من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْخُزَاعِيّ الشَّاعِر
دعبل بن عَليّ أَبُو عَليّ الْخُزَاعِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور لَهُ شعر رائق صنف كتابا فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء قَالَ إِن أَصله من الْكُوفَة وَقيل من قرقيسيا وَكَانَ أَكثر مقَامه بِبَغْدَاد وسفر إِلَى غَيرهَا من الْبِلَاد وَقدم دمشق ومدح نوح بن عَمْرو بن حوي السكْسكِي بعدة قصائد وَخرج مِنْهَا إِلَى مصر
وَقيل إِن اسْمه مُحَمَّد وكنيته أَبُو جَعْفَر ودعبل لفب لَهُ وَيُقَال الدعبل للبعير المسن وَيُقَال الشَّيْء الْقَدِيم
وَخرج إِلَى خُرَاسَان ونادم عبد الله بن طَاهِر قَالَ أَبُو سعيد ابْن يُونُس قدم إِلَى مصر هاراً من الْمَأْمُون لهجو هجاه بِهِ وَخرج مِنْهَا إِلَى الْمغرب إِلَى الْأَغْلَب قَالَ الْخَطِيب وَعَاد إِلَى بَغْدَاد بعد ذَلِك وَكَانَ خَبِيث اللِّسَان قَبِيح الهجاء وَقيل كَانَ أطرش فِي قَفاهُ سلْعَة واسْمه الْحسن وَقيل عبد الرَّحْمَن وَقيل مُحَمَّد وكنيته أَبُو جَعْفَر
ولد سنة ثَمَان وأرعين وَمِائَة وَتُوفِّي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَله سبع وَتسْعُونَ سنة وَقيل قَتله المعتصم سنة عشْرين وَقيل هجا مَالك بن طوق فَجهز عَلَيْهِ من ضربه بعكازة مَسْمُومَة فِي قدمه فَمَاتَ من ذَلِك بعد يَوْم ولقبته دَابَّته لدعابته الَّتِي كَانَت فِيهِ قَالَ أَبُو شامة وَكَانَ مداحاً لآل رَسُول الله ﷺ هجاء لبني الْعَبَّاس وَغَيرهم
أنْشد الْمَأْمُون من شعره)
سقيا ورعياً لأيام الصباباتأَيَّام أرفل فِي أَثوَاب لذاتي
أَيَّام غصني رطيب من لدونتهأصبو إِلَى غير كناتي وجاراتي
دع عَنْك ذكر زمَان فَاتَ مطلبهواقذف فِي متن الجهالات
واقصد بِكُل مديح أَنْت قَائِلهنَحْو الهداة بني بَيت الكرامات
فَلَمَّا أَتَى على القصيدة قَالَ لله دره مَا أغوصه وانصفه واوصفه
ثمَّ قَالَ إِنَّه وجد وَالله مقَالا فَقَالَ
وَقيل إِن الْمَأْمُون أقبل يجمع الْآثَار فِي فَضَائِل آل رَسُول الله ﷺ فَانْتهى إِلَيْهِ فِيمَا انْتهى من فضائلهم قَول دعبل
مدارس آيَات خلت من تِلَاوَةومنزل وَحي مقفر العرصات
لآل رَسُول الله بالخيف من منىوبالركن والتعريف والجمرات
فَمَا زَالَت تَتَرَدَّد فِي صدر الْمَأْمُون حَتَّى قدم عَلَيْهِ دعبل فَقَالَ أَنْشدني قصيدتك التائية وَلَا بَأْس عَلَيْك وَلَك الْأمان من كل شَيْء فِيهَا فَإِنِّي أعرفهَا وَقد رويتها إِلَّا أَنِّي أحب أَن أسمعها من فِيك فانشده حَتَّى صَار إِلَى هَذَا الْموضع
ألم تَرَ أَنِّي مذ ثَلَاثِينَ حجَّةأروح واغدو دَائِم الحسرات
أرى فيئهم فِي غَيرهم متقسماًوأيديهم من فيئهم صفرات
وَآل رَسُول الله نحف جسومهاوَآل زِيَاد غلظ القصرات
بَنَات زِيَاد فِي الْقُصُور مصونةوَبنت رَسُول الله فِي الفلوات
إِذا وتروا مدوا إِلَى واتريهمأكفا عَن الأوتار منقبضات
فلولا الَّذِي أرجوه فِي الْيَوْم أوغدلقطع قلبِي إثرهم حسراتي
فَبكى الْمَأْمُون حَتَّى اخضلت لحيته وَجَرت دُمُوعه على نَحره
وَمن شعره فيهم
وَلَيْسَ حَيّ من الْحيَاء نعرفهمن ذِي يمَان وَلَا بكر وَلَا مُضر
إِلَّا وهم شُرَكَاء فِي دِمَائِهِمْكَمَا تشارك أيسار على جزر
أرى أُميَّة معذورين إِن قتلواوَلَا أرى لبني الْعَبَّاس من عذر
أَبنَاء حَرْب ومروان وأسرتهمبَنو معيط وُلَاة الحقد والوغر
)
أَربع بطوس على الْقَبْر الزكي بِهِإِن كنت تربع من دين على وطر
هَيْهَات كل امْرِئ رهن بِمَا كسبتيَدَاهُ حَقًا فَخذ مَا شِئْت أَو فذر
وَيُقَال إِن دعبلاً من ولد بديل بن وَرْقَاء وَيُقَال إِنَّه روى عَن الثَّوْريّ وَشعْبَة وَلَا يَصح وَحَدِيثه يَقع عَالِيا فِي جُزْء الحفار وَوَصله عبد الله بن طَاهِر بأموال بلغت ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم وَكَانَ يَقُول لي خَمْسُونَ سنة أحمل خشبتي على كَتِفي أدور على من يصلبني عَلَيْهَا فَمَا أجد من يفعل ذَلِك
وَدخل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي على الْمَأْمُون فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله فضلك فِي نَفسك عَليّ وألهمك الرأفة وَالْعَفو عني وَالنّسب وَاحِد وَقد هجاني دعبل فانتقم لي مِنْهُ فَقَالَ مَا قَالَ لَعَلَّ قَوْله
نفر ابْن شكْلَة بالعراق واهلهفهفا إِلَيْهِ كل أطلس مائق
فَقَالَ هَذَا من بعض هجائه فَقَالَ الْمَأْمُون لَك بِي أُسْوَة فقد قَالَ فِي قَوْله
أيسومني الْمَأْمُون خطة جَاهِلأَو مَا أرى بالمس رَأس مُحَمَّد
إِنِّي من الْقَوْم الَّذين سيوفهمقتلت أَخَاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خمولهواستنفذوك من الحضيض الأوهد
وهجا ابْن أبي دؤاد بعد كَثْرَة إنعامه عَلَيْهِ حَتَّى قيل إِنَّه هجا خُزَاعَة قبيلته فَقَالَ
أخزاع غَيْركُمْ الْكِرَام فأقصرواوضعُوا أكفكم على الأفواه
الراتقين ولات حِين مراتقوالفاتقين شرائع الأستاه
وَقَالَ يهجو أَخَاهُ وَنَفسه
مهدت لَهُ ودي صَغِيرا ونصرتيوقاسمته مَالِي وبوأبه حجري
وَقد كَانَ يَكْفِيهِ من الْعَيْش كُلهرَجَاء ويأس يرجعان إِلَى فقر
وَفِيه عُيُوب لَيْسَ يُحْصى عدادهافاصغرها عَيْبا يجل عَن الْفِكر
وَلَو أنني أبديت للنَّاس بَعْضهَالأصبح من بَصق الْأَحِبَّة فِي بَحر
فدونك عرضي فاهج حَيا فَإِن أمتفباله إِلَّا مَا خريت على قَبْرِي
وَقَالَ يهجو امْرَأَته
يَا من أشبههَا بحمى نافضقطاعة لِلظهْرِ ذَات زئير
)
يَا ركبتي جمل وسَاق نعَامَةوزبيل كناس وَرَأس بعير
قبلتها فَوجدت طعم لثاتهافَوق اللثام كلسعة الزنبور
وَقَالَ يهجو المعتصم
مُلُوك بني الْعَبَّاس فِي الْكتب سَبْعَةوَلم تاتنا فِي ثامن مِنْهُم الْكتب
كَذَلِك أهل الْكَهْف فِي الْكَهْف سَبْعَةغَدَاة ثووا فِيهِ وثامنهم كلب
لقد ضَاعَ أَمر النَّاس حَيْثُ يسوسهموصيف وأشناس وَقد عظم الْخطب
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع