكّينا؛ فقال الرجل: كلّ امرىء سكّينه في رأسه وقيل لأعرابيّ: ما لكم تأكلون اللحم وتدعون الثريد؟ فقال: لأن اللحم ظاعن والثريد باق.
وقيل لآخر: ما تسمّون المرق؟ قال: السّخين؛ قال: فإذا برد؟ قال: لا ندعه يبرد.
قال أبو اليقظان: كان هلال بن أسعر التّميميّ، من بني دارم بن مازن، شديدا أكولا؛ يزعمون أنه أكل جملا إلا ما حمل على ظهره منه. وأكل مرّة فصيلا، وأكلت امرأته فصيلا، فلما ضاجعها لم يصل إليها؛ فقالت:
كيف تصل إليّ وبيننا بعيران!.
الأصمعيّ قال: دعا عبّاد بن أخضر هلال بن أسعر إلى وليمة، فأكل مع الناس حتى فرغوا، ثم أكل ثلاث جفان تصنع كلّ جفنة لعشرة أنفس؛ فقال له: شبعت؟ قال لا؛ فأتوه بكل خبز في البيت فلم يشبع، فبعثوا إلى الجيران؛ فلمّا اختلفت ألوان الخبز علم أنه قد أضرّ بهم فأمسك؛ فقالوا: هل لك في تمر شهريز بلبن؟ فأتوه به فأكل منه قواصر؛ فقالوا له: أشبعت؟ قال: لا؛
قالوا: فهل لك في السّويق؟ قال: نعم؛ فأتوه بجراب ضخّم مملوء؛ فقال:
هل عندكم نبيذ؟ قالوا: نعم؛ قال: أعندكم تور تغتسلون فيه من الجنابة؟
فأتي به فغسله وصبّ السّويق وصبّ عليه النبيذ، فما زال يفعل ذلك حتى فني.
الشّمردلّ وكيل آل عمرو بن العاص قال: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف وقد عرفت شجاعته، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه بستانا لعمرو؛ قال: فجال في البستان ساعة ثم قال: ناهيك بمالكم هذا مالا لولا جرار فيه! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنها ليست بجرار ولكنها جرب الزّبيب؛ فجاء حتى ألقى صدره على غصن، ثم قال: ويلك يا شمردل! أما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى والله! إن عندي لجديا تغدو عليه بقرة وتروح أخرى؛ قال: اعجل به؛ فأتيته به كأنه عكّة، وتشمّر فأكل ولم يدع ابنه ولا عمر حتى أبقى فخذا. فقال: يا أبا حفص هلمّ؛ قال: إنّي صائم؛ ثم قال: ويلك يا شمردل! أما عندك شيء؟ فقلت: بلى والله! دجاجات ست كأنهنّ رئلان النّعام، فأتيته بهنّ، فكان يأخذ رجل الدجاجة حتى يعري عظمها ثم يلقيها بفيه حتى أتى عليهنّ. ثم قال: ويلك! أما عندك شيء؟ فقلت: بلى والله! إن عندي لحريرة كقراضة الذّهب، فقال: اعجل بها؛ فأتيته بعسّ يغيب فيه الرأس، فجعل يتلقّمها بيده ويشرب، فلما فرغ تجشّأ كأنه صاح في
جبّ؛ ثم قال: يا غلام، أفرغت من غدائنا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال:
نيّف وثمانون قدرا؛ قال: فأتني بها قدرا قدرا؛ فأتاه بها وبقناع»
عليه رقاق؛ فأكثر ما أكل من قدر ثلاث لقم وأقلّ ما أكل لقمة، ثم مسح يده واستلقى على فراشه، وأذن للناس ووضعت الخوانات فجعل يأكل مع الناس.
الخطّابيّ عن الدّيرانيّ أنه قال: إني لأعرف الطعام الذي يأكله سليمان؛ قال: لما استخلف سليمان قال لي: تقطع عنّي ألطافك التي كنت تلطفني بها قبل أن أستخلف؛ فأتيته بزنبيلين أحدهما بيض والآخرتين؛ فقال:
لقّمنيه، فجعلت أقشر البيضة وأقرنها بالتينة حتى أكل الزّنبيلين.
العننيّ عن أبيه قال: كان عبيد الله بن زياد يأكل كلّ يوم أربع جرادق أصبهانية وجبنا قبل غدائه.
وعن سلّم بن قتيبة قال: عددت للحجاج أربعا وثمانين لقمة في كلّ لقمة رغيف من خبز الماء فيه ملء كفّه سمك طريّ.
وكان لعبد الرحمن بن أبي بكرة ابن أكول؛ فقال له معاوية: ما فعل ابنك التّلقامة؟ قال: اعتلّ؛ قال: مثله لا يعدم علّة.
أكل أبو الأسود الدؤليّ وأقعد معه أعرابيا فرأى له لقما منكرا؛ فقال له.
ما اسمك؟ قال: لقمان؛ قال: صدق أهلك، إنك لقمان.
ولد لابن أبي ليلى غلام فعمل الأخبصة للجيران، فلما أكلوا قام مساور الورّاق فقال:
من لا يدسّم بالثريد سبالنابعد الثّريد فلا هناه الفارس
وقال العجيف في أمّه:
يا ليتما أمّنا شالت نعامتهاإمّا إلى جنّة إمّا إلى نار
ليست بشبعى وإن أسكنتها هجراولا بريّا ولو حلّت بذي قار
تلهّم الوسق مشدودا أشظّتهكأنّما وجهها قد طلي بالقار
خرقاء في الخير لا تهدى لوجهتهوهي صناع الأذى في الأهل والجار
رأى أبو الحارث جمّيز سلّة بين يدي رجل من الملوك، فقال له:
جعلت فداك، أيّ شيء في تلك السّلّة؟ فقال: بظر أمّك، قال: فأعضّني به.
قيل للحارثيّ: لم لا تؤاكل الناس؟ فقال: لو لم أترك مؤاكلتهم إلا لنزوعي عن الأسواريّ لتركتها، ما ظنّكم برجل نهش بضعة لحم بقر فانقلع ضرسه وهو لا يدري. وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت عيناه وسكر وسدر وتربّد وجهه وغضب ولم يسمع ولم يبصر، فلما رأيته وما يعتريه ويعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل الجوز والتمر والباقلّى؛ ولم يفجأني قطّ وأنا آكل تمرا إلا استفّه سفّا وزدا به زودا، ولا وجده كنيزا إلا وتناول القطعة منه كجمجمة الثّور كدمها كدما، ونهشها طولا وعرضا، ورفعا وخفضا، حتى يأتي عليها؛ ثم لا يقع عضّه إلا على الأنصاف والأثلاث؛ ولا رمى بنوان قطّ، ولا نزع قمعا، ولا نفى عنه قشرا، ولا فتّشه مخافة السوس والدود.
وقال بعض الشعراء:
تبيت تدهده القرّان حوليكأنّك عند رأسي عقربان
فلو أطعمتني حملا سميناشكرتك والطعام له مكان
وقال بعض الأعراب:
وإنّ طعاما ضمّ كفّي وكفّهالعمرك عندي في الحياة مبارك
فمن أجلها أستوعب الزاد كلّهومن أجلها أهوي يدي فأدارك
وقال آخر:
عريض البطان جديد الخوانقريب المراث من المرتع
فنصف النهار لكرياسهونصف لمأكله أجمع
الأصمعيّ قال: قيل لأعرابيّ: ما يعجبك من هذا القند ؟ قال: يعجبني خضده وبرده. قال الأصمعيّ: الخضد: المضغ والأكل الشديد.
قال خالد بن صفوان يوما لجاريته: يا جارية، أطعمينا جبنا، فإنه يشهّي الطعام ويهيج المعدة، وهو يعدّ من حمض العرب. قالت: ما عندنا منه شيء. قال: لأعلمك إنه والله، ما علمت، ليقدح في الأسنان ويستولي على البطن، وأنه من طعام أهل الذمّة.
كان يقال: إذا كثرت المقدرة، ذهبت الشهوة.
وقال بعض الظرفاء:
زرعنا فلمّا سلّم الله زرعناوأوفى عليه منجل بحصاد
بلينا بكوفيّ حليف مجاعةأضرّ علينا من دبى وجراد
عن نافع عن ابن عمر قال: «قال النبيّ ﷺ: من دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله».
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم فجاء مع
الرسول فإنّ ذلك له إذن». وعن مجاهد: أن ابن عمر كان إذا دعي إلى طعام وهو صائم يجيب، وكان يهيء اللقمة بيده ثم يقول: كلوا باسم الله فإني صائم. وعن أسماء بنت رفيد قالت: دخلنا على النبيّ ﷺ، فأتي بطعام فعرض علينا فقلنا: لا نشتهيه، فقال: «لا تجمعنّ كذبا وجوعا».
دعا رجل عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى الطعام، فقال: نأتيك على ألّا تتكلّف ما ليس عندك، ولا تدّخر عنا ما عندك.
وكان يقول: شرّ الإخوان من تكلّف له.
دعا رجل رجلا إلى الغداء ثم قال له: هذه بكر زيارة ولم نستعدد، فلعل تقصيرا فيما أحبّ بلوغه؛ فقال الآخر: حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلّف.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: أتاني الزبير بن دحمان يوما فسألته أن يقيم عندي، فقال: قد أرسل إليّ الفضل بن الربيع وليس يمكنني التخلّف عنه؛ فقلت له:
أقم يا أبا العوّام ويحك نشربونله مع اللّاهين يوما ونطرب
إذا ما رأيت اليوم قد جاء خيرهفخذه بشكر واترك الفضل يغضب
وقال بعض المحدثين:
نحن قوم متى دعينا أجبناومتى ننس يدعنا التطفيل
ونقل علّنا دعينا فغبناوأتانا فلم يجدنا الرسول
كان طفيل العرائس الذي ينسب اليه الطّفيليّون يوصي أصحابه فيقول لأحدهم: إذا دخلت عرسا فلا تتلفّت تلفّت المريب، وتخيّر المجالس، وأجد ثيابك، واعمل على أنها العقدة التي تستغل. وإن كان العرس كثير الزحام فمر وانه. ولا تنظر في عيون أهل المرأة ولا عيون أهل الرجل، فيظنّ هؤلاء أنك من هؤلاء وهؤلاء أنك من هؤلاء. وإن كان البوّاب غليظا وقاحا فابدأ به ومره وانهه من غير أن تعنّف عليه، وعليك بكلام بين النصيحة والإدلال.
عرض رجل على رقبة الغداء؛ فقال: إن أقسمت عليّ وإلّا فدعني.
ومن أشعار الطّفيليّين:
دعوت نفسي حين لم تدعنيفالحمد لي لا لك في الدّعوه
وقلت دا أحسن من موعدإخلافه يدعو إلى جفوه
وقال آخر:
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفنفأودى بما تقرى الضيوف الضّيافن
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلّي:
نعم الصديق صديق لا يكلّفنيذبح الدّجاج ولا شيّ الفراريج
يرضى بلونين من كشك ومن عدسوإن تشهّى فزيتون بطسّوج
كان سعيد بن أسعد الأنصاري إمام الجامع بالبصرة طفيليّا، فإذا كانت وليمة سبق الناس إليها، فربما بسط معهم البسط وخدم. فقيل له في ذلك
فقال: إني أبادر برد الماء، وصفو القدور، ونشاط الخبّاز، وخلاء المكان، وغفلة الذّبّان، وجفاف المنديل.
وقيل لبعض الطفيليّين: كم اثنان في اثنين قال: أربعة أرغفة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع