من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عَليّ بن الْعَبَّاس
أَبُو الْحسن النوبختي عَليّ بن الْعَبَّاس النوبختي كَانَ وَكيل المقتدر فِيمَا يُرِيدُونَ بَيْعه من الضّيَاع وَحقّ بَيت المَال
وَكَانَ فَاضلا أديباً شَاعِرًا محسناً راوية للْأَخْبَار والأشعار روى عَن البحتري وَابْن الرُّومِي وَتُوفِّي سنة أَربع وَعشْرين وَثَلَاث مائَة كَانَ مَعَ جمَاعَة من أَهله على سطح أبي سهل النوبختي فِي لَيْلَة من ليَالِي النّصْف يشربون وَمَعَهُمْ إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم بن زرزر الْمُغنِي وَكَانَ أَمْرَد حسن الْوَجْه وَكَانَ فِي السَّمَاء غيم ينجاب مرّة ويتصل أُخْرَى فانجاب الْغَيْم عَن الْقَمَر فانبسط فَقَالَ عَليّ بن الْعَبَّاس وَأَقْبل على إِبْرَاهِيم من الْبَسِيط
لم يطلع الْبَدْر إِلَّا من تشوقهإِلَيْك حَتَّى يوافي وَجهك النظرا
وَلم يتم الْبَيْت حَتَّى غَابَ الْقَمَر تَحت الْغَيْم فَقَالَ
وَلَا تغيب إِلَّا عِنْد خجلتهلما رآك فولى عَنْك واستترا
وَكتب لِابْنِ عَمه أبي سهل إِسْمَاعِيل بن عَليّ النوبختي وَقد شرب دَوَاء من المنسرح
يَا محيي العارفات وَالْكَرموَقَاتل الحادثات والعدم
كَيفَ رَأَيْت الدَّوَاء أعقبك الله شِفَاء بِهِ من السقم
إِذا تخطت إِلَيْك نائبةحطت بقلبي ثقلاً من الْأَلَم
شربت هَذَا الدَّوَاء مرتجياًدفع أَذَى من عطائك الْعظم
والدهر لَا بُد مُحدث طبعافِي صفحتي كل صارم خذم
وَكَانَ ابْنه مُدبر دولة ابْن رائق
ابْن الرُّومِي الشَّاعِر عَليّ بن الْعَبَّاس بن جريج أَبُو الْحسن ابْن الرُّومِي شَاعِر وقته
هُوَ والبحتري فِي بَغْدَاد توفّي فِي حُدُود التسعين وَمِائَتَيْنِ كَانَ شَدِيد التطير أسبخ منهوماً فِي الْأكل جعلياً فَكَانَ يغلق أبوابه وَلَا يخرج إِلَى أحد خوفًا من التطير فَأَرَادَ بعض أَصْحَابه أَن يحضر إِلَيْهِم فِي يَوْم أنس فسيروا إِلَيْهِ غُلَاما نظيف الثَّوْب طيب الرَّائِحَة حسن الْوَجْه فَتوجه إِلَيْهِ فَلَمَّا طرق الْبَاب عَلَيْهِ وَخرج لَهُ أعجبه حَاله ثمَّ سَأَلَهُ عَن اسْمه فَقَالَ لَهُ إقبال فَقَالَ إقبال مقلوبه لَا بَقَاء وَدخل وأغلق الْبَاب وجهز إِلَيْهِ يَوْمًا غُلَام آخر وأزاحوا جَمِيع مَا يخشاه فَإِذا خرج وَمر مَعَه كَانَ)
على بَابه دكان خياط وَقد صلب درابتي الْبَاب وَهُوَ يَأْكُل تَمرا فَقَالَ هَاتَانِ الدرابتان مثل لَا وتمر هَذَا مَعْنَاهُ لَا تمر فَرجع وأغلق الْبَاب وَلم يتَوَجَّه إِلَيْهِم
وَقد تقدم فِي ذكر الْأَخْفَش على مَا يتَعَلَّق بِابْن الرُّومِي مَعَه فِي الطَّيرَة وعبثه بِهِ وَكَانَ سَبَب مَوته أَن الْوَزير أَبَا الْحُسَيْن الْقَاسِم بن عبد الله بن سُلَيْمَان بن وهب يخَاف هجوه وفلتات لِسَانه بالفحش فَدس عَلَيْهِ ابْن فرَاش فأطعمه خشكنانجة مَسْمُومَة وَهُوَ فِي مَجْلِسه فَلَمَّا أكلهَا أحس بالسم فَقَامَ فَقَالَ لَهُ الْوَزير أَيْن تذْهب فَقَالَ إِلَى الْموضع الَّذِي بعثتني إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سلم على وَالِدي فَقَالَ مَا طريقي على النَّار وَخرج من عِنْده وأتى منزله وَأقَام بِهِ أَيَّامًا وَمَات
وَكَانَ وسخ الثَّوْب قَالَ أَبُو عُثْمَان الناجم دخلت على ابْن الرُّومِي أعوده فَوَجَدته يجود بِنَفسِهِ فَلَمَّا قُمْت من عِنْده قَالَ لي من الوافر
أَبَا عُثْمَان أَنْت حميد قَوْمكوجودك للعشيرة دون لومك
تزَود مِن أخِيك فَما أرَاهُيَراكَ وَلَا تَراهُ بعد يَوْمك
وَقيل أَن الطَّبِيب كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ ويعالجه بالأدوية النافعة للسم فَزعم أَنه غلط عَلَيْهِ فِي عقار فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة الْأَزْدِيّ الْمَعْرُوف بنفطويه رَأَيْت ابْن الرُّومِي يجود بِنَفسِهِ فَقلت لَهُ مَا حالك فَأَنْشد من الْكَامِل
غلط الطَّبِيب عَليّ غلطة موردعجزت موارده عَن الإصدار
وَالنَّاس يلحون الطَّبِيب وَإِنَّمَاغلط الطَّبِيب إِصَابَة الْمِقْدَار
وَابْن الرُّومِي من الشُّعَرَاء الفحول المطولين الغواصين على الْمعَانِي كَانَ إِذا أَخذ الْمَعْنى لَا يزَال يستقصى فِيهِ حَتَّى لَا يدع فِيهِ فَضله وَلَا بقيّة فَرُبمَا سمج بعض الْأَوْقَات ومعانيه
غَرِيبَة جَيِّدَة وَكَانَ إِذا أعجبه الْمَعْنى كَرَّرَه فِي عدَّة مَوَاضِع فِي قواف مُخْتَلفَة وَقَالَ الخالديان لم نر كَابْن الرُّومِي إِذا انْفَرد بِالْمَعْنَى جوده وَإِذا تنَاوله من غير قصر فِيهِ قلت أَنا الْعلَّة فِيهِ أَنه شَاعِر فَحل فَإِذا أَخذ بكرا جوده وأتى فِيهِ بأجود مَا يُقَال وَهُوَ لَا يَأْخُذ إِلَّا من فحلٍ مثله وَيكون ذَلِك قد أَخذ الْمَعْنى بكرا فَذهب بجيده وَترك رويه وَقد بَالغ ابْن سناء الْملك ﵀ حَيْثُ أجَاب القَاضِي الْفَاضِل وَقد أمره بِاخْتِيَار شعر ابْن الرُّومِي فَقَالَ وَأما مَا أَمر بِهِ فِي شعر ابْن الرُّومِي فَمَا الْمَمْلُوك من أهل اخْتِيَاره وَلَا من الغواصين الَّذين يستخرجون الدّرّ من بحاره لِأَن بحاره زخارة وأسوده زآره ومعدن تبره مردوم بِالْحِجَارَةِ)
وعَلى كل عقيلة مِنْهُ ألف نقاب بل ألف ستارة يطْمع ويؤيس ويوحش وَيُؤْنس وينير وَيظْلم وَيُصْبِح ويعتم شذره وبعره ودره وآجره وَقَبله تجانبها السبة وصرة بجوارها قحبة ووردة قد خف بهَا الشوك وبراعة قد غطى عَلَيْهَا النوك لَا يصل الِاخْتِيَار إِلَى الرّطبَة حَتَّى يخرج بالسلى وَلَا يَقُول عاشقها هَذِه الْملح قد أَقبلت حَتَّى يرى الْحسن قد تولى فَمَا الْمَمْلُوك من جهابذته وَكَيف وَقد تفلس فِيهِ الْوَزير وَلَا من صيارفته ونقاده وَلَو اخْتَارَهُ جرير لأعياه تَمْيِيز الخيش من الوشي والوبر من الْحَرِير
حكى ابْن رَشِيق وَغَيره أَن لائماً لَام ابْن الرُّومِي فَقَالَ لَهُ لم لَا تشبه كتشبيهات ابْن المعتز وَأَنت أشعر مِنْهُ قَالَ لَهُ أَنْشدني شَيْئا من قَوْله الَّذِي استعجزتني فِي مثله فأنشده قَوْله فِي الْهلَال من الْكَامِل
وَانْظُر إِلَيْهِ كزورقٍ من فضةٍقد أثقلته حمولة من عنبر
فَقَالَ لَهُ زِدْنِي فأنشده قَوْله من مجزوء الرجز
كَأَن آذريونهاوَالشَّمْس فِيهَا كاليه
مداهن من ذهبفِيهَا بقايا غاليه
فصاح واغوثاه تالله لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا ذَاك إِنَّمَا يصف ماعون بَيته لِأَنَّهُ ابْن خَليفَة وَأَنا أَي شَيْء أصف وَلَكِن انْظُرُوا إِذا أَنا وصفت مَا أعرف أَيْن يَقع قولي من النَّاس هَل لأحد قطّ مثل قولي فِي قَوس الْغَمَام وَأنْشد من الطَّوِيل
وسَاق صبيح للصبوح دَعوتهفَقَامَ وَفِي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات الْعقار كأنجمفَمن بَين منقض علينا ومنفض
وَقد نشرت أَيدي الْجنُوب مطارفاًعلى الجو دكناً والحواشي على الأَرْض
يطرزها قَوس السَّحَاب بأخضرعلى أَحْمَر فِي أصفر فَوق مبيض
كأذيال خود أَقبلت فِي غلائلمصبغة وَالْبَعْض أقصر من بعض
وَقَوْلِي فِي صانع الرقَاق من الْبَسِيط
لَا أنس لَا أنس خبازاً مَرَرْت بِهِيدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر
مَا بَين رؤيتها فِي كَفه كرةوَبَين رؤيتها قوراء كَالْقَمَرِ
إِلَّا بِمِقْدَار مَا تنداح دَائِرَةفِي صفحة المَاء يلقى فِيهِ بِالْحجرِ
)
وَزَاد أَبُو بكر النَّحْوِيّ أَنه أنْشدهُ فِي قالي الزلابية من الْبَسِيط
ومستقر على كرسيه تَعبروحي الْفِدَاء لَهُ من منصب تَعب
رَأَيْته سحرًا يقلي زلابيةفِي رقة القشر والتجويف كالقصب
كَأَنَّمَا زيته المغلي حِين بداكالكيمياء الَّتِي قَالُوا وَلم تصب
يلقى الْعَجِين لجيناً من أناملهفيستحيل شبابيكاً من الذَّهَب
وَمن قصائده الغر قَوْله من الطَّوِيل
بَكَيْت فَلم تتْرك لعينيك مدمعازَمَانا طوى شرخ الشَّبَاب فودعا
مِنْهَا
أعاذل إِن أعْط الزَّمَان عنانهفقد كنت أثني مِنْهُ رَأْسا وأخدعا
سقى الله أَيَّامًا مَضَت وليالياًتقطع من أَسبَابهَا مَا تقطعا
ليَالِي ينسين اللَّيَالِي حِسَابهَابلهنية أَقْْضِي بهَا الْعُمر أجمعا
ليَالِي لَو نازعتها رَجَعَ أَمسهَاثنت جيدها طَوْعًا إِلَيّ لترجعا
وَقد أغتذي للطير وَالطير هجعوَلَو علمت مغداي مَا بتن هجعا
بخلين تما بِي ثَلَاثَة إخْوَةجسومهم شَتَّى وأرواحهم مَعًا
كمنطقة الجوزاء لاحت بسدفةبعقب غمام عَمها ثمَّ قشعا
كَأَنِّي مَا روحت صحبي عَشِيَّةبساحل مخضر الجنابين مترعا
إِذا رنقت شمس الْأَصِيل ونفضتعلى الْأُفق الغربي ورسا مدعدعا
وودعت الدُّنْيَا لِتَقضي نحبهاوسرك بَاقِي عمرها فتسعسعا
ولاحظت النوار وَهِي مَرِيضَةوَقد وضعت خداً على الأَرْض أضرعا
كَمَا لاحظت عوادها عين مدنفتوجع من أوصابها مَا توجعا
وظلت عُيُون النُّور يخضل بالندىكَمَا اغرورقت عين الشجي لتدمعا
وَقد ضربت فِي خضرَة النُّور صفرَةمن الشَّمْس فاخضر اخضراراً مشعشعا
كَأَن جفوني لم تبت ذَات لَيْلَةكراها قذاها لَا تلاوم مضجعا
فثاروا إِلَى آلاتهم فتقلدواخرائط حمراً تحمل السم منقعا
مثقفة مَا استودع الْقَوْم مثلهَاودائعهم إِلَّا لِأَن لَا تضيعا
)
محملة زاداً قَلِيلا مناطهمن البندق الْمَوْزُون قل فأمتعا
نَكِير لَئِن كَانَت ودائع مثلهَاحقائب أمثالي ويذهبن ضيعا
هُنَالك تَغْدُو الطير ترتاد مرتعاوحسبانها المكذوب ترتاد مصرعا
فَللَّه عين من رَآهُمْ إِذا انْتَهواإِلَى موقف المرمى وأقبلن برعا
وَقد وقفُوا للحانيات وشمرواإِلَى موقف الْإِنْصَاف سوقاً وأذرعا
وَقد أغلقوا عقد الثَّلَاثِينَ مِنْهُمبمجدولة الأقفاء جدلاً موسعا
وجدت قسي الْقَوْم فِي الطير جدهافخرت سجوداً للرماة وركعا
هُنَالك تلقى الطير مَا طيرت بِهِعلى كل شعبٍ جامعٍ فتصدعا
فظل صَحَابِيّ ناعمين ببؤسهاوظلت على حَوْض الْمنية شرعا
طرائح من سود وبيض نواصعتخال أَدِيم الأَرْض مِنْهُنَّ أبقعا
يؤلف مِنْهَا بَين شَتَّى وَإِنَّمَايشتت من ألافها مَا تجمعَا
فكم ظاعن مِنْهُنَّ مزمع رحْلَةقَصرنَا نَوَاه بَعْدَمَا كَانَ أزمعا
كَأَن لباب التبر عِنْد انتصابهاجرى مَاؤُهُ فِي ليطها فتربعا
كَأَنَّك إِذْ ألقيت عَنْهَا ثِيَابهَاسفرت بِهِ عَن وَجه عذراء برقعا
كَأَن قراها والفروز الَّتِي بِهِوَإِن لم تجدها الْعين إِلَّا تتبعا
مذر سحيق الورس فَوق صلايةيخالطه من أرجل الْعَمَل أكرعا
لَهَا أول طوع الْيَدَيْنِ وَآخرإِذا سمته الإغراق فِيهَا تمنعا
وَلَا عيب فِيهَا غير أَن نذيرهايروع قُلُوب الطير حَتَّى تضعضعا
على أَنَّهَا مكفولة الرزق ثقفةوَإِن رَاع مِنْهَا مَا يروع فأفزعا
مَتَاع لراميها الرمايا كَأَنَّمَادَعَاهَا لَهُ دَاعِي المنايا فأسمعا
تؤوب بهَا قد أكسبتك وغادرتمن الطير مفجوعاً بِهِ ومفجعا
لَهَا عولة أولى بهَا من تصيبهوأجدر بالإعوال من كَانَ موجعا
وَمَا ذَاك إِلَّا زجرها لبناتهامَخَافَة أَن يذْهبن فِي الجو ضيعا
تقلب نَحْو الطير عينا بَصِيرَةكعينيك بل أذكى ذكاءً وأسرعا
مربعة مسقومة بشبابهاكتمثال بَيت الوشي حيك مربعًا
)
تقاذف عَنْهَا كلما سَاءَ حذرةيمر مروراً بالفضاء مشيعا
فَإِن أخطأته استوهلته لأختهافتلحقه الْأُخْرَى مروعاً مفزعا
وَإِن ثقفته أنفذته وقدرتلَهُ مَا يوازيه من الأَرْض مصرعا
كَأَن بَنَات المَاء فِي صرح مَتنهإِذا مَا علا رأد الضُّحَى فترفعا
زرابي كسْرَى بثها فِي صحابهليحضر وَفْدًا أَو ليجمع مجمعا
تريك ربيعاً فِي خريف وروضةعلى لجة بدعاً من الأَرْض مبدعا
وأخضر كالطاووس يحْسب رَأسهبخضراء من مَحْض الْحَرِير مقنعا
يلوح على إسطامه وشي صفرَةترقش مِنْهَا متنها فتلمعا
كملعقة الصيني أحكمها يداصناع وَإِن كَانَت يَد الله أصنعا
وعينان حمراوان يطرف عَنْهُمَاكَأَن حجاجيه بفصين رصعا
وَمن أعقف أحذاه منقاره اسْمهأضد بديع الْحسن فِيهِ فأبدعا
مطرف أَطْرَاف الْجنَاح تخالهبنان عروس بِالثُّرَيَّا مقنعا
هَذِه القصيدة العينية طَوِيلَة اخْتَرْت مِنْهَا هَذَا الَّذِي أثْبته وَمن قصائده الغر قَوْله فِي عبد الْملك بن صَالح الْهَاشِمِي وَيذكر الْجَارِيَة السَّوْدَاء وأبدع فِي أوصافها مِنْهَا من المنسرح تبَارك الله خَالق الْكَرم البارع من حمأة وَمن علق
مَاذَا رَأَيْنَاهُ فِي جناب فَتىكالبدر يجلو جَوَانِب الغسق
أزمانه كلهَا بنائلهمثل زمَان الرّبيع ذِي الأنق
أشهر فِي النَّاس بالجميل من الأبلق بَين الْجِيَاد بالبلق
تركت فِيك المنى مفرقةوَأَنت مِنْهَا بمجمع الطّرق
مِنْهَا
لَدَى دنان كَأَنَّهَا جثثمن قوم عَاد عَظِيمَة الْخلق
تلقاك فِي رقة الشَّرَاب وَفِينشر الخزامي وصفرة الشَّفق
مِنْهَا
سَوْدَاء لم تنتسب إِلَى برص الشقر وَلَا كلفهٍ وَلَا بهق
لَيست من العبس الأكف وَلَا الفلح الشفاه الْخَبَائِث الْعرق
)
تجْرِي وَيجْرِي رسيلها مَعهَاشأوين مستعجلين فِي طلق
فِي لين سمورة تخبرها الفراء أَو لين جيد الدلق
هيفاء زينت بخمص مُخْتَصرأوفى عَلَيْهِ نهود معتنق
غُصْن من الآبنوس ركب فِيمؤتزر معجب ومنتطق
يَهْتَز من ناهديه فِي ثَمَروَمن نواحي ذراه فِي ورق
أكسبها الْحبّ أَنَّهَا صبغتصبغة حب الْقُلُوب والحدق
فَانْصَرَفت نَحْوهَا الضمائر وَالأبصار يعنقن أَيّمَا عنق
يفتر ذَاك السوَاد عَن يققٍمن ثغرها كاللآلئ النسق
كَأَنَّهَا والمزاح يضحكهاليل تفرى دجاه عَن فلق
لَهَا حر تستعير وقدتهمن قلب صب وَصدر ذِي حنق
كَأَنَّمَا حره لخابرهمَا ألهبت فِي حشاه من حرق
يزْدَاد ضيقا على المراس كَمَاتزداد ضيقا أنشوطة الوهق
يَقُول من حدث الضَّمِير بِهِطُوبَى لمفتاح ذَلِك الغلق
لَهُ إِذا مَا القمد خالطهأزم كأزم الخناق بالعنق
أخلق بهَا أَن تقوم عَن ذكركالسيف يغري مضاعف الْحلق
إِن جفون السيوف أَجودهَاأسود وَالْحق غير مختلق
خُذْهَا أَبَا الْفضل كسْوَة لَك منخر الأماديح لَا من الْخرق
وصفت فِيهَا الَّذِي هويت على الوهم وَلم تختبر وَلم تذق
حاشا لسوداء منظر سكنتدَارك إِلَّا من مخبر يقق
يَا لَك من خلعة تشف أَخا الضغن وَلَا تستشف عَن خرق
وَمِنْه من الْخَفِيف
يَا ابْن وهب كسوتْنَي طيلساناًيُزْرَعُ الرفُو فِيهِ وَهُوَ سباخُ
تستطيل الفزور طولا وعرضاًفِيهِ حَتَّى كأنهن رخاخ
وَمِنْه من الْكَامِل
يَا من يسائل عَن عشيرة خَالِدالنَّاس كلهم عشيرة ذاكا
)
فَمَتَى هجوت أَبَا الْوَلِيد هجوتهموهجوت فِي عرض الهجاء أباكا
وَمِنْه من الوافر
أَلا يَا هِنْد هَل لَك فِي قمدغليظ تفرحين بِهِ متين
فَمن يره يَبُول يَقُول أثنىهوى من فرجهَا ثلثا جَنِين
وَمِنْه وَهُوَ غَرِيب من الطَّوِيل
توددت حَتَّى لم أدع متودداًوأفنيت أقلامي عتاباً مرددا
كَأَنِّي أستدعي بك ابْن حنيةٍإِذا النزع أدناه من الصَّدْر أبعدا
وَمِنْه من الْخَفِيف
وشمول أرقها الدَّهْر حَتَّىمَا يوارى أقذاءها بلبوس
وردة اللَّوْن فِي خدود الندامىوَهِي صفراء فِي خدود الكؤوس
وَمِنْه من الطَّوِيل
كَأَن رنو الشَّمْس حِين غُرُوبهَاوَقد جعلت فِي مجنح الغرب تمرض
تخاوص عين بَين أجفانها الْكرَىترنق فِيهَا النّوم ثمَّ تغمض
وَمِنْه من الطَّوِيل
أَتَيْتُك فِي عرض مصون طويتهثَلَاثِينَ عَاما فَهُوَ أَبيض ناصع
وَمثلك من لم يلق فِي ثوب بذلةوَلَا ملبس قد دنسته المطامع
وَمِنْه من الْكَامِل
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكمفِي الحادثات إِذا دجون نُجُوم
مِنْهَا معالم للهدى ومصابحتجلو الدجى والأخريات رجوم
وَمِنْه من الوافر
صُدُور فوقهن حقاق عاجوثغر زانه حسن اتساق
يَقُول الناظرون إِذا رَأَوْهُأَهَذا الْحلِيّ من هَذَا الحقاق
وَمِنْه من الْكَامِل
لَوْلَا اطراد الصَّيْد لم تَكُ لَذَّةفتطاردي لي بالوصال قَلِيلا
ودعي الزِّيَارَة دون من أحببتهلَا تكثري لَيْسَ الْخَلِيل خَلِيلًا
)
هَذَا الشَّرَاب أَخُو الْحَيَاة وَمَالهمن لَذَّة حَتَّى يُصِيب غليلا
وَمِنْه وَهُوَ مخترع من الطَّوِيل
أَقُول وَمَرَّتْ ظبيتان فصدتاوراعهما مني مفارق شيب
أأطيش مَا كَانَت سهامي عنكماتراعان مني إِن ذَا لعجيب
وَمِنْه وَهُوَ غَرِيب من الوافر
تلاقينا لِقَاء لافتراقكِلَانَا مِنْهُ ذُو قلب مروع
فَمَا افترت شفَاه عَن ثغوربل افترت جفون عَن دموع
وَمِنْه من الْكَامِل
أصف الحبيب وَلَا أَقُول كَأَنَّهُكلا لقد أَمْسَى من الْأَفْرَاد
إِنِّي لأستحيي محَاسِن وَجههأَن لَا أنزهها عَن الأنداد
وَمِنْه من الْكَامِل
بلد صَحِبت بِهِ الشبيبة وَالصبَاولبست فِيهِ الْعَيْش وَهُوَ جَدِيد
فَإِذا تمثل فِي الضَّمِير رَأَيْتهوَعَلِيهِ أَغْصَان الشَّبَاب تميد
وَمِنْه من الطَّوِيل
وحبب أوطان الرِّجَال إِلَيْهِممآرب قَضَاهَا الشَّبَاب هنالكا
إِذا ذكرُوا أوطانهم ذكرتهمعهود الصِّبَا مِنْهَا فحنوا لذالكا
وَمِنْه من المنسرح يَا حسن الْجيد كم تدل على الصب كَأَن قد نحلته جيدك
عجبت من ظلمك الْقوي وَلَوشَاءَ ضَعِيف ثناك أَو عقدك
وَمِنْه وَهُوَ أَجود مَا اسْتَعْملهُ لِأَنَّهُ كَرَّرَه من الْكَامِل
نظرت فأقصدت الْفُؤَاد بسهمهاثمَّ انْثَنَتْ عَنهُ فكاد يهيم
ويلاه إِن نظرت وَإِن هِيَ أَعرَضتوَقع السِّهَام ونزعهن أَلِيم
وَمِنْه من الطَّوِيل
أعانقها وَالنَّفس بعد مشوقةإِلَيْهَا وَهل بعد العناق تداني
وألثم فاها كي تَمُوت حرارتيفيشتد مَا ألْقى من الهيمان
)
كَأَن فُؤَادِي لَيْسَ يشفى غليلهإِلَى أَن يرى الروحين يمتزجان
وَمِنْه يهجو الْورْد ويفضل النرجس من الْكَامِل
خجلت خدود الْورْد من تفضيلهخجلاً توردها عَلَيْهِ شَاهد
لم يخجل الْورْد المورد لَونهإِلَّا وناحله الْفَضِيلَة عاند
للنرجس الْفضل الْمُبين وَإِن أَبىآبٍ وحاد عَن المحجة حائد
فصل الْقَضِيَّة أَن هَذَا قَائِدزهر الرّبيع وَأَن هَذَا طارد
شتان بَين اثْنَيْنِ هَذَا موعدبتسلب الدُّنْيَا وَهَذَا وَاعد
هذي النُّجُوم هِيَ الَّتِي ربتهمابحيا السَّحَاب كَمَا يُربي الْوَالِد
فَانْظُر إِلَى الْوَلَدَيْنِ من أدناهماشبها بوالده فَذَاك الْمَاجِد
أَيْن الْعُيُون من الخدود نفاسةورياسة لَوْلَا الْقيَاس الْفَاسِد
وناقضه جمَاعَة من شعراء بَغْدَاد وعاكسوه مِنْهُم أَحْمد بن يُونُس الْكَاتِب حَيْثُ قَالَ من الْكَامِل
إِن الْقيَاس لمن يَصح قِيَاسهبَين الْعُيُون وَبَينه متباعد
إِن قلت أَن كواكباً ربتهمابحيا السَّحَاب كَمَا يُربي الْوَالِد
قُلْنَا أحقهما بطبع أَبِيه فِيالجدوى هُوَ الزاكي النجيب الراشد
زهر النُّجُوم تروقنا بضيائهاوَلها مَنَافِع جمة وفوائد
وَكَذَلِكَ الْورْد الأنيق يروقناوَله فَضَائِل جمة وعوائد
إِن كنت تنكر مَا ذكرنَا بَعْدَمَاوضحت عَلَيْهِ دَلَائِل وشواهد
فَانْظُر إِلَى المصفر لوناً مِنْهُمَاوافطن فَمَا يصفر إِلَّا الْحَاسِد
وَقَالَ سعيد بن هَاشم الخالدي من الوافر
أبحت النرجس الرقي وديوَمَالِي باجتناب الْورْد طاقه
كلا الْأَخَوَيْنِ معشوق وَإِنِّيأرى التَّفْضِيل بَينهمَا حماقه
هما فِي عَسْكَر الْأَنْوَار هَذَامُقَدّمَة تسير وَذَاكَ سَاقه
وَقَالَ أَبُو بكر الصنوبري من الْخَفِيف
زعم الْورْد أَنه هُوَ أزهىمن جَمِيع الأزهار وَالريحَان
)
فأجابته أعين النرجس الغضبذلٍّ من قَوْلهَا وهوان
أَيّمَا أحسن التورد أم مقلَة ريمٍ مَرِيضَة الأجفان
أم فَمَاذَا يَرْجُو بحمرته الورد إِذا لم يكن لَهُ عينان
فزهي الْورْد ثمَّ قَالَ فَجِئْنَابقياسٍ مستحسنٍ وَبَيَان
إِن ورد الخدود أحسن من عين بهَا صفرَة من اليرقان
وَقَالَ مُسلم بن الْوَلِيد يفضل الْورْد من السَّرِيع
كم من يَد للورد مَشْهُورَةعِنْدِي وَلَيْسَت كيد النرجس
الْورْد يَأْتِي ووجوه الرِّبَاتضحك عَن ذِي برد أملس
وَقد تحلت بعقود الندىنابتة فِي الأَرْض لم تغرس
وَلنْ ترى النرجس حَتَّى ترىروض الخزامى رثَّة الملبس
وتخلق النكباء مَا جددتأَيدي الغوادي من سنا السندس
هُنَاكَ يَأْتِيك غَرِيبا علىشوق من الْأَعْين والأنفس
قلت وَفِي تَرْجَمَة عبد الْوَهَّاب بن سَحْنُون مجاراة فِي ذكر الْورْد والنرجس والمفاضلة بَينهمَا فلتطلب من هُنَاكَ
الْمَجُوسِيّ الطَّبِيب عَليّ بن الْعَبَّاس الْمَجُوسِيّ كَانَ من الأهواز طَبِيبا مجيداً متميزاً فِي الطِّبّ وَهُوَ مُصَنف الْكتاب الملكي فِي الطِّبّ صنفه لعضد الدولة الديلمي وَهُوَ كتاب جليل وَكَانَ عَليّ بن الْعَبَّاس قد اشْتغل على أبي ماهر مُوسَى بن سيار وتتلمذ لَهُ وَله من الْكتب أَيْضا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع