من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب الزّنا والفسوق
العتبيّ، قال: قيل لرجل في امرأته وكانت لا تردّ يد لامس: علام تحبسها مع ما تعرف منها؟ فقال: إنها جميلة فلا تفرك، وأمّ عيال فلا تترك.
وقال بعض الأعراب:
ألمّا على دار لواسعة الحبلألوف تسوّي صالح القوم بالرّذل
يبيت بها الحدّاث حتّى كأنّمايبيتون فيها من مدافع من نخل
ولو شهدت حجّاج مكة كلّهملراحوا وكلّ القوم منها على وصل
أنشد الفرزدق لسليمان بن عبد الملك القصيدة التي يقول فيها:
ثلاث واثنتان فهنّ خمسوسادسة تميل إلى شمام
فبتن بجانبيّ مصرّعاتوبتّ أفضّ أغلاق الختام
كأنّ مفلق الرّمان فيهاوجمر غضى قعدن عليه حامي
فقال سليمان: أحللت نفسك يا فرزدق: أقررت عندي بالزنا وأنا إمام، ولا بدّ لي من إقامة الحدّ عليك؛ فقال: بم أوجبت ذلك عليّ يا أمير المؤمنين؟ فقال: بكتاب الله: قال: فإن كتاب الله يدرأ عنّي، قال الله جلّ ثناؤه: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
، فأنا قلت ما لم أفعل.
قيل لأبي الطّمحان القينيّ: خبّرنا عن أدنى ذنوبك؛ قال: ليلة الدير؛ قالوا: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت على ديرانيّة، فأكلت طفيشلا لها بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها ومضيت.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
يقصد الناس احتساباوذنوبي مجموعة في الطّواف
وقال جرير في الفرزدق:
لقد ولدت أمّ الفرزدق فاجرافجاءت بوزواز قصير القوائم
يوصّل حبليه إذا جنّ ليلهليرقى إلى جاراته بالسّلالم
وما كان جار للفرزدق مسلمليأمن قردا ليله غير نائم
أتيت حدود الله إذ كنت يافعاوشبت فما ينهاك شيب اللهازم
تتبّع في الماخور كلّ مريبةولست بأهل المحصنات الكرائم
هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروامداخل رجس بالخبيثات عالم
لقد كان إخراج الفرزدق عنكمطهورا لما بين المصلّى وواقم
تدلّيت تزني من ثمانين قامةوقصّرت عن باع العلا والمكارم
وقال عمرو بن بحر: قرأ قارىء: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ
إلى قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
، قال إسماعيل بن غزوان: لا والله ما سمعت بأغزل من هذه الفاسقة. وسمع مراودتها يوسف عنها فقال إسماعيل: أما والله بي تمرست.
بات أعرابيّ ضيفا لبعض الحضر، فرأى امرأة فهمّ أن يخالف إليها في أوّل الليل فمنعه الكلب، ثم أراد ذلك نصف الليل فمنعه ضوء القمر، ثم أراد ذلك في السّحر فإذا عجوز قائمة تصلّي، فقال:
لم يخلق الله شيئا كنت أكرههغير العجوز وغير الكلب والقمر
هذا نبوح وهذا يستضاء بهوهذه شيخة قوّامة السّحر
المنصور عن أبيه محمد بن عليّ، قال: حججت فرأيت امرأة من كلب شريفة قد حجّت فرآها عمر بن أبي ربيعة فجعل يكلّمها ويتبعها كلّ يوم، فقالت لزوجها ذات يوم: إني أحبّ أن أتوكأ عليك إذا رحت إلى المسجد، فراحت متوكئة على زوجها: فلما أبصرها عمر ولّى، فقالت: على رسلك يا فتى!:
تعدو الذّئاب على من لا كلاب لهوتتّقي مربض المستأسد الحامي
الرّياشيّ قال: كان أبو ذؤيب يهوى امرأة من قومه، وكان رسوله إليها رجلا يقال له: خالد بن زهير، فخانه فيها، فقال أبو ذؤيب:
تريدين كيما تجمعيني وخالداوهل يجمع السّيفان ويحك في غمد
أخالد ما راعيت منّي قرابةفتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي
وكان أبو ذؤيب خان فيها ابن عمّ له يقال له: مالك بن عويمر، فأجابه خالد:
ولا تعجبن من سيرة أنت سرنهاوأوّل راض سنّة من يسيرها
ألم تتنقّذها من ابن عويمروانت صفيّ نفسه ووزيرها
سألت امرأة زوجها الحجّ فإذن لها وبعث معها أخاه، فلما انصرفا عنه
سأله عنها، فقال:
وما عملت لها عيبا أخبّرهإلّا اتهامي فيها صاحب الإبل
كنّا نهارا إذا ما السّير جدّ بنايغيّران وما بالرحل من مثل
ويخلفون كثيرا في منازلنافلا نزال نرى آثار مغتسل
فالله أعلم ما كانت سرائرهموالله أعلم بالنيّات والعمل
قال رجل للفرزدق: متى عهدك يا أبا فراس بالزّنا؟ فقال: مذ ماتت العجوز.
رمي ببغداد في سوق يحيى قمطرة فيها صبيّ وتحته مضرّبات حرير، وعند رأسه كيس فيه مائة دينار ورقعة فيها: هذا الشقيّ ابن الشقيّة، ابن السّكباج والقلية، ابن القدح والرّطليّة؛ رحم الله من اشترى له بهذا الذهب جارية تربيه؛ وفي آخر الرّقعة: هذا جزاء من عضل ابنته.
ذكر أعرابيّ رجلا ماجنا فقال: لو أبصرت فلانا العيدان لتحرّكت أوتارها، ولو رأته مومسة لسقط خمارها.
قال بعض الأعراب:
ماذا يظنّ بليلى إذا ألمّ بهامرجّل الرأس ذو بردين مزّاح
حلو فكاهته خزّ عمامتهفي كفّه من رقى إبليس مفتاح
ذكر أعرابيّ رجلا ماجنا فقال: هو أكثر ذنوبا من الدّهر، تفد إليه مواكب الضّلالة، ويرجع من عنده مدوّن الأيّام.
وذكر آخر قوما فقال: هم أقلّ الناس إلى أعدائهم، وأكثرهم تجرّما على أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء.
قال الأصمعيّ: قلت لأمة ظريفة: هل في يديك عمل؟ قالت: لا! ولكن في رجليّ.
قالت جوار من القيان لأبي نواس: ليتنا يا أبا نواس بناتك! فقال أبو نواس:
قال أبو المهند:
وأفجر من راهب يدّعيبأنّ النساء عليه حرام
يحرّم بيضاء ممكورةويغنيه في البضع عنها الغلام
إذا ما مشى غضّ من طرفهوفي اللّيل بالدّير منه عرام
ودير العذارى فضوح لهوعند اللّصوص حديث الأنام
هؤلاء لصوص نزلوا دير العذارى ليلا، فأخذوا القسّ فشدّوه وثاقا، ثم أخذ كلّ رجل منهم جارية، فوجدوهنّ مفتضّات قد افتضهنّ القسّ كلّهنّ.
قال سهل بن هارون:
إذا نزل المخنّث في رباعتحرّك كل ذي خنث إليه
وصارت دونهم مأوى الخباياوصار الرّبع مدلولا عليه
وقال آخر:
أقول لها لما أتتني تدلّنيعلى امرأة موصوفة بجمال
أصبت لها والله زوجا كما اشتهتإن اغتفرت فيه ثلاث خصال
فمنهنّ فسق لا ينادى وليدهورقّة إسلام وقلّة مال
قال الأصمعيّ: دخلت على ابن روح بن حاتم المهلّبيّ وحضر الإذن وهو عاكف على غلام، فقلت: له عمدت إلى الموضع الذي كان أبوك يضرب فيه الأعناق ويعطي فيه اللهى، تركب فيه ما تركب! فقال:
ورثنا المجد عن آباء صدقأسأنا في ديارهم الصّنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلتهبنات السّوء يوشك أن يضيعا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع