تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب الضيافة وأخبار البخلاء على الطعام

عن المقدام أبي كريمة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أيّما مسلم ضافه قوم فأصبح الضيف محروما كان له على كلّ مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله».

روى ابن العجلان عن أبيه قال: قال أبو هريرة: إذا نزلت برجل ولم يقرك فقاتله. عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «الخير أسرع إلى مطعم الطّعام من الشّفرة في سنام البعير».

داود قال: قلت للحسن: إنك تنفق من هذه الأطعمة وتكثر، قال: ليس في الطعام سرف. وقال الثوريّ: ليس في الطعام ولا في النساء سرف.

عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنّ من السّنّة أن يمشي الرجل مع ضيفه إلى باب الدار».

عن عبد الرحمن بن عباس قال: رأيت ابن عباس في وليمة فأكل وألقى للخبّاز درهما.

الأصمعيّ قال: سئل أقرى أهل اليمامة للضيف: كيف ضبطتم القرى؟

قال: بأنّا لا نتكلّف ما ليس عندنا.

عن بعض النّسّاك قال: قد أعياني أن أنزل على رجل يعلم أني لست آكل من رزقه شيئا.

عن عون بن عبد الله قال: ضلّ رجل صائم في عام سنة، فابتلي برجل عند فطره وقد أتي بقرصين فألقى إليه أحدهما، ثم قال: ما هذا بمشبعه ولا بمشبعي، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان، وألقى إليه الآخر. فلما أوى إلى فراشه أتاه آت فقال: سل؛ فقال: أسأل المغفرة؛ قال:

قد فعل ذلك بك؛ قال: فإني أسأل أن يغاث الناس.

عن الحسن: أنّ رجلا جهده الجوع، ففطن له رجل من الأعيان، فلمّا أمسى أتى به رحله، فقال لامرأته: هل لك أن نطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟

قالت: نعم قال: فإذا قدّمت الطعام فأدني إلى السراج كأنك تصلحينه فأطفئيه، ففعلت وجاءت بثريدة كأنها قطاة فوضعتها بين أيديهما، ثم دنت إلى السراج كأنّها تصلحه فأطفأته، فجعل الأنصاريّ يضع يده في القصعة ثم يرفعها خالية؛ فأطلع على ذلك رسول الله ﷺ؛ فلما أصبح الأنصاريّ صلّى مع الرسول ﷺ الفجر، فلما سلّم أقبل على الأنصاريّ وقال: «أنت صاحب الكلام الليلة؛ ففزع الأنصاريّ وقال: أيّ كلام يا رسول الله؟ قال: كذا وكذا:

قوله لامرأته؛ قال كان ذاك يا رسول الله؛ قال: فو الله لقد عجب الله من صنعكما الليلة».

الأصمعيّ قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا قدم عليه بريد قال: هل رأيت في الناس العرسات؟ يعني الخصب للمسلمين.

وقيل لأعرابيّ كان في مجلس: فيم كنتم؟ قال: كنا في قدر تفور، وكأس تدور، وغناء يصور، وحديث لا يخور.

بلغني أن محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية كان نازلا بحلب على الهيثم بن يزيد التّنوخيّ، فبعث إلى ضيف له من عذرة فقال: حدّث أبا عبد الله ما رأيت في حاضرة المسلمين من أعاجيب الأعراس؛ قال: نعم، رأيت أمورا معجبة: منها أني رأيت قرية عاصم بن بكر الهلاليّ، فإذا أنا بدور متباينة، وإذا أخصاص منظّم بعضها إلى بعض، وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون وعليهم ثياب حكوا بها ألوان الزّهر، فقلت لنفسي: هذا أحد العيدين الأضحى أو الفطر؛ ثم رجع إليّ ما عزب عنّي من عقلي، فقلت: خرجت من أهلي في عقب صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك؛ فبينما أنا واقف ومتعجّب أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني دارا قوراء وأدخلني بيتا قد نجّد في وجهه فرش قد مهّدت وعليها شابّ ينال فروع شعره كتفيه، والناس حوله سماطان؛ فقلت في نفسي: هذا الأمير الذي يحكى لنا جلوسه وجلوس الناس حوله، فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته؛ فجذب رجل بيدي وقال: اجلس فإن هذا ليس بالأمير؛ فقلت: ومن هو؟ قال: عروس؛ قلت؛ واثكل أمّاه! ربّ عروس رأيت بالبادية أهون على أصحابه من هن أمّه؛ فلم ألبث إذ دخلت الرجال عليها هنات مدوّرات من

خشب وقضبان، أمّا ما خفّ فيحمل حملا، وأمّا ما ثقل فيدحرج، فوضعت أمامنا وتحلّق القوم حلقا حلقا، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا، فظننتها ثيابا وهممت عندها أن أسأل القوم خرقا أقطع منها قميصا، وذلك أني رأيت نسجا متلاحكا لا تبين له سدى ولا لحمة؛ فلما بسط القوم أيديهم إذا هو يتمزّق سريعا وإذا هو فيما زعموا صنف من الخبز لا أعرفه. ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض وحارّ وبارد، فأكثرت منه وأنا لا أعرف ما في عقبه من التّخم والبشم. ثم أتينا بشراب أحمر في عساس، فلما نظرت إليه قلت: لا حاجة لي فيه، أخاف أن يقتلني. وكان في جانبي رجل ناصح لي- أحسن الله جزاءه- كان ينصح لي من بين أهل المجلس، فقال: يا أعرابيّ، إنك قد أكثرت من الطّعام، وإن شربت الماء انتفخ بطنك- فلما ذكر البطن تذكرت شيئا كان أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي: قالوا: لا تزال حيّا ما دام شديدا (يعني البطن) فإذا اختلف فأوص- فلم أزل أتداوى به ولا أملّ من شربه، فتداخلني- نالك الخير- صلف لا أعرفه من نفسي، وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله، واقتدار على أمر أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته ولو ساورت الأسد لقتلته، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدّثني نفسي بهتم أسنانه وهشم أنفه، وأهمّ أحيانا بأن أقول له: يابن

الزانية؛ فبينما نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة: أحدهم قد علّق في عنقه جعبة فارسية مشنّجة الطرفين دقيقة الوسط قد شبحت بالخيوط شبحا منكرا، وقد ألبست قطعة فرو كأنهم يخافون عليها القرّ. ثم بدر الثاني فاستخرج من كمّه هنة سوداء كفيشلة الحمار فوضع طرفها في فيه فضرط فيها فاستتمّ بها أمرهم، ثم حسب على حجرة فيها فاستخرج منها صوتا ملائما مشاكلا بعضه بعضا كأنه- علم الله- ينطق. ثم بدر الثالث عليه قميص وسخ وقد غرق شعره بالدّهن ومعه مرآتان فجعل يمري إحداهما على الأخرى مريا. ثم بدر الرابع عليه قميص قصير وسراويل قصير وخفّان أجذمان لا ساقين لهما، فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب، ثم التبط بالأرض، فقلت: معتوه وربّ الكعبة! ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي، ورأيت الناس يحذوفونه بالدارهم حذفا منكرا. ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم، فبعثوا بهم إليهن. وبقيت الأصوات تدور في آذاننا. وكان معنا في البيت شابّ لا آبه له، فعلت الأصوات له بالدعاء، فخرج فجاء بخشبة عينها في صدرها فيها خويطات أربعة، فاستخرج من جنبها عودا فوضعه على أذنه، ثم زمّ الخيوط الظاهرة، فلما أحكمها وعرك آذانها حرّكها بمجسّة في يده، فنطقت وربّ الكعبة! وإذا هي أحسن قينة رأيتها قطّ وغنّى عليها

فاستخفّني في مجلسي حتى قمت فجلست بين يديه، فقلت: بأبي أنت وأمّي! ما هذه الدابّة؟ فلست أعرفها للأعراب وما خلقت إلّا حديثا! فقال: يا أعرابيّ.

هذا البربط الذي سمعت به؛ فقلت: بأبي أنت وأمي! فما هذا الخيط الأسفل؟

قال: زير؛ قلت: فما الذي يليه؟ قال: مثنى؛ قلت: فالثالث؟ قال: المثلث؛ قلت: فالرابع؟ قال البمّ؛ قلت: آمنت بالله أوّلا وبالبمّ ثانيا.

وقال الخريميّ:

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحلهويخصب عندي والمحلّ جديب
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله»
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرىولكنّما وجه الكريم خصيب
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله»

وقال أرطاة بن سهيّة:

وإنّي لقوّام إلى الضيف موهناإذا أغدف السّتر البخيل المواكل
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
دعا فأجابته كلاب كثيرةعلى ثقة منّي بما أنا فاعل
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
وما دون ضيفي من تلاد تحوزهلي النفس إلا أن تصان الحلائل
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

إذا نزل الأضياف كان عذوّراعلى الأهل حتى تستقلّ مراجله
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة

يقول: يسوّىء خلقه حتى يطعم أضيافه، لإعجاله إياهم ولخوف تقصير يكون منهم.

وقال دعبل:

وإنّي لعبد الضيف من غير ذلّةوما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإني لعبد الضيف من غير ذلة»

وقال آخر:

لحافي لحاف الضّيف والبيت بيتهولم يلهني عنه الغزال المقنّع
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «لحافي لحاف الضيف والبيت بيته»
أحدّثه، إن الحديث من القرىوتعلم نفسي أنّه سوف يهجع
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «فراشي فراش الضيف والبيت بيته»

وقال الفرزدق في العذافر:

لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالهابأكثر خيرا من خوان عذافر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها»
ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرىوحلّ على خبّازه بالعساكر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها»
بعدّة يأجوج ومأجوج كلّهملأشبعهم يوما غداء العذافر

وقال مسكين الدارميّ:

ناري ونار الجار واحدةوإليه قبلي تنزل القدر
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إن أدع مسكينا فما قصرت»
ما ضرّ جارا لي أجاورهألّا يكون لبابه ستر

ضاف رجل من كلب أبا الرّمكاء الكلبيّ، ومع الرجل فضلة من حنطة، فراحت معزى أبي الرّمكاء، فحلب وشرب، ثم حلب وسقى ابنه، ثم حلب وسقى امرأته؛ فقال الرجل: ألا تسقون ضيفكم؟ فقال أبو الرّمكاء: ما فيها فضل؛ فاستخرج الرجل ما في عكمه من طعام وقال: هل من رحى؟

فأسرعوا بها نحوه، فطحن وعجن وأوقد خبزته وأخرجها فنفضها، فإذا رسول أبي الرمكاء يقول: يقول لك أبو الرمكاء: لا عهد لنا بالخبز؛ فقال الرجل: ما فيها فضل، ثم أكل وارتحل، وقال:

وبات أبو الرّمكاء لم يسق ضيفهمن المحض ما يطوي عليه فيرقد
فقمت إلى حنّانة فوق أختهاونار وباتت وهي تورى وتوقد
فلما نفضت الخبز بالعود أقبلترسائل تشكي الجوع والحيّ سهّد
وقال أبو الرّمكاء بالخبز عهدهقديم له حول كريب مطرّد
فقلت ألا لا فضل فيها لباخلولا مطمع حتى يلوح لنا الغد
فبات أبو الرّمكاء من فرط ريحهايئنّ كما أنّ السليم المسهّد

ذكر أعرابيّ قوما فقال: ألغوا من الصلاة الأذان، مخافة أن تسمعه الآذان، فيهلّ عليهم الضّيفان.

وقال بعضهم في ذلك:

أقاموا الدّيدبان على يفاعوقالوا لا تنم للدّيدبان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإن أبصرت شخصا من بعيدفصفّق بالبنان على البنان
تراهم خشية الأضياف خرسايصلّون الصلاة بلا أذان
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وقال زياد الأعجم:

وتكعم كلب الحيّ من حشية القرىوقدرك كالعذراء من دونها ستر

وقال آخر:

وإنّي لأجفو الضيف من غير عسرةمخافة أن يضرى بنا فيعود

وقال آخر:

أعددت للضّيفان كلبا ضارياعندي وفضل هراوة من أرزن
ومعاذرا كذبا ووجها باسرامتشكيّا عضّ الزمان الألزن

رأى رجل الحطيئة وبيده عصا؛ فقال: ما هذه؟ قال: عجراء من سلم، قال: إنّي ضيف، قال: للضّيفان أعددتها.

وقال آخر:

وأبغض الضيف ما بي جلّ مأكلهألّا تنفّخه حولي إذا قعدا
للشاعر اللعين المنقري، من قصيدة «وأَبِغضُ الضَّيْفَ ما بي جُلُّ مَأْكِله»
ما زال ينفخ جنبيه وحبوتهحتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا

وقال حميد الأرقط يذكر ضيفا:

إذا ما أتانا وراد المصر مرملاتأوّب ناري أصفر العقل قافل
فقلت لعبديّ اعجلا بعشائهوخير عشاء الضيف ما هو عاجل
فقال وقد ألقى المراسي للقرىأبن لي ما الحجّاج بالناس فاعل
فقلت لعمري ما لهذا طرقتنافكل ودع الأخبار ما أنت آكل
تجهّز كفّاه فيحدر حلقهإلى الزّور ما ضمّت عليه الأنامل
أتانا ولم يعدله سحبان وائلبيانا وعلما بالذي هو قائل
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أتى يخبط الظلماء والليل دامس»
فما زال منه اللّقم حتى كأنّهمن العيّ لمّا أن تكلّم باقل

وقال أيضا في نحو ذلك:

ومرملين على الأقتاب برّهمحقائب وعباء فيه بعرين
مقدمين أنوفا في عصائبهمهجنا، ألا جدعت تلك العرانين
يسطّرون لنا الأخبار إذ نزلواوكلّ ما سطّروا للّقم تمكين
باتوا وجلّتنا الصهباء بينهمكأنّ أظفارهم فيها سكاكين
فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهموليس كلّ النوى تلقي المساكين

وقال أيضا في نحو ذلك:

وعاو عوى والليل مستحلس النّدىوقد ضجعت للغور تالية النجم
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
فسلّم تسليم الصّديق ولم يكنصديقا لنا إلا ليأنس باللّقم
فقلت له والنار تأخذ صدرهلقمت لسمت أو سريت على علم

وقال بعض الرّجّاز:

برّح بالعينين خطّاب الكثبيقول إنّي خاطب وقد كذب

وإنّما يطلب عسّا من حلب

وقال آخر:

إنّي لمثلكم من سوء فعلكمإن زرتكم أبدا إلّا معي زادي

وقال حمّاد عجرد:

حريث أبو الصّلت ذو خبرةبما يصلح المعدة الفاسده
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
تخوّف تخمة أضيافهفعوّدهم أكلة واحده

عن قتادة قال: قال زياد لغيلان بن خرشة: أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها، لنحمد الله على النّعمة التي أصبحنا بها؛ فقال غيلان: حدّثني عمّي قال: توالت على العبر سنون تسع في الجاهليّة

حطمت كلّ شيء، فخرجت على بكر لي في العرب. فمكثت سبعا لا أطعم شيئا إلا ما ينال منه بعيري أو من حشرات الأرض، حتى دفعت في اليوم السابع إلى حواء عظيم، فإذا بيت جحش عن الحيّ، فملت إليه فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة؛ فقالت: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى؛ فقالت: لو كان عندنا شيء لآثرناك به، والدّالّ على الخير كفاعله، حسّ هذه البيوت ثم انظر إلى أعظمها، فإن يك في شيء منها خير ففيه؛ ففعلت حتى دفعت اليه، فرحّب بي صاحبه وقال: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى؛ فقال: يا فلان، فأجابه، فقال: هل عندك طعام؟ فقال لا؛ فو الله ما وقر في أذني شيء كان أشدّ منه. قال: فهل عندك شراب؟ قال لا، ثم تأوّه فقال: بلي! قد بقّينا في ضرع الفلانة شيئا لطارق إن طرقك، قال: فأت به، فأتى العطن فابتعثها. فحدّثني عمي أنه شهد فتح أصبهان وتستر ومهرجان وكور الأهواز وفارس وجاهه عند السلطان وكثرة ماله وولده، قال: فما سمعت شيئا قطّ كان أشدّ من شخب تيك الناقة في تلك العلبة؛ حتى إذا ملأها وفاضت من جوانبها وارتفعت عليها شمكرة كجمّة الشيخ، أقبل بها

يهوي نحوي، فعثر بعود أو حجر، فسقطت العلبة من يده، فحدّثني أنه أصيب بأبيه وأمّه وولده وأهل بيته فما أصيب بمصيبة أعظم من ذهاب العلبة. فلما رأى ذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما ودفع إليه مدية وقال: يا عبد الله اصطل واحتمل. قال: فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار فإذا بلغت إناها أكلتها، ثم مسحت ما في يدي من إهالتها على جلدي وقد كان قحل على عظمي حتى كأنّه شنّ. ثم شربت شربة ماء وخررت مغشيّا عليّ فما أفقت إلى السّحر. وقطع زياد الحديث وقال: لا عليك ألّا تخبرنا بأكثر من هذا، فمن المنزول به؟ قلت: أبو عليّ عامر بن الطّفيل.

قال بعض الشعراء يهجو قوما:

وتراهم قبل الغداء لضيفهميتخلّلون صبابة للزّاد

وقال آخر:

استبق ودّ أبي المقاتل حين تأكل من طعامه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «استبق ود أبي »
سيّان كسر رغيفهأو كسر عظم من عظامه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «استبق ود أبي »
فتراه من خوف النزيل به يروّع في منامه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «استبق ود أبي »
فإذا مررت ببابهفاحفظ رغيفك من غلامه
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «استبق ودَّ أبي المقا»

وقال آخر:

صدّق أليّته إن قال مجتهدالا والرغيف، فذاك البرّ من قسمه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صدق أليته إن قال مجتهدا»
قد كان يعجبني لو أنّ غيرتهعلى جراذقه كانت على حرمه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صدق أليته إن قال مجتهدا»
إن رمت قتلته فافتك بخبزتهفإنّ موقعها من لحمه ودمه

قلت لرجل كان يأكل مع أبي دلف: كيف كان طعامه؟ قال: كان على مائدته رغيفان بينهما نقرة جوزة؛ وقال:

أبو دلف يضيّع ألف ألفويضرب بالحسام على الرغيف
أبو دلف لمطبخه قتارولكن دونه ضرب السيوف
للشاعر ابن عبد العزيز العجلي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الشّمقمق:

رأيت الخبز عزّ لديك حتّىحسبت الخبز في جوّ السحاب
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «برزت من المنازل القباب»
وما روّحتنا لتذبّ عنّاولكن خفت مرزئة الذّباب
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «برزت من المنازل القباب»

وقال دعبل:

إنّ من ضنّ بالكنيف على الضيف بغير الكنيف كيف يجود!
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إن من ضن بالكنيف على الضيف»
ما رأينا ولا سمعنا بحشّقبل هذا لبابه إقليد
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إن من ضن بالكنيف على الضيف»
إن يكن في الكنيف شيء تخبّاهـ فعندي إن شئت فيه مزيد
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إن من ضن بالكنيف على الضيف»

ولهذا الشعر قصة قد ذكرتها في باب الشعراء.

قال أبو محمد: شوى لجعفر بن سليمان الهاشميّ دجاج ففقد فخذ من دجاجة، فأمر فنودي في داره: من هذا الذي تعاطى فعقر والله لا أخبز في هذا التنّور شهرا أو يردّ! فقال ابنه الأكبر: أتؤاخذنا بما فعل السّفهاء منّا!.

قال بعض الشعراء:

يا تارك البيت على الضيفوهاربا منه من الخوف
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يا تارك البيت على الضيف»
ضيفك قد جاء بخبز لهفارجع فكن ضيفا على الضيف

وقال أبو نواس:

خبز إسماعيل كلوشي إذا ما شقّ يرفا
عجبا من أثر الصنعة فيه كيف يخفى
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خبز إسماعيل كالوشي»
إن رفّاءك هذاأحذق الأمة كفّا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خبز إسماعيل كالوشي»
فإذا قابل بالنصف من الجردق نصفا
مثل ما جاء من التّنور ما غادر حرفا
أحكم الصنعة حتىلا يرى موضع إشفى
وله في الماء أيضاعمل أبدع ظرفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خبز إسماعيل كالوشي»
مزجه العذب بماء البئر كي يزداد ضعفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خبز إسماعيل كالوشي»
فهو لا يشرب منهمثل ما يشرب صرفا

عن عبد العزيز بن عمران قال: نزلت ببيت ابن هرمة فقلت: انحروا لنا جزورا؛ فقالت: والله ما هي عندنا؛ فبقرة، قالت لا؛ قلت: فشاة، قالت لا؛ قلت: فدجاجة، قالت لا، فأين قول أبيك:

لأمتع العوذ بالفصال ولاأبتاع إلّا قريبة الأجل

قالت: ذاك أفناها. فبلغ ابن هرمة ما قالت، قال: أشهد أنها ابنتي، وأشهد أن داري لها دون الذكور من أولادي.

قال ابن أبي فنن:

لا أشتم الضيف ولكنّنيأدعو له بالقرب من طوق
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
بقرب من إن زاره زائرمات إلى الخبز من الشوق
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

دخل على ابن لرجل من الأشراف داخل وبين يديه فراريج، فغطّى الطبق بمنديله وأدخل رأسه في جيبه وقال للداخل عليه: كن في الحجرة الأخرى حتى أفرغ من بخوري.

وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر من كتبه قال: دخل رجل على رجل قد تغذّى مع قوم ولم ترفع المائدة قال لهم: كلوا وأجهزوا على الجرحى.

يريد: كلوا ما كسر ونيل منه ولا تعرضوا إلى الصحيح.

قال: وقال لقوم يؤاكلونه: يزعمون أن خبزي صغار! أيّ ابن زانية يأكل من هذا رغيفين!. قال: ويقول لزائره إذا أطال عنده المكث: تغدّيت اليوم؟

فإن قال نعم، قال: لولا أنك تغدّيت لغدّيتك بطعام طيّب. وإن قال لا، قال:

لو كنت تغدّيت لسقيتك خمسة أقداح. فلا يكون له على الوجهين لا قليل ولا كثير.

وحكي عن أبي نواس أنه قال: قلت لرجل من أهل خراسان: لم تأكل وحدك؟ قال: ليس عليّ في هذا الموضع سؤال؛ إنما السؤال على من أكل مع الجماعة، لأن ذاك تكلّف وأكلي وحدي هو الأكل الأصليّ.

وكنّا عند داود بن أبي داود بواسط أيام ولايته كسكر، فأتته من البصرة هدايا، وكان فيها زقاق دو شاب، فقسمها بيننا، فكلّنا أخذ ما أعطي، غير الحزاميّ، فأنكرنا ذلك وقلنا: إنما يجزع الحزاميّ من الإعطاء وهو عدوّه، فأما الأخذ فهو ضالّته وأمنيّته؛ فإنه لو أعطي أفاعي سجستان، وثعابين مصر، وجرّارات الأهواز لأخذها، إذ كان اسم الأخذ واقعا عليها؛ فسألناه عن سبب ذلك، فتعسّر قليلا ثم باح بسرّه وقال: وضعته أضعاف ربحه، وأخذه من أسباب الإدبار؛ قلت: أوّل وضائعه احتمال ثقل السّكر؛ قال: هذا لم يخطر

ببالي قطّ، ولكن أوّل ذاك كراء الحمّال، فإذا صار إلى المنزل صار سببا لطلب العصيدة والارزّة والستندفود، فإن بعته فرارا من هذا البلاء صيّرتموني شهرة، وإن أنا حبسته ذهب في العصائد وأشباهها، وجذب ذلك شراء السّمن، ثم جذب السمن غيره، وصار هذا الدّوشاب علينا أضرّ من العيال؛ وإن أنا جعلته نبيذا احتجت إلى كراء القدور وإلى شراء الحبّ وإلى شراء الماء وإلى كراء من يوقد تحته؛ فإن ولّيت ذلك الخادم اسودّ ثوبها وغرّمتنا ثمن الأشنان والصابون، وازدادت في الطّعم على قدر الزيادة في العمل؛ فإن فسد ذهبت النفقة باطلا ولم نستخلف منها عوضا بوجه من الوجوه، لأن خلّ الدّاديّ يخضب اللّحم ويغيّر الطّعم ويسوّد المرقة ولا يصلح إلا للاصطباغ. وإن سلم- وأعوذ بالله- وجاد وصفا لم نجد بدّا من شربه ولم تطب أنفسنا بتركه؛ فإن قعدت في البيت أشربه لم يمكن ذلك إلا بترك سلاف الفارسيّ المعسّل، والدّجاج المسمّن، وجداء كسكر وفاكهة الجبل والنّقل الهشّ والرّيحان الغضّ، عند من لا يغيض ماله، ولا تنقطع مادّته، وعند من لا يبالي على أي قطريه سقط مع فوت الحديث المؤنس والسّماع الحسن؛ وعلى أنّى إن جلست في البيت أشربه لم يكن بدّ من واحد، وذلك

الواحد لا بدّ له من لحم بدرهم، ونقل بطسّوج، وريحان بقيراط، ومن أبزار للقدر وحطب للوقود؛ وهذا كله غرم وشؤم وحرمان وحرفة وخروج من العادة الحسنة. فإن كان النديم غير موافق فأهل السجن أحسن حالا مني، وإن كان موافقا فقد فتح الله على ما لي به بابا من التّلف، لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال غيري ممّن هو فوقي. فإذا علم الصديق أن عندي داذيّا أو نبيذا دقّ على الباب دقّ المدلّ، فإن حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء. وإن بدا لي في استحسان حديث الناس كما يستحسنه مني من أكون عنده، فقد شاركت المسرفين، وفارقت إخواني الصالحين، وصرت من إخوان الشياطين؛ والله تقدّست أسماؤه يقول: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ

؛ فإذا صرت كذلك فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكتسب منّي؛ وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم به فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ، وبأن أوكّل ولا آكل! أعوذ بالله من الخذلان بعد العصمة، ومن الحور بعد الكور؛ ولو كان هذا في الحداثة كان أهون. هذا الدّوشاب دسيس من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود، وهو الحلاوة التي تعقب المرارة. ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد ملّني فهو يحتال لي الحيل!.

وحكي عن الحارثيّ أنه قال: الوحدة خير من جليس السوء، وجليس السوء خير من أكيل السوء؛ لأن كلّ أكيل جليس وليس كل جليس أكيلا؛ فإن

كان لا بدّ من المؤاكلة ولا بدّ من المشاركة فمع من لا يستأثر عليّ بالمخ، ولا ينتهز بيضة البقيلة؛ ولا يلتقم كبد الدجاج، ولا يبادر إلى دماغ السّلّاءة، ولا يختطف كلية الجدي، ولا يزدرد قانصة الكركيّ، ولا ينتزع شاكلة الحمل، ولا يبتلع سرّة السّمك، ولا يعرض لعيون الرءوس، ولا يستولى على صدور الدّرّاج، ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ، ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره، ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، ولا ينتهك أستار الناس بأن يشتهي ما عسى ألّا يكون موجودا؛ فكيف تصلح الدنيا ويطيب العيش بمن إذا رأى جزوريّة التقط الأكباد والأسنمة، وإذا عاين بقريّة استولى على العراق والقطنة، وإن عاين بطن سمكة اخترق كلّ شيء فيه، وإن أتوا بجنب شواء اكتسح ما عليه، ولا يرحم ذا سنّ لضعفه، ولا يرقّ على حدث لحدّة شهوته، ولا ينظر للعيال، ولا يبالي كيف دارت الحال.

وأشدّ من كل ما وصفنا أنّ الطبّاخ ربّما أتى باللون الظريف الطّريف، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص صغير الحجم، فيقدّمه حارّا

ممتنعا، وربما كان من جوهر بطيء الفتور، وأصحابنا في سهول ازدراد الحارّ عليهم في طبائع النّعام، وأنا في شدّة الحارّ عليّ في طباع السّباع، فإن نظرت إلى أن يمكن أتوا على آخره، وإن أنا بادرت مخافة الفوت وأردت أن أشاركهم في بعضه لم آمن ضرره؛ والحارّ بما قتل وربما أعقم وربما أبال الدم. قال: وعوتب على تركه إطعام الناس معه وهو يتخذ فيكثر، فقال: أنتم لهذا أترك مني، فإن زعمتم أنني أكثر مالا وأعدّ، عدّة، فليس بين حالي وحالكم من التفاوت أن أطعم أبدا وتأكلوا أبدا، فإذا أتيتم من أموالكم من البذل على قدر احتمالكم، علمت أنكم الخير أردتم، وإلى تزييني ذهبتم، وإلا فإنّكم إنّما تحلبون حلبا لكم شطره.

قال: كان أبو ثمامة أفطر ناسا وفتح بابه فكثر عليه الناس، فقال: إن الله لا يستحي من الحقّ، وكلّكم واجب الحق، ولو استطعنا أن نعمّكم بالبرّ كنتم فيه سواء ولم يكن بعضكم أولى به من بعض؛ كذلك أنتم إذا عجزنا أو بدا لنا، فليس بعضكم أحقّ بالحرمان والاعتذار إليه من بعض، ومتى قرّبت بعضكم وفتحت بابي لهم وباعدت الآخرين، لم يكن في إدخال البعض عذر، ولا في منع الآخرين حجّة؛ فانصرفوا ولم يعودوا.

قال: وكان محمد بن أبي المؤمّل يقول: قاتل الله رجلا كنّا نؤاكلهم، ما رأيت قصعة رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل، وكانوا يعلمون أن إحضار

الجدى إنما هو شيء من آيين الموائد الرّفيعة، وإنما جعل كالقافية وكالخاتمة وكالعلامة لليسر والفراغ، ولم يحضر للتفريق والتخريب، وأن أهله لو أرادوا به سوءا لقدّموه لتقع الحدّة به؛ ولذلك قال أبو الحارث جمّيز حين رآه لا يمسّ: هذا المدفوع عنه.

ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة، ويدعها كلّ واحد لصاحبه، وأنت اليوم إذا أردت أن تمتّع عينيك بنظرة واحدة منها ومن بيضة السّلّاءة لم تقدر على ذلك.

وكان يقول: الآدام أعداء الخبز، وأعداها له المالح؛ فلولا أن الله أعان عليها بالماء وطلب آكله له لأتى على الحرث والنّسل.

وكان يقول: ما بال الرجل إذا قال: اسقني ماء أتاه بقلّة على قدر الرّيّ أو أصغر، وإذا قال؛ أطعمني شيئا أو هات لفلان طعاما، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشّراب أخوان. أما إنه لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا على الخبز وزهدوا في الماء؛ والناس أشدّ شيء تعظيما للمأكول إذا كثر ثمنه وكان قليلا في منبته وعنصره. هذا الجزر الصافي والباقلاء الأخضر أطيب من كمّثرى خراسان والموز البستاني، وهذا

الباذنجان أطيب من الكمأة، ولكنهم لقصر هممهم وأذهانهم في التقليد والعادة لا يشتهون إلّا على قدر الثمن.

وكان يقول: لو شرب الناس الماء على طعامهم لما اتّخموا. وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء شيئا، لأنه ربما كان شبعان وهو لا يدري. وفي قول الناس: ماء دجلة أمرأ من ماء الفرات، وماء مهران أمرأ من ماء نهر بلخ؛ وفي قول العرب: هذا ماء نمير يصلح عليه المال دليل على أن الماء يمرىء؛ حتى قالوا: إن الماء الذي يكون عليه النّفاطات أمرأ من الماء الذي تكون عليه القيّارات. فعليكم بشرب الماء على الغداء فإنّ ذلك أمرأ.

قال وكان الثّوريّ يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرّطب وتعوّدوا ابتلاعه، فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفىء الكليتين بذلك الشّحم؛ واعتبروا ذلك ببطون الصّفايا وجميع ما يعتلف النّوى. والله ما حملتم أنفسكم على قضم الشّعير واعتلاف القتّ لوجدتموها سريعة القبول، وقد يأكل الناس القتّ قدّاحا، والشّعير فريكا، ونوى البسر الأخضر»

، ونوى

العجوة؛ وإنما بقيت عليكم الآن عقبة؛ أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه الشّاء، ولكن أقول هذا بالنظر لكم.

وكان يقول لهم: كلوا الباقلاء بقشوره، فإن الباقلاء يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن لم يأكلني بقشوري فأنا آكله؛ فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم، وأكلا لما جعل أكلا لكم.

قال: وحمّ هو وعياله فلم يقدروا على أكل الخبز، فربح أقواتهم في تلك الأيام؛ ففرح وقال: لو كان في منزل سوق الأهواز ونطاة خيبر رجوت أن أستفضل في كلّ سنة مائة دينار.

قال: ودعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في [شهر رمضان]، فلما وضعت المائدة أقبل عليهم ثم قال لهم: لا تعجلوا، فإنّ العجلة من عمل الشيطان. ثم وقف وقفة ثم قال: وكيف لا تعجلون والله تعالى يقول: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا

. اسمعوا ما أقول لكم، فإن فيه حسن المؤاكلة والتبعّد من الأثرة، والعاقبة الرشيدة، والسيرة المحمودة: إذا مدّ أحدكم يده ليستقي ماء فأمسكوا أيديكم حتى يفرغ، فإنكم تجمعون عليه خصالا: منها أنكم تنغّصون عليه في شربه، ومنها أنه إذا أراد اللّحاق بكم فلعلّه يتسرّع إلى لقمة حارّة فيموت، وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم اللقم. ولهذا قال بعضهم وقد قيل له: لم تبدأ بأكل اللحم؟ قال: لأن اللّحم ظاعن والثريد مقيم. وأنا وإن كان الطعام طعامي فإني كذلك أفعل؛

فإذا رأيتم فعلى يخالف قولي فلا طاعة لي عليكم. وقال بعضهم: فربما نسي بعضنا فمدّ يده وصاحبه يشرب، فيقول له: يدك يا ناسي، ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل.

قال: فأتانا بأرزّة أحدنا أن يعدّ حباتها لعدّها، لتفرّقها، وقلّتها، وهي مقدار نصف سكرّجة؛ فوقعت في فمي قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتا حين مضغتها، فقال: اجرش يا أبا كعب.

قال: وكنا نسمع باللئيم الراضع، وهو الذي يرضع الحلب فلا يحلبه في الإناء لئلّا يسمع صوت الحلب- وقال بعضهم: لئلا يضيع من اللبن شيء- ثم رأيت أبا سعيد المدائني قد صنع أعظم من ذلك: ارتضع من دنّ خلّا حتى فني ولم يخرج منه شيء.

قال: وكان الكنديّ لا يزال يقول للساكن من سكّاننا-[وربما قال] للجار- إنّ في داري امرأة بها حبل، والوحمى ربما أسقطت من ريح القدر الطيّبة، فإذا طبختم فردوا شهوتها بغرفة أو بلعقة فإن النفس يردّها اليسير، وإن لم تفعل ذلك وأسقطت فعليك غرّة: عبد أو أمة.

وقال بعضهم: نزلنا دارا بالكراء للكنديّ على شروط، فكان في شرطه

على السكّان أن يكون له روث الدابّة، وبعر الشاة، ونشوار العلوقة؛ وألّا يخرجوا عظما ولا يخرجوا كناسة، وأن يكون له نوى التمر، وقشور الرمّان، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في بيته؛ وكان في ذلك يتنزّل عليهم، فكانوا لطيبه وإفراط بخله يحتملون ذلك.

وقال دعبل: أقمنا يوما عند سهل بن هارون، فأطلنا الحديث حتى اضطّره الجوع إلى أن دعا بغدائه، فأتي بصحفة عدمليّة فيها مرق لحم ديل عاس هرم ليس قبلها ولا بعدها غيرها، لا تحزّ فيه السكين، ولا تؤثّر فيه الأضراس، فاطّلع في القصعة وقلّب بصره فيها، فأخذ قطعة خبز يابس فقلب بها جميع ما في الصفحة ففقد الرأس، فبقي مطرقا ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام وقال: أين الرأس؟ قال: رميت به؛ قال: ولم؟ قال: ما ظننت أنك تأكله ولا تسأل عنه ! قال: ولأيّ شيء ظننت ذلك؟ فو الله إني لأمقت من يرمي برجله فيكف من يرمي برأسه! والرأس رئيس، وفيه الحواسّ الخمس، ومنه يصيح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه عرفه الذي يتبرّك به، وفيه عينه التي يضرب بها المثل فيقال: شراب كعين الديك ودماغه عجب لوجع الكلية، ولن ترى عظما قطّ أهشّ من عظم رأسه؛ فإن كان من نبل أنك لا تأكله فإنّ عندنا من يأكله. أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن الساق

ومن العنق!. انظر أين هو. قال: لا والله لا أدري أين هو، رميت به؛ قال:

لكني أدري أنّك رميت به في بطنك، والله حسبك.

وحكي عن رجل أنه قال: مررت ببعض طرقات الكوفة، فإذا رجل يخاصم جارا له فقلت: ما بالكما تختصمان؟ فقال أحدهما: لا والله إلّا أنّ صديقا لي زارني فاشتهى عليّ رأسا، فاشتريته وتغدّينا به وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمّل بها عند جيراني، فجاء هذا فأخذها وتركها على باب داره يوهم أنه اشتراه.

قال: وتناول رجل من بين يدي أمير من الأمراء بيضة وهو معه، فقال:

خذها فإنها بيضة العقر ولم يأذن له بعد ذلك.

قال: وقدّمت مائدة لرجل عليها أرغفة على عدد الرءوس ورغيف زائد يوضع على الصّحاف، فلما أنفد القوم خبزهم التفت إلى رجل إلى جانبه فقال: اكسر هذا الرغيف وفرّقه بينهم، فتغافل، فأعاد عليه، فقال: يبتلى على يد غيري.

قال المدائنيّ: كان للمغيرة بن عبد الله الثّقفيّ وهو على الكوفة جدي يوضع على مائدته بعد الطعام لا يمسّه وهو ولا غيره، فقدم أعرابيّ يوما فأكل لحمه وتعرّق عظامه؛ فقال، يا هذا، أتطالب هذا البائس بذحل ؟! هل نطحتك أمّه! قال: وأبيك إنك لشفيق عليه! هل أرضعتك أمّه!.

قال المدائني: كان لزياد بن عبد الله الحارثيّ جدي لا يمسّه أحد، فعشّى في شهر رمضان قوما فيهم أشعب، فعرض أشعب يوما للجدي من بين القوم، فقال زياد حين رفعت المائدة: أما لأهل السجن إمام يصلّي بهم؟

قالوا: لا؛ قال: فليصلّ بهم أشعب؛ قال أشعب: أو غير ذلك أيها الأمير؟

قال: وما هو؟ قال: لا آكل لحم جدي أبدا.

قال: وكان المغيرة بن عبد الله الثّقفيّ يأكل وأصحابه تمرا فانطفأ السراج، وكانوا يلقون النّوى في طست، فسمع صوت نواتين؛ فقال: من ذا يلعب بالكعبتين؟.

قال الأعشى:

تبيتون في المشتى ملاء بطونكموجاراتكم سغب يبتن خمائصا

وقال آخر

وضيف عمرو وعمرو ساهران معافذاك من كظّة والضيف من جوع

وقال آخر

وجيرة لا ترى في الناس مثلهمإذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهموليس يبلغنا ما تنضج النار

وقال سماعة بن أشول:

نزلنا بسهم والسماء تلفّنالحى الله سهما ما أدقّ وألأما
للشاعر سماعة بن أشول، اقرأ القصيدة
فلما رأينا أنه عاتم القرىبخيل ذكرنا ليلة الهضب كردما
للشاعر سماعة بن أشول، اقرأ القصيدة
فقمنا وحمّلنا على الأين والوجىجلالا بأوصال الرّديفين مرجما
للشاعر سماعة بن أشول، اقرأ القصيدة
يدقّ خراطيم القنان كأنّمايدقّ بصوّان الجلاميد ختما
للشاعر سماعة بن أشول، اقرأ القصيدة
فجئنا وقد باض الكرى في عيوننافتى من عيون المعرقين مسلّما
تناخ إليه هجمة واتكيّةرعت بالجواء البقل حولا مجرّما
كأنّ بأحقيها إذا ما تنغّمتمزادا سقا فيه المزوّة معصما
فبات رفيقي بعد ما ساء ظنّهبمنزلة من آخر الليل مكرما
ولو أنها لم يدفع العيس زمّهارأى بعضها من بعض أنسائها دما

وقال حميد الأرقط:

ومستنبح بعد الهدوء وقد جرتله حرجف نكباء والليل عاتم
رفعت له مخلوطة فاهتدى بهايشبّ لها ضوء من النار جاحم
فأطعمته حتى غدا وكأنّماتنازعه في أخدعيه المحاجم
كزمهان يفطو المشي لو جعلت لهرعايا الحمى لم يلتفت وهو قائم
حريص على التسليم لو يستطيعهفلم يستطع لما غدا وهو عائم

وقال الأعشى:

إذا حلّت معاوية بن عمروعلى الأطواء خنّقت الكلابا
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

أيا بنة عبد الله وابنة مالكويابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما عملت الزاد فالتمسي لهأكيلا فإني غير آكله وحدي
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
بعيدا قصيّا أو قريبا فإننيأخاف مذمّا الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجارهخفيف المعى بادي الخصاصة والجهد
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
وللموت خير من زيارة باخليلاحظ أطراف الأكيل على عمد
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

وقال مرّة بن محكان السّعدي

فقلت لما غدوا أوصي قعيدتناغدّي بنيك فلن تلفيهم حقبا
أدعى أباهم ولم أقرف بأمّهموقد هجعت ولم أعرف لهم نسبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة

وقال حمّاد عجرد:

زرت امرأ في بيته مرّةله حياء وله خير
يكره أن يتخم إخوانهإنّ أذى التّخمة محذور
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
ويشتهي أن يؤجروا عندهبالصوم والصائم مأجور
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة

وقال بعض المحدثين:

أبو نوح نزلت عليه يومافغدّاني برائحة الطعام
وجاء بلحم لا شيء سمينفقدّمه على طبق الكلام
فلما أن رفعت يدي سفانيمداما بعد ذاك بلا مدام
فكان كمن سقى الظمآن آلاوكنت كمن تغدّى في المنام

وقال عروة بن الورد:

إنّي امروؤ عافي إنائي شركةوأنت امرؤ عافي إنائك واحد
أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترىبجسمي مسّ الحقّ والحقّ جاهد
أقسّم جسمي في جسوم كثيرةوأحسو قراح الماء والماء بارد
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إني امرؤ عافي إنائي شركة»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.