من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
استنكاف العرب من الهجنة
صار أعرابي إلى سوّار القاضي، فقال: إن أبي مات وتركني وأخي فخط خطين ناحية وترك هجينا فخط آخر ناحية بعيدا من الأولين فكيف يقسم المال، قال: المال بينكم أثلاثا.
فقال الأعرابي لا أحسبك فهمت فأعاد عليه الفتيا، فقال: المال بينكم سواء. فقال: أيأخذ الهجين كما نأخذ؟ قال سوار: نعم. فغضب الأعرابي وقال: أعلم أنك قليل الحالات بالدّهناء فقال: لا يضرّني.
وجاء أعرابي إلى المهدي في طريق مكة فقال يا أمير المؤمنين أنا عاشق بنت عمّ لي وقد أبى أن يزوجنيها، فقال: لعله أكثر منك ما لا قال: لا. قال: فما القصة؟ قال: ادن منّي يا أمير المؤمنين، فضحك المهدي وأصغى إليه برأسه، فقال سرا: أنا هجين. فدعا عمه وقال: لم لا تزوج ابن أخيك؟ فقال إنه هجين، فقال: إن ذلك لا يضره، أخوة أمير المؤمنين كلهم هجناء. زوجه فقد أصدقت عنه عشرة آلاف درهم.
قال الجاحظ: قلت لعبيد الكلابي وكان فصيحا فقيرا أيسرّك أن تكون هجينا ولك ألف جريب، قال: لا أحب اللؤم بشيء قلت فإن أمير المؤمنين ابن أمة قال أخزى الله من أطاعه، قلت: نبيا الله محمد وإسماعيل كانا ابني أمة، قال: لا يقول هذا إلا قدري. قلت:
فما القدري، قال: لا أدري.
قال شاعر:
لا أرضع الدهر إلا ثغر واضحةلواضح الجسم يحمي بجور الجار
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع