من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب القدور والجفان
ذكر الفرزدق عقبة بن جبّار المنقري وقدره فقال
لو أن قدرا بكت من طول محبسهاعلى الحفوف بكت قدر ابن جبّا
ما مسّها دسم مذ فضّ معدنهاولا رأت بعد نار القين من نار
وقال:
كأنّ تطلّع التّرغيب فيهاعذار يطّلعن إلى عذار
وقال الكميت:
كأنّ الغطامط من غليهاأراجيز أسلم تهجو غفارا
وقال آخر:
وقدر كجوف الليل أحمشت غليهاترى الفيل فيها طافيا لم يفصّل
وقال ابن الزّبير يمدح أسماء بن خارجة:
ترى البازل البختيّ فوق خوانهمقطّعة أعضاؤه ومفاصله
وقال الرّقاشيّ:
لنا من عطاء دهماء جونةتناول بعد الأقربين الأقاصيا
جعلت ألالا والرّجام وطخفةلها فاستقلّت فوقهنّ الأثافيا
مؤدّية عنّا حقوق محمدإذا ما أتانا يابس الجنب طاويا
أتى ابن يسير كي ينفّس كربهإذا لم يرح وافى مع الصبح غاديا
فأجابه ابن يسير:
وثرماء ثلماء النّواحي ولا يرىبها أحد عيبا سوى ذاك باديا
إذا انقاض منها بعضها لم تجد لهارءوبا لما قد كان منها مدانيا
وإن حاولوا أن يشعبوها فإنهاعلى الشّعب لا تزداد إلّا تداعيا
معوّذة الإرجال لم توف مرقباولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا
ولا اجترعت من نحو مكة شقّةإلينا ولا جازت بها العيس واديا
ولكنّها في أصلها موصليّةمجاورة فيضا من البحر جاريا
أتتنا تزجّيها المجاذيف نحوناوتعقب فيما بين ذاك المزاديا
يقول لمن هذي القدور التي أرىتهيل عليها الرّيح تربا وسافيا
فقالوا ولن يخفى على كلّ ناظرقدور رقاش إن تأمّل دانيا
فقلت متى باللحم عهد قدوركمفقالوا إذا ما لم يكنّ عواريا
من اضحى إلى أضحى وإلّا فإنهاتكون بنسج العنكبوت كما هيا
فلما استبان الجهد لي في وجوههموشكواهم أدخلتهم في عياليا
ينادي ببعض بعضهم عند طلعتيألا أبشروا هذا اليسيريّ جائيا
وقال أبو نواس:
ودهماء تثفيها رقاش إذا شتتمركّبة الآذان أمّ عيال
يغصّ بحيزوم البعوضة صدرهاوتنزلها عفوا بغير جعال
لو جئتها ملأى عبيطا مجزّلالأخرجت ما فيها بعود خلال
هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائلربيع اليتامى عام كلّ هزال
وقال أيضا:
رأيت قدور الناس سودا من الصّلىوقدر الرّقاشيّين زهراء كالبدر
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزّلالأحرجت ما فيها على طرف الظّفر
يثبّتها للمعتفى بفنائهمثلاث كحظّ الثاء من نقط الحبر
تروح على حيّ الرّباب ودارموسعد وتعروها قراضبة الفزر
وللحيّ عمرو نفحة من سجالهاوتغلب والبيض اللهاميم من بكر
إذا ما بنادى بالرحيل سعى بهاأمامهم الحوليّ من ولد الذّرّ
وقال أبو عبيدة: كان لعبد الله بن جدعان جفنة يأكل منها القائم والراكب. وذكر غيره أنه وقع فيها صبيّ فغرق.
وقال الأشعر:
وأنت مليخ كلحم الحوارفلا أنت حلو ولا أنت مرّ
وقد علم الضيف والطارقونبأنّك للضيف جوع وقرّ
سأل يحيى بن خالد أبا الحارث جمّيزا عن طعام رجل، فقال: أما مائدته فمقنة وأما صحافه فمنقورة من حبّ الخشخاش، وبين الرغيف والرغيف نقرة جوزة، وبين اللون واللون فترة نبيّ. قال: فمن يحضرها؟
قال: الكرام الكاتبون. قال: فيأكل معه أحد؟ قال: نعم، الذّباب. قال:
فلهذا ثوبك مخرّق ولا يكسوك وأنت معه وبفنائه؟! قال أبو الحارث: جعلت فداءك، والله لو ملك بيتا من بغداد إلى الكوفة مملوءا إبرا، في كل إبرة
خيط، ثم جاءه جبريل وميكائيل معهما يعقوب يضمنان عنه إبر يخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر، ما أعطاهم.
وقال بعضهم
ولو عليك اتّكالي في الغذاء إذالكنت أوّل مدفون من الجوع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع