تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

وفي غيرة النساء

روي في الخبر: أيما امرأة غارت فصبرت دخلت الجنة. وقيل: غيرة النساء أشد من غيرة الرجال. وقيل: هذا خطأ فليس ما ينال المرأة إذا رأت امرأة على فراش زوجها، من جنس ما ينال الرجل إذا رأى رجلا على فراش امرأته.

تزوّج رجل من همدان بنت عمه وكان محبا لها فلم يلبث أن ضرب عليه البعث إلى أذربيجان فأصاب بها خيرا واستفاد جارية تسمّى حبابة وفرسا يقال له الورد. فلما قفل القوم امتنع من القفول وقال أخشى أن امرأتي تمنع عليّ جاريتي، وإني لمشغوف بها، ثم قال:

ألا لا أبالي اليوم ما صنعت هندإذا بقيت عندي حبّابة والورد
للشاعر عثمان الهمداني، اقرأ القصيدة
شديد مناط المنكبين إذا جرىوبيضاء مثل الرّيم زيّنها العقد

فسمعت بذلك المرأة فكتبت إليه:

ألا فاقره منّي السلام قل لهغنينا بفتيان غطارفة مرد
إذا شاء منهم ناشئ مدّ كفّهإلى كفل ريّان أو كاعب نهد
للشاعر هند الهمدانية، اقرأ القصيدة
فأرسل لنا منك السراح فإنّهمنانا ولا ندعو لك الله بالردّ
إذا رجع الجند الذي أنت فيهمفزادك ربّ النّاس بعدا إلى بعد
للشاعر هند الهمدانية، اقرأ القصيدة

فلّما وصل إليه الكتاب باع الجارية وبادر إليها فرآها معتكفة في مصلاها فقال: ما فعلت؟ فقالت: معاذ الله أن أركب محرّما ولكني أردت أذيقك طعم الغيرة كما أذقتني.

وكان رجل بالكوفة متزوجا بابنة عمه وله ضيعة بالبصرة يخرج إليها في كل سنة، فتزوج امرأة بالبصرة فسقط خبرها إلى ابنة عمه فكتبت يوما كتابا عن أم البصرية تعزّيه في ابنتها وتستعجله لقسمة ميراثها ودفعته إلى رجل غريب وأمرته أن يوصله إليه خفية فلما قرأه تجهّز، وقال: إنّ أمر ضيعتي بالبصرة قد تشعّث، ولا بد من أن ألم بها. فقالت المرأة: كم تقول البصرة؟ أحسبك ذا امرأة بالبصرة تشتاق إليها أحلف لي بطلاق كل زوجة لك بالبصرة. فقال الرجل في نفسه: وما يضرني ذلك وقد ماتت امرأتي بها؟ فحلف لها فقالت:

استقر الأمر فلا بأس بالضيعة وأخبرته بالخبر.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحدّ الخامس عشر في التزويج والأزواج والطلاق والعفة والتديّث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.