تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

رموز العرب

كانوا إذا استمطروا عمدوا إلى سلع وعشر، فعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النار وصعدوا بها جبلا يستسقون الله بذلك ولذلك قال أبو الطائي:

أجاعل أنت بيقورا مسلعةذريعة لك بين الله والمطر

وإذا امتنع البقر عن شرب الماء، ضربوا الثور. يزعمون أن الجنّ تركبه فتمتنع البقر عن الماء، قال الشاعر:

لكالثّور والجنيّ يركب ظهرهفما ذنبه إن عافت الماء مشربا

وإذا سافر أحدهم عمد إلى غصن شجرة، فعقد عليه عقدا تسمى رتما. فيقول: إن انحلّ إلى أن أرجع، خانتني امرأتي، وإن لم ينحلّ فدلالة على أنها لم تخن.

قال الشاعر:

هل ينفعنّك اليوم إن همت بهمكثرة ما توصي، وتعقاد الرتم

وزعموا أن المرأة المقلاة، إذا وطئت قتيلا شريفا بقي أولادها. ولذلك قال الشاعر:

تظل مقاليت النساء يطأنه.

وزعموا أن من علّق على نفسه كعب أرنب لم يصبه جنّ ولا عين، لأن الأرنب ليس من مطايا الجن لأنها تحيض، فيهرب منه الجن.

قال ابن الأعرابي: قلت لأعرابي: من علّق على نفسه كعب أرنب لم يصبه جنان الحي ولا عمار الديار. فقال: أي والله ولا شيطان الحماطة وغول القفر، وتطفأ عنه نيران السعالي.

وكانوا إذا خافوا على إنسان الجنون علّقوا عليه خرق الحائض وعظام الموتى.

وقالوا: إذا خيف على الصبيّ النظرة يعلّق عليه سنّ ثعلب أو سن هرة يسلم.

وقيل: أرادت جنيّة صبيا فلم تقدر عليه، فلما رجعت، قيل لها في ذلك، فقالت:

كانت عليه نفرة، ثعالب وهررة، والحيض حيض السمرة. وحيض السمرة شيء يسيل من السمرة، وهي شجرة يزعمون أن الجن يرهبون منه.

وقالوا: إذا دخل الرجل قرية فخاف وباءها نهق نهيق الحمار لم يصبه الوباء.

وقال عروة بن الورد:

لعمري لئن عشرت من خيفة الردىنهيق الحمير إنني لجزوع

وقالوا: السليم إذا علق عليه حلي النساء، أفاق ولذلك قال النابغة:

يسهّد من ليل التّمام سليمهالحلي النّساء في يديه قعاقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقالوا: من خرج به بثر فأخذ إنسان منخلا، أاخذ من كل دار من دور الجيران كسرة وتميرة، فنثرها لكلب، ذهب البثر عنه إلى كلب.

وقالوا: إذا طرف أحدهم عين صاحبه أخذ الطارف عين المطروف، فيقول: بإحدى جاءت من المدينة، باثنتين جاءتا من المدينة، بثلاث جئن من المدينة إلى سبع، فتسكن عينه.

وقالوا للغلام إذا سقط سنّه فحذفها نحو عين الشمس، وقال أبدليني خيرا منها عادت.

ولذلك قال طرفة:

بدلته الشمس من منبتهابردا أبيض مصقول الأثر

قالوا: من ركب فرسا مهقوعا وهو ما به دائرة يقال لها الهقعة فعرق تحته اغتلمت

امرأته، وقال الشاعر:

إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظتحليلته وازداد حرا عجانها

وقالوا: إذا خرج المسافر فالتفت لم يتم سفره، وقال الشاعر:

تلفّت نحو الحي حتّى وجدتنيوجعت من الإصغاء، ليتا وأخدعا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ما وجد علوي الهوى جن واجتوى»

وإنما التفت لأنه كان عاشقا، فأحب أن لا يتم سفره ليرجع إلى محبوبه.

وكانوا يوقدون خلف المسافر إذا أرادوا أن لا يرجع، ويرمون خلفه بحصاة وروثة، ويقولون: راث خبره وحصن أثره، فإذا أرادوا سرعة رجوعه تناولوا من تحت قدميه، وقال شاعر في امرأة، قالت له واقتصت من أثره:

يا ربّ أنت جاره في أثرهوجار خصييه وجار ذكره

وكان إذا أصاب إبلهم العرّ، كووا الصحيح منها. يزعمون أن الجربي بذلك تبرأ، قال النابغة:

كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع

ومذهبهم في الحامي والبحيرة والسائبة والوصيلة معروف. وإذا بلغت ابلهم الفا فقؤا إحدى عيني الفحل. وإذا زادت عن الألف فقؤا عينه الأخرى. ويسمّون ذلك المفقأ والمعمى. ويزعمون أن ذلك يطرد عنه العين.

وقالوا: أيّما امرأة أحبها زوجها أو خدنها، فلم يشق أحدهما ثوب الآخر لم يبق بينهما الحب، ولذلك قال الشاعر:

إذا شقّ برد شقّ بالبرد برقعدواليك حتّى ليس للثوب لابس

وقالوا: الضالّ في المفازة متى لبس ثوبه مقلوبا اهتدى. قالوا: والجمل متى ندّ فذكر بعض آبائه، والناقة إذا ندّت فذكر بعض أمهاتها سكنا، ولذلك قال الشاعر:

أبول والوجناء بي تقحمقل لي ما اسم أمّها يا علكم

وقالوا: من عشق فكوي بين أليتيه سلا. وكان يفعل ذلك بنو عذرة خاصّة.

وكان لهم خرزة يقال لها السلوان، إذا شرب حكاكتها العاشق سلا في ما زعموا، قال

الشاعر:

لو أشرب السلوان ما سليتما بي غنى عنك وما غنيت

وكانوا إذا عضّ أحدا كلب كلب، يسقونه دم كريم، ويقولون إن ذلك يبرئه.

ويزعمون أن من لا يطلب بثاره، يخرج من قبره هامة، فتقول: اسقوني إلى أن يدرك ثاره.

وقالوا: إن من مات فحفر له قومه حفيرة فأقاموا فيها بعيرا لا يعلفونه ولا يسقونه، حتّى يموت، يكون ذلك مركبا له إلى عرصات القيامة، ولا احتاج أن يحضر راجلا حافيا. وكان ذلك البعير يسمى بليّة، قال الشاعر:

احمل أباك على بعير صالحيوم القيامة إنّ ذلك أصوب
لا تتركنّ أباك يسعى خلفهمتعبا يخرّ على يديه وينكب

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحدّ الأوّل في العقل والعلم والجهل وما يتعلّق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.