تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب مساوىء النساء

عن وهب بن منبّه قال: عاقب الله المرأة بعشر خصال: شدّة النّفاس،

وبالحيض، وبالنجاسة في بطنها وفرجها، وجعل ميراث امرأتين ميراث رجل واحد، وشهادة امرأتين كشهادة رجل، وجعلها ناقصة العقل والدّين لا تصلّي أيّام حيضها، ولا يسلّم على النساء، وليس عليهنّ جمعة ولا جماعة، ولا يكون منهنّ نبيّ، ولا تسافر إلا بوليّ.

وكان يقال: ما نهيت امرأة قطّ عن شيء إلّا أتته. وقال طفيل في هذا المعنى:

إنّ النّساء كأشجار نبتن معامنها المرار وبعض المرّ مأكول
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «أو قارح في الغرابيات ذو نسب»
إنّ النّساء متى ينهين عن خلقفإنّه واقع لا بدّ مفعول
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «أو قارح في الغرابيات ذو نسب»

عن رجاء بن حيوة قال: قال معاذ: إنكم ابتليتم بفتنة الضّرّاء فصبرتم، وإني أخاف عليكم فتنة السّرّاء، وإن من أشدّ من ذلكم عندي النشاء، إذا تحلّين الذّهب ولبسن ريط الشام وعصب اليمن، فاتعبن الغنيّ، وكلّفن الفقير ما لا يجد.

قال بعض الشعراء:

تمتّع بها ما ساعفتك ولا تكنعليك شجا يؤذيك حين تبين
وإن هي أعطتك اللّيان فإنّهالغيرك من خلّانها ستلين
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «تمتع بها ما ساعفتك ولا يكن»
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدهافليس لمخضوب البنان يمين
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن»

أبو عليّ الأمويّ قال: كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، عند عبد الله بن أبي بكر الصدّيق ﵁، وكانت قد غلبته في كثير من أمره؛ فقال له أبوه: طلّقها، فطلّقها وأنشأ يقول

لها خلق سهل وحسن ومنصبوخلق سويّ ما يعاب ومنطق

فرمي يوم الطائف بسهم؛ فلما مات قالت ترثيه:

وآليت لا تنفكّ عيني سخينةعليك ولا ينفكّ جلدي أغبرا
فلله عين ما رأت مثله فتىأعزّ وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنّة خاضهاإلى الموت حتى يترك الرّمح أحمرا

ثم خطبها عمر بن الخطّاب، فلمّا أولم قال عبد الرحمن بن أبي بكر:

يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أدخل رأسي على عاتكة؟ قال: نعم، يا عاتكة استتري؛ فأدخل رأسه فقال:

وآليت لا تنفكّ عيني قريرةعليك ولا ينفكّ جلدي أصفرا

فنشجت نشجا عاليا؛ فقال عمر: ما أردت إلى هذا! كلّ النساء يفعلن هذا! غفر الله لك. ثم تزوّجها الزّبير بعد عمر وقد خلا من سنّها، فكانت تخرج باللّيل إلى المسجد ولها عجيزة ضخمة؛ فقال لها الزّبير: لا تخرجي؛ فقالت: لا أزال أخرج أو تمنعني، وكان يكره أن يمنعها، لقول النبيّ ﷺ: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله؛ فقعد لها الزّبير متنكّرا في ظلمة اللّيل، فلما

مرّت به قرص عجيزتها؛ فكانت لا تخرج بعد ذلك؛ فقال لها: مالك لا تخرجين؟ فقالت: كنت أخرج والناس ناس، وقد فسد الناس فبيتي أوسع لي.

قال المدائييّ: احتضر رجل من العرب وله ابن يدبّ بين يديه؛ وأم الصّبيّ جالسة عند رأسه؛ واسم الصبيّ معمر فقال:

وإنّي لأخشى أن أموت فتنكحيويقذف في أيدي المراضع معمر
وترخى ستور دونه وقلائدويشغلكم عنه خلوق ومجمر

فما لبث أن مات، ثم تزوجت ثم صار معمر إلى ما ذكر.

عن الحسن: أنّ شابّين كانا متآخيين على عهد عمر بن الخطّاب ﵁، فأغزى أحدهما، فأوصى أخاه بأهله؛ فانطلق في ليلة ذات ريح وظلمة إلى أهل أخيه يتعهّدهم، فإذا سراج في البيت يزهر، وإذا يهوديّ في البيت مع أهله وهو يقول:

وأشعث غرّه الإسلام منّيخلوت بعرسه ليل التّمام
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «حفظ الكرام»
أبيت على ترائبها ويضحيعلى جرداء لاحقة الحزام
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «حفظ الكرام»
كأنّ مجامع الرّبلات منهافئام ينهضون إلى فئام
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «حفظ الكرام»

فرجع الشابّ إلى أهله، فاشتمل السيف حتى دخل على أهل أخيه فقتله، ثم جرّه وألقاه في الطريق؛ فأصبح اليهود وصاحبهم قتيل لا يدرون من قتله، فأتوا عمر بن الخطّاب فدخلوا عليه وذكروا ذلك له، فنادى عمر في النّاس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أنشد الله رجلا علم من هذا القتيل علما إلا أخبرني به؛ فقام الشابّ فأنشده الشعر وأخبره خبره؛ فقال عمر: لا يقطع الله يدك، وهدر دمه.

كان ابن عبّاس يقول: مثل المرأة السّوء: كان قبلكم رجل صالح له امرأة سوء، فعرض له رجل فقال: إني رسول الله إليك بأنّه جعل لك ثلاث دعوات، فسل ما شئت من دنيا أو آخرة ثم نهض، فرجع الرجل إلى منزله؛ فقالت له امرأته: ما لي أراك مفكّرا محزونا؟ فأخبرها؛ فقالت: ألست امرأتك وفي صحبتك وبناتك منّي! فاجعل لي دعوة، فأبى. فأقبل عليه ولده وقلن:

أمّنا، فلم يزلن به حتّى قال: لك دعوة؛ فقالت: اللهم اجعلني أحسن الناس وجها فصارت كذلك، وجعلت توطىء فراشها وهو يعظها فلا تتّعظ، فغضب يوما فقال: اللهمّ اجعلها خنزيرة، فتحوّلت كذلك؛ فلما رأين بناته ما نزل بأمّهن بكين وضربن وجوههن ونتفن شعورهن، فرقّ لهن قلبه فقال: اللهمّ أعدها كما كانت أوّلا؛ فذهبت دعواته الثلاث فيها.

قال عبد الله بن عكرمة: دخلت على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ أعوده، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: أجدني والله بالموت، وما موتي بأشدّ عليّ من تمتّع أمّ هشام، أخاف أن تتزوّج- يعني امرأته- فحلفت له وآلت ألّا تتزوّج بعده، فغشي وجهه نور، ثم قال: شأن الموت أن ينزل

متى شاء، ثم مات، فتزوّجت بعمر بن عبد العزيز؛ فقلت:

فإن لقيت خيرا فلا يهنئنّهاوإن تعست فلليدين وللفم
للشاعر عبد الله بن عكرمة المخزومي، اقرأ القصيدة

فبلغها، فكتبت إليّ: قد بلغني بيتك الذي تمثّلت به، وما مثلي ومثل أخيك إلّا كما قال الشاعر:

وهل كنت إلّا والها ذات ترحةقضت نحبها بعد الحنين المرجّع
متى تسل عنه تدّكر بعد طيّةمن الأرض أو تقنع بإلف فتربع
فدع عنك من قد وارت الأرض شخصهوفي غير من قد وارت الأرض فاطمع

فبلغ ذلك منّي كلّ غيظ، واحتسبت حسابها، وإذا هي قد أعجلت عدّتها، وقد بقي عليها أربعة أيّام، فدخلت على عمر فأخبرته بذلك، فنقض النّكاح وعزل عن المدينة.

كان صخر بن الشريد أخو الخنساء خرج في غزوة فقاتل فيها قتالا شديدا، فأصابه جرح رغيب، فمرض فطال به مرضه وعاده قومه، فقال عائد من عوّاده يوما لامرأته سلمى: كيف أصبح صخر اليوم؟ قالت: لا حيّا فيرجى ولا ميّتا فينسى، فسمع صخر كلامها فشقّ عليه، وقال لها: أنت القائلة كذا وكذا؟ قالت: نعم غير معتذرة إليك. ثم قال عائد آخر. لأمّه: كيف أصبح صخر اليوم؟ فقالت: أصبح بحمد الله صالحا ولا يزال بحمد الله بخير

ما رأيناه سواده بيننا. فقال صخر:

أرى أمّ صخر ما تملّ عيادتيوملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةعليك ومن يغتر بالحدثان
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
فأيّ امرىء ساوى بأمّ حليلةفلا عاش إلّا في أذى وهوان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنّزوان
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
لعمري لقد أنبهت من كان نائماوأسمعت من كانت له أذنان

فلما أفاق عمد إلى سلمى فعلّقها بعمود الفسطاط حتى فاضت نفسها، ثم نكس من طعنته فمات.

وقرأت في سير العجم أنّ أردشير سار إلى الحضر، وكان ملك السّواد متحصّنا فيها، وكان من أعظم ملوك الطوائف، فحاصره فيها زمانا لا يجد إليه سبيلا، حتى رقيت ابنة ملك السّواد يوما، فرأت أردشير فعشقته فنزلت وأخذت نشّابة وكتبت عليها: إن أنت شرطت لي أن تتزوّجني دللتك على موضع تفتتح منه هذه المدينة بأيسر حيلة وأخف مؤونة، ثم رمت بالنّشابة نحو أردشير؛ فكتب الجواب في نشّابة: لك الوفاء بما سألت، ثم ألقاها إليها؛ فكتبت إليه تدلّه على الموضع؛ فأرسل إليه أردشير فافتتحه ودخل هو وجنوده،

وأهل المدينة غارّون فقتلوا ملكها وأكثر مقاتلتها وتزوّجها؛ فبينما هي ذات ليلة على فراشه أنكرت مكانها حتى سهرت لذلك عامّة ليلتها، فنظروا في الفراش فوجدوا تحت المحبس»

ورقة من ورق الآس قد أثّرت في جلدها، فسألها أردشير عند ذلك عما كان أبوها يغذوها به؛ فقالت: كان أكثر غذائي الشّهد والزّبد والمخّ؛ فقال أردشير: ما أحد ببالغ لك في الحباء والإكرام مبلغ أبيك، ولئن كان جزاؤه عندك على جهد إحسانه مع لطف قرابته وعظم حقّه جهد إساءتك، ما أنا بآمن لمثله منك؛ ثم أمر بأن تعقد قرونها بذنب فرس شديد المراح جموح ثم يجرى؛ ففعل ذلك حتى تساقطت عضوا عضوا.

العتبي: سمعت أبي يحدّث عن ناس من أهل الشام: أن أخوين كان لأحدهما زوجة، وكان يغيب ويخلفه الآخر في أهله، فهويته امرأة الغائب، فأرادته على نفسها فامتنع؛ فلما قدم أخوه سألها عن حالها، فقالت: ما حال امرأة تراود في كلّ حين! فقال: أخي وابن أمّي! وإني لا أفضحه! ولكن لله عليّ ألّا أكلّمه أبدا؛ ثم حجّ وحجّ أخوه والمرأة؛ فلما كانوا بوادي الدّوم هلك الأخ ودفنوه وقضوا حجّهم ورجعوا؛ فمرّوا بذلك الوادي ليلا، فسمعوا هاتفا يقول:

أجدّك تمضي الدّوم ليلا ولا ترىعليك لأهل الدّوم أن تتكلّما
وبالدّوم ثاو لو ثويت مكانهومرّ بوادي الدّوم حيّا لسلّما

فظنّت المرأة أنّ النّداء من السماء، فقالت لزوجها: هذا مقام العائذ، كان من أخيك ومنّي كيت وكيت؛ فقال: والله لو حلّ قتلك لوجدتني سريعا، ففارقها وضرب خيمة على قبر أخيه، وقال:

هجرتك في طول الحياة وأبتغيكلامك لما صرت رمسا وأعظما
ذكرت ذنوبا فيك كنت اجترمتهاأنا منك فيها كنت أسوا وأظلما

ولم يزل مقيما حتى مات ودفن بجنب أخيه، فالقبران معروفان.

وقال الأخطل:

المهديات لمن هوين مسبّةوالمحسنات لمن قلين مقالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
يرعين عهدك ما رأينك شاهداوإذا مذلت يكنّ عنك مذالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
وإذا وعدنك نائلا أخلفنهووجدت دون عداتهنّ مطالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّهنسب يزيدك عندهن خبالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

عن يحيى بن طفيل الجشميّ قال: كان عند رجل من قريش امرأة يحبّها، فسافر عنها، فقالت له: أشيّعك، فشيّعته ثلاث مراحل؛ فلما مضى قالت لخادمها: ناولني بعرة وروثة وحصاة، فناولها. فألقت الرّوثة وقالت:

راث خبرك، وألقت البعرة وقالت: وعر سفرك، وألقت الحصاة وقالت:

حصّ أثرك؛ فسمعها رجل على الماء فلحقه، فقال له: ما هذه منك؟ قال:

امرأتي وأعزّ الناس إليّ؛ فأخبره بالخبر، فقام على الماء، فلما أمسى أقبل نحو منزله فوجد معها رجلا، فقتلهما جميعا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.