من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الصَّفَّار المارديني
)
عَليّ بن يُوسُف بن شَيبَان جلال الدّين النُّميري المارديني الْمَعْرُوف بِابْن الصَّفَّار وتوفِّي سنة ثمانٍ وَخمسين وست مائَة عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة قَتله التتار لمَّا ملكوا ماردين وَمن شعره
هلِ اختطَّ فانآد غصناً وريقاغريرٌ حكى الكاسَ ثغراً وريقا
أمِ الصُّدغُ لمَّا صفا خدُّهُتمثَّل فِيهِ خيالاً دَقِيقًا
رنا فَرمى أسهماً وانثنىرشيقاً فراح كِلَانَا رشيقا
وأبدع فِيهِ فَمَا لي أرىلَهُ الخدَّ وهْو فريدٌ شقيقا
وَمَا بالُ مبسمه مبسماًوَمَا ملكته يمينٌ رَقِيقا
وَمِنْه
ويومِ قُرٍّ يَدُ أنفاسهتُمزِّقُ الأوجُهُ من قَرْصِها
يومٌ تودُّ الشمسُ مِن بردِهِلَو جرَّتِ النارُ إِلَى قرصِها
قلت أَخذه من قَول القَاضِي الْفَاضِل فِي ليلةٍ جمد خمرُها وخمد جمرها إِلَى يومٍ تودُّ البصلةُ لَو ازدادت إِلَى قُمصها والشمسُ لَو جرَّت النارَ إِلَى قرصها
وَمِنْه
مَا برحتْ يَوْم وداعي لَهَاتضمُّني ضمَّةَ مستأنسِ
حتَّى تثنَّى الغصنُ فَوق النَّقاوانتشر الطلُّ على النرجسِ
وَمِنْه
رَدَّتْ يداهُ إِلَى ذؤابتهصُدغيهِ لمَّا أمكنَ الرَّدُّ
فَإِذا أساودُه ثلاثتهافردٌ وكلُّ ثلاثةٍ فردُ
وَمِنْه
أمِن هلالٍ أنتَ يَا وَجههالبادي بِهَذَا المنظر الأزهرِ
وجهٌ من الرُّوم ولكنْ لَهُفِي الخدِّ خالٌ من بني العنبرِ
بِعني بأغلى ثَمَنٍ نظرةًأَحْيَا بهَا يَا طلعةَ المُشْتَرِي
وَمِنْه
تعشَّقتهُ أُمِّيَّ حُسن فَمَا لَهُأَتَى بكتابٍ ضِمنهُ سورَةُ النملِ
وَمَا لي أَنا المجنونُ فِيهِ وشَعرهإِذا مرَّ بالكثبانِ خطَّ على الرملِ
)
قلتُ هُوَ مثل قَول الآخر
وتركيٍّ نقيِّ الخدِّ ألمىبقدٍّ مَاس كالغصنِ الرطيبِ
لَهُ شَعرٌ حكى مجنونَ ليلىيَخُطُّ إِذا مَشى فَوق الكثيبِ
وَمن شعر ابْن الصّفّار يذمُّ قلم الْحساب
مَا لي وللقلم المتهوم صاحبهُوللحساب الَّذِي يُصبي تصفُّحهُ
صناعةٌ قلَّ أَن تصفو النفوسُ لَهَاوأيُّ وهمٍ طَرا فِيهِ يُصحِّحُهُ
وَفِي البطالة للمرءِ السلامَةُ منسوءِ الظنونِ وخيرُ العيشِ أَرْوَحهُ
وَمِنْه
وأعجبُ شيءٍ أنَّ ريقَك مَاؤُهُيولِّدُ دُرًّا وَهُوَ عذبٌ مروَّقُ
وأنَّكَ صاحٍ وَهُوَ فِي فِيك مُسكِرٌوأنتَ جديدُ الحُسنِ وَهُوَ مُعَتَّقُ
وَكتب جلال الدّين بن الصفار الْمَذْكُور الْإِنْشَاء للْملك النَّاصِر نَاصِر الدّين أَرْتُق صَاحب
ماردين ثمَّ عُزل عَن الْكِتَابَة وتولَّى الإشراف بديوان دُنَيْسِر ثمانِ عشرَة سنة وَدخل إِلَى إربل مرتزقاً سنة سبع وَعشْرين وست مائَة وَمن شعره أَيْضا
ويومٍ حَوَاشِيه مَلمومَةٌعلينا تُحاذِرُ أَن تُفرَجا
قنصْتُ غزالته والتفتُّأُريدُ اخْتَها فاحتمتْ بالدُّجى
وَمِنْه
إِذا هبَّ النسيمُ بطيبِ نشرٍطربتُ وقلتُ إيهٍ يَا رسولُ
سوى أنِّي أغارُ لأنَّ فِيهِشذاك وأنَّه مثلي عليلُ
وَمِنْه
تجمَّعتِ الأضدادُ فِيهِ وَلم يكنليجتمعَ الإيجابُ فِي الشيءِ والسلبُ
فَفِي خدِّه نارٌ وَفِي الثغرِ جنَّةٌوَفِي لَفظه سِلْمٌ وَفِي لحظهِ حربُ
وَفِي قدِّهِ لينٌ وَفِي الْقلب قسوةٌوَفِي خصره جدبٌ وَفِي رِدفه خصبُ
وَمِنْه
طَاف بهَا فِي الظلام بدرُ دُجىحتَّى احتساها فَصَارَ شمسَ ضُحى
مدمنُ خمرَيْنِ من يدٍ وفمٍمُعتبِقاً مِنْهُمَا ومُصطحبا
)
حَلا بأفواهنا مُقَبَّلهوإِنَّما فِي عيوننا مَلُحا
يُدير من خدِّه وَمن يَدهوَفِيه من كلِّ واحدٍ قَدَحا
وَمِنْه
خادعته بحديثِ لِينِ قوامهِفجفا وهزَّ عليَّ مِنْهُ مُثْقَفا
وهربتُ من يَده إِلَى أجفانهفَرَقاً فسَلَّ عليَّ مِنْهَا مُرهَفا
أحببتُهُ مُتجنِّياً وودِدتُهُمُتجنِّباً وعشقتهُ مُتعطِّفا
فاخترتُ للجسم الضنا وجلبتُ للقلب العنا ورَضيتُ للنَّفس الجفا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع