من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
هجو القبائل
روي أن رجلا عطش في مفازة فانتهى إلى خباء فعدت صبية فأقبلت عليه بماء ولبن، فسألها عن قبيلتها فقالت: من بني عامر. فقال: الذي يقول فيهم الشاعر:
لعمرك ما تبلى سرائر عامرمن اللؤم ما دامت عليها جلودها
فتعثرت الصبية كمدا فكسرت الإنائين، وقالت: يا عماه ممن أنت؟ قال: من تميم.
قالت: الذي يقول فيهم الشاعر:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا
فقال: بل أنا من بالهة. فقالت:
إذا ولدت حليلة باهليّغلاما زاد في عدد اللئام
فقال: بل أنا من بني أسد، فقالت:
ما سرّني أنّ أمّي من بني أسدوأنّ لي كلّ يوم ألف دينار
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمّهم بولي على النّار
فقال: بل أنا من بني عبس، فقالت:
إذا عبسية ولدت غلامافبشّرها بلؤم مستفاد
فقال: بل أنا من قيس، فقالت:
إذا قيسية عطست فنكهافإنّ عطاسها سبب الوداق
فقال: بل أنا من كلب، فقالت:
إذا كلبيّة خضبت يداهافزوّجها ولا تأمن زناها
فقال: أنا من ثقيف، فقالت:
أضلّ الناسبون أبا ثقيففما لهم أب إلّا الضلال
فقال: بل أنا من خزاعة، فقالت:
باعت خزاعة بيت الله إذ سكرتبزقّ خمر وأثواب وأبراد
فقال بل أنا من جرم، فقالت:
إذا ما اتّقى الله الفتى وأطاعهفليس به بأس وإن كان من جرم
فقال: بل أنا من حنيفة، فقالت:
أكلت حنيفة ربهازمن التقحّم والمجاعه
فقال: بل أنا من عبد القيس، فقالت:
علامة عبد القيس لا ينكرونهاأعاصير من فسو عليهم تفتر
فضجر الرجل، فقال: أنا من إبليس، فقالت:
عجبت من إبليس في تيههوخبث ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدةوصار قوّادا لذريّته
فقال: اعفيني، فقالت: إلى لعنة الله إذا نزلت بقوم فلا تجحد إحسانهم.
خرج قتيبة متنزّها فلقى أعرابيا فقال: له ممّن الرجل؟ فقال: من عبد قيس، فقال:
نسب مهزول. فقال الأعرابي: ممن أنت؟ فقال: من باهلة، فقال: وا ويلاه واهولاه أمثلك يقول نسبي مهزول وأنت بين الدعة والخمول. فقال له قتيبة: يا أعرابي أيسرك أنك أمير وأنك باهلي، فقال: لا ولا خليفة الله في أرضه. فقال: ولك حمر النعم، فقال: لا ولا ما طلعت عليه الشمس. فقال: وإنّك تدخل الجنة فاطرق ثم رفع رأسه فقال: إن كان ولا بد فعلى أن لا تعلم بذلك أهل الجنة فضحك قتيبة ووصله.
وسأله أعرابي عن نسبه، فقال: من باهلة فقال: أعيذك بالله. وقال آخر لأعرابي: أنا مولى باهلة، فأخذ الأعرابي يتمسح به ويقول: ما أبلاك الله بذلك إلا وجعلك من أهل الجنة. وتساب رجلان فقال أحدهما: يا ابن الزانية فقال الآخر: يا باهلي فقضى له، وقيل له ربأت عليه.
سأل أعرابي عبد الملك وقد رآه متنكرا ممن أنت؟ قال: من بني أمية، فقال: أنتم في الجاهلية مربون في التجارة وفي الإسلام تعادون أهل الطهارة، سيدكم حمار وأميركم حبار، إن نقصتم عن أربعين لم تدركوا بثار وإن بلغتموه كنتم بشهادة الرسول من أهل النار.
وفخر على خالد بن صفوان ناس من بني الحارث بن كعب عند السفاح، فقال له السفاح: ألا تتكلم يا خالد؟ فقال: أخوال أمير المؤمنين وعصبته وما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد ودابغ جلد وسائس قرد وراكب عرد، دل عليهم هدهد وملكتهم امرأة وغرقتهم فأرة. فقال الجاحظ وقد بلغه مقاله: لئن تفكر في هذا الكلام وأعده إنه لرواية كبير، ولئن حضره حين حرك فما له في العالمين نظير. وقال عمر بن عبد العزيز لحميري قومك الذين قالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم، فقال: وقومك الذين قالوا فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فتبسم عمر رضي الله تعالى عنه.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع