من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
من فضائله (٣)
قال له النبي ﷺ: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي قال: بلى. قال: فأنت كذلك. وقال: عليّ مني وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي
وأخذ بيده فقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأبغض من أبغضه وأنصر من نصره وأخذل من خذله، وقال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ثم دعا عليا وهو رمد فأعطاه اللواء وقال: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
وقال ﷺ: النظر إلى علي عبادة. أي إذا برز يكبّر الناس فيقولون: لا إله إلا الله، ما أجله ما أعلمه ما أشجعه ما أشرفه. وقال ﵇: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله أتبعثني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء، فقال: إنطلق فإن الله تعالى سيهدي قلبك ويثبت لسانك. قال: فما شككت في قضاء بين رجلين.
ولما أنزل الله ﷿ وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
قال النبي ﷺ لعليّ: سألت الله أن يجعلها أذنك فما سمع بعدها شيئا إلا حفظه. وعن أنس بن مالك قال: جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وإني وإني قال وما ذاك؟ قال تزوّجني فاطمة فسكت عنه، فرجع أبو بكر إلى عمر فقال هلكت وأهلكت، قال وما ذاك؟ قال خطبت فاطمة إلى النبي ﷺ فأعرض عنّي، فقال: مكانك حتى آتي النبي ﷺ فأطلب مثل ما طلبت فأتى عمر النبي ﷺ فقعد بين يديه، وقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وإني وإني، فقال وما ذاك؟ قال تزوجني فاطمة فأعرض عنه، فرجع عمر إلى أبي بكر فقال إنه ينتظر أمر الله فيها، إنطلق بنا إلى علي حتى نأمره أن يطلب مثل الذي طلبنا، قال علي فأتياني وأنا في سبيل فقالا: ابنة عمك تخطب فنبهاني لأمر فقمت أجرّ ردائي، طرف على عاتقي وطرف في الأرض حتى أتيت النبي ﷺ فقعدت بين يديه، فقلت:
يا رسول الله ﷺ قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وإني وإني، قال وما ذاك يا علي؟
قلت: تزوجني فاطمة قال وما عندك؟ قال: فرسي وبدني يعني درعه. فقال: أما فرسك فلا بد لك منه وأما درعك فبعها فبعتها بأربعمائة وثمانين فأتيت بها النبي ﷺ فوضعتها في حجره فقبض منها قبضة، فقال: يا بلال أبغنا بها طيبا وأمر أن يجهزوها، فجعل لها سرير مشرط بالشريط ووسادة من أدم حشوها ليف، وملأ البيت كثيبا يعني رملا، وقال: إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك. فجاءت مع أم أيمن: فقعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء النبي ﷺ فقال: ههنا أخي. فقالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك. فدخل النبي ﷺ فقال لفاطمة: ائتيني بماء فقامت إلى قعب في البيت فجعلت فيه ماء وأتته به، فمج فيه ثم قال:
قومي فنضح ثدييها وعلى رأسها ثم قال: اللهم أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ثم قال ائتني بماء، فعلمت الذي يريده، فملأت القعب ماء وأتته به فأخذ منه بفيه ثم مجه ثم صب على رأسي وبين يدي وقال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم. ثم قال:
أدخل على أهلك بسم الله والبركة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة. وعمر
على بغل وأنا على فرس، فقرأ آية فيها ذكر علي بن أبي طالب فقال: أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر. فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلته فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك وثبتما وافترعتما الأمر منا دون الناس. فقال: إليكم يا بني عبد المطلب أما أنكم أصحاب عمر بن الخطاب فتأخرت وتقدم هنيهة، فقال سر لا سرت. وقال: أعد على كلامك فقلت: إنما ذكرت شيئا فرددت عليك جوابه ولو سكت سكتنا. فقال: إنا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة ولكن استصغرناه وخشينا أن لا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها. قال فأردت أن أقول: كان رسول الله ﷺ يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره، أفتستصغره أنت وصاحبك؟ فقال: لا جرم، فكيف ترى والله ما نقطع أمرا دونه ولا نعمل شيئا حتى نستأذنه.
وعن الحسين بن علي ﵄، إن عمر بن الخطاب قال: ثلاث لم أسأل عنهن رسول الله ﷺ فقال علي: وما هن؟ قال عمر: حب الرجل الرجل لم يجر بينهما خلطة ولا معرفة، فأنى ذلك والرؤيا، منها ما يصدق كأخذ باليد، ومنها ما يكون أضغاثا، فأنّى ذلك والرجل يتحدث بالحديث أحيانا، ويختلف أحيانا فأنى ذلك.
فقال علي ﵇: أما ما ذكرت من حب الرجل الرجل لم تجر بينهما ما خلطة ولا معرفة، فإن الله خلق الأرواح قبل الأجساد فتلتقي الأرواح على سبب بين السماء والأرض، فتتشام كما تتشام الخيل فما تعارف ثم ائتلف هنا.
وأما الرؤيا فإن العقل إذا عرج بنفسه وهو في النوم في المصعد، فهو كأخذ باليد وإذا هبط إلى جسده تلقته الشياطين بالأضغاث لكي تحزنه، وما أخبرت به فهو الذي لا يصدق. وأما الرجل يتحدث بالحديث ثم ينسى، فإن القلب تغشاه ظلمة كظلمة القمر فإذا تغشى القلب تخلى عنه ذكره.
وعن أنس قال: قال النبي ﷺ: إن خليلي ووزيري وخليفتي، وخير من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب. وقال رسول الله ﷺ لفاطمة: لقد زوجتكه سيدا في الدنيا سيدا في الآخرة، لا يبغضه إلا منافق.
وقال النبي ﷺ: لقد أوحى إليّ في علي ثلاث، أنه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين.
وعن البراء أن النبي ﷺ قال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال ﵊:
الحق مع علي وعلي مع الحق لن يزولا حتى يردا على الحوض. وعن جابر وابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: أنا وعلي من شجرة واحدة. وقال له علي: آخيت بين الناس يا رسول الله فمن أخي؟ قال: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع