تجاوز إلى المحتوى

من «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)

حرف الياء الأخيرة (٢)

الصفحة ٢ من ٢

قال الصفدي كانت له بديهة مطاوعة وفكرة مسرعة لذيذ المفاكهة حسن العشرة وتنسك في آخر عمره وحسن حاله ومات له ولده سليمان فتألم كثيرا وحج وذلك في سنة وبقي إلى أن مات في الطاعون في ربيع الآخر سنة وقد كتب عنه من شعره القاضي عز الدين ابن جماعة

يوسف بن سليمان الكركي كان يتعانى عمل الكيميا فاشتهر بها واتصل بهادر التقوى بصفد فأتلف له مالا كثيرا فاعتقله ثم أفرج عنه فتوجه إلى تنكز نائب الشام فأراد أن يقتله فبلغ الناصر فطلبه فوصل على البريد واجتمع به فخلع عليه وأجرى له راتبا وأفرد له مكانا فشرع يستدعي الآلات حتى أحكم أمره وأحضر رئيس دار الضرب حضر جماعة من الأعيان عند السلطان وعملوا بوتقة فألقى يوسف فيها شيئا وأوقدوا النار فخرجت سبيكة ذهب جيد فأعجب الناصر وخلع عليه ثانيا فاشتهر

أمره وصار غالب حاشية الناصر يتقربون له ويخدمونه وحصل مالا طويلا ثم طلب أن يمكن من التوجه إلى الكرك ليأتي بالنبات الذي هو أصل صناعته فزوده وكتب له إلى غزة وغيرها بالإكرام فاتفق أنه خادع من معه وفر فكتب الناصر إلى الأعمال بالتنقيب عليه فقبض عليه من إخميم وكان آخر أمره أن مات مسمرا مشهورا على جمل في ذي الحجة سنة

يوسف بن سيف الدولة بن زماخ - بفتح الزاي وتشديد الميم وآخره معجمة - ابن بركة بن ثمامة التغلبي من ذرية سيف الدولة بن حمدان فيما يقال بدر الدين ابن مهمندار العرب ولد سنة اثنتين وستمائة وكان متجندا وله يد في النظم والتاريخ وله تصانيف في الأنساب والبديع وغير ذلك كتب عنه أبو حيان وابن سيد الناس وغيرهما ومن شعره من أبيات

أردفته فوق دهم الليل مختفياوالصبح يركض خلفي خيله الشهبا
ما هي أول عادات الصباح معيليل الشباب بصبح الشيب كم هربا

وله

كم بيننا رشف ثغر حشوه بردوكلما زدت لثما زادني لهبا

ومنها

ما إن عجبت لكون فضلك فاننيلسواد حظي وهو بحر مزبد …
لكنني متعجب كيف اختفى بينالأيادي البيض خط أسود …
للشاعر ابن مهمندار العرب الحمداني، اقرأ القصيدة

وله وهو أعلى أسلوب القدماء

مسائل دور شيب رأسي وهجرهاوكل على كل له سبب ينبي
للشاعر ابن مهمندار العرب الحمداني، اقرأ القصيدة
فأحلف لولا الهجر ما شاب مفرقيوتقسم لولا الشيب ما كرهت قربي
للشاعر ابن مهمندار العرب الحمداني، اقرأ القصيدة

مات على رأس القرن

يوسف بن شادي بن داود بن شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شادي صلاح الدين بن الأوحد بن الزاهر بن المجاهد ولد سنة وكان أحد أمراء دمشق الطبلخاناة حسن الصورة بهي المنظر ولى عدة أنظار وله بستان في غاية الحسن وكان يضيف فيه الأكابر من حسن ملتقى وجميل عشرة ومحبة في اهل العلم والصلاح وكثرة البر لهم وكانت له معرفة بالهندسة وله عند تنكز منزلة عالية ومات في صفر وقيل في جمادى الأولى سنة

يوسف بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل بن عثمان ابن عساكر بدر الدين بن عماد الدين مات في أواخر شهر ربيع الأول سنة

يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف

ابن علي بن أبي الزهر الحلبي الأصل المزي أبو الحجاج جمال الدين الحافظ ولد في ربيع الآخر سنة بالمعقلية بظاهر حلب فلو كان له من يستجيز له لأدرك إجازة المرسي والمنذري واليلداني ونحوهم ولو كان له من يسمعه صغيرا لسمع من ابن عبد الدائم والكرماني وغيرهما ولكنه طلب بنفسه في أول سنة خمس وسبعين فأكثر عن أحمد بن أبي الخير والمسلم ابن علان والفخر ابن البخاري ونحوهم من أصحاب ابن طبرزد والكندي والحرستاني وسمع الكتب الطوال كالستة والمسند والمعجم الكبير وتاريخ الخطيب والنسب للزبير والسنن الكبير والمستخرج على مسلم والحلية والدلائل ومن الأجزاء الوفاء ومشيخته نحو ألف شيخ وأخذ عن الشيخ محيي الدين النووي وغيره وسمع بالشام والحرمين ومصر وحلب والإسكندرية وغيرها وأتقن اللغة والتصريف وكان كثير الحياء والاحتمال والقناعة والتواضع والتودد إلى الناس مع الانجماع عنهم قليل الكلام جدا حتى يسئل فيجيب ويجيد وكان لا يتكثر بفضائله ولا يغتاب أحدا ويتوجه إلى الصالحية ماشيا إلى أن دخل في العشر التسعين وهو على ذلك وكان مغرى بالمطالب فلا يزال في فقر وأول ما حصل له من الوظائف الناصرية بعد ابن أبي الفتح ثم دار الحديث الأشرفية بعد ابن الشريشي وقال ابن تيمية لما باشرها المزي لم يلها من حين بنيت إلى الآن أحق بشرط الواقف منه لقول الواقف فإن اجتمع من فيه هذه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية قال الذهبي ما رأيت أحدا في هذا الشأن أحفظ منه وكان في شبيبته صحب العفيف التلمساني فلما تبين له ضلاله هجره

قال وكان يترخص في الأداء من غير الأصل ويصلح من حفظه ويسامح في دمج القارى ولغط السامعين ويعتمد في ذلك الإجازة وكان يتمثل بقول ابن منده يكفيك من الحديث شمه وأوذي مرة في سنة بسبب ابن تيمية لأنه لما وقعت المناظرة له مع الشافعية وبحث مع الصفي الهندي ثم ابن الزملكاني بالقصر الأبلق شرع المزي يقرأ كتاب خلق أفعال العباد للبخاري وفيه فصل في الرد على الجهمية فغضب بعض وقالوا نحن المقصودون بهذا فبلغ ذلك القاضي الشافعي يومئذ فأمر بسجنه فتوجه ابن تيمية وأخرجه من السجن فغضب النائب فأعيد ثم أفرج عنه وأمر النائب - وهو الأفرم - بأن ينادى بأن من يتكلم في العقائد يقتل قال الذهبي لم يخرج لنفسه شيئا لا مشيخة ولا معجما ولا فهرست ولا عوالي إنما أملى قليلا ثم ترك وكان يلام على ذلك فلا يجيب وصنف تهذيب الكمال فاشتهر في زمانه وحدث به خمس مرار وحدث بكثير من مسموعاته الكبار والصغار عاليا ونازلا وغالب المحدثين من دمشق وغيرها قد تلمذوا له واستفادوا منه وسألوه عن المعضلات فاعترفوا بفضيلته وعلو ذكره وبالغ أبو حيان في القطر الحي في تقريظه والثناء عليه وكذلك ابن سيد الناس في أجوبة أبي الحسين بن أيبك قال ووجدت بدمشق من أهل العلم الإمام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم أبا الحجاج بحر هذا العلم الزاخر وحبره - القائل كم ترك الأول للآخر - أحفظ الناس للتراجم وأعلمهم بالرواة من أعارب وأعاجم لا تخص

معرفته مصرا دون مصر ولا ينفرد علمه بأهل عصر معتمدا آثار السلف الصالح مجتهدا فيما نيط به في حفظ السنة من المصالح معرضا عن الدنيا وأسبابها مقبلا على طريقته التي أربى بها على أربابها لا يبالي ما ناله من الأزل ولا يخالط جده بشيء من الهزل وكان بما يضعه بصيرا وبتحقيق ما يأتيه جديرا وهو في اللغة أيضا إمام وله بالقريض معرفة وإلمام فكنت أحرص على فوائده لأحرز منها ما أحرز وأستفيد من حديثه الذي إن طال لم يمل وإن أوجز وددت أنه لم يوجز وكانت رؤية ابن سيد الناس له بعد سنة تسعين وكان معتدل القامة مشربا حمرة قوي الركب متع بذهنه وحواسه وكان يستعمل الماء البارد مع الشيخوخة ويحكم ترقيق الأجزاء وترميمها ويعتني بكتابة الطباق عليها قال الصفدي سمعنا صحيح مسلم على البندنيجي وهو حاضر فكان يرد على القارئ فيقول القارئ - وهو ابن طغريل ما عندي إلا ما قرأت فيوافق المزي بعض من حضر ممن بيده نسخة إما بأن يجد فيها كما قال أو يقول مطفر عليه أو مضيف أو في الحاشية ولما كثر ذلك منه قلت له ما النسخة الصحيحة إلا أنت قال ولم أر بعد أبي حيان مثله في العربية خصوصا التصريف ولم يكن مع توسعة في معرفة الرجال يستحضر تراجم غير المحدثين لا من الملوك ولا من الوزراء والقضاة والأدباء ونحو ذلك حتى أني سألت عن القالي - بالقاف فقال أعرف الفالي - بالفاء واستفدت منه فوائد وقواعد في علم الحديث لم أجدها في كتاب ولم آخذها عن مجاب وقال الذهبي كان خاتمة الحفاظ وناقد

الأسانيد والألفاظ وهو صاحب معضلاتنا وموضح مشكلاتنا حفظ القرآن في صباه وتفقه للشافعي مدة وعنى باللغة فبرع فيها وأتقن النحو والصرف وله عمل في المعقول ومعرفة بشيء من الأصول وكتابته حلوة وفيه حياء وحلم وسكينة واحتمال وقناعة وترك للتجمل وانجماع عن الناس وصبر على من يؤذيه وقلة كلام إلا أن يسئل فيفيد وكان معتدل القامة أبيض أبطأ عنه الشيب ومتع بحواسه وذهنه ولم يكن له مركوب بل كان يصعد إلى الصالحية ماشيا وهو في العشر التسعين وكان طويل الروح ريض الخلق جدا لا يرد بعنف ولا يتكثر بفضائله ولا يكاد يغتاب أحدا وكان يستحم بالماء البارد في الشيخوخة قال وما علمته خرج لنفسه عوالي ولا موافقات ولا معجما وكنت ألومه على ذلك فيسكت قال ولو كان لي رأي للازمته أضعاف ما جالسته فإنني أخذت عنه هذا الشأن بحسبي لا بحسبه وكان لا يكاد يعرف قدره إلا من أكثر مجالسته قال ولو كان مع حسن خطه ذا إتقان قل أن يوجد له غلطة أو يؤخذ عليه لحنة وكان خيرا ذا ديانة وتصون من الصغر وسلامة باطن وعدم دهاء وكانت فيه سذاجة قد توقعه … على أمر فيأكله ويستأكله حتى لا يزال في إفلاس حتى احتاج إلى بيع أصله بتهذيب الكمال بخطه وكان مأمون الصحبة حسن المذاكرة خير الطوية محبا للآثار معظما لطريقة السلف جيد المعتقد وكان اغتر في شبيبته وصحب العفيف التلمساني فلما تبين له ضلاله هجره وتبرأ منه وكان أوذي مرة واختفى بسبب إسماعه لتاريخ الخطيب

وأوذي أخرى بسبب قراءته كتاب خلق أفعال العباد كما تقدم مرض أياما يسيرة ولم ينقطع وعرض له - بعد أن أسمع الحديث إلى قرب التوجه إلى الجمعة وقام ليتأهب - وجع في باطنه ظنه قولنجا وإنما كان طاعونا - قاله صهره ابن كثير وقال فاستمر به إلى أن مات بين الظهر والعصر من يوم السبت صفر سنة وهو يقرأ آية الكرسي وصلى عليه من الغد بالجامع ثم خارج باب النصر ثم دفن بمقابر الصوفية بالقرب من ابن تيمية وكان الجمع في جنازته متوفرا جدا ولما مات جمع الحافظ صلاح الدين العلائي جزءا سماه سلوان التعزي عن الحافظ المزي ومن نظمه

إن عاد يوما رجل مسلمأخا له في الله أو زاره
فهو جدير عند أهل النهىبأن يحط الله أوزاره

يوسف بن عبد السيد بن المهذب إسحاق بن يحيى الإسرائيلي كان يهوديا فأسلم مع أبيه سنة وقد سمع من أبيه من محمد بن عبد المؤمن الصوري وحدث عنه وكان ماهرا في الطب قليل الانطراح على الدنيا إذا حصل كفايته في أول النهار توجه إلى النزاهة لا يخل بذلك مات في شهر رمضان سنة وقد تقدم ذكر أبيه

يوسف بن عبد الصمد بن يوسف البكري البغدادي الحنفي جمال الدين سمع من العفيف الدواليبي وروى عن صالح بن عبد الله بن علي الصباغ الكوفي بالإجازة وعن أبي البركات أيمن بن محمد بن محمد

المغربي نزيل المدينة الشريفة روى عنه أبو حامد ابن ظهيرة بالإجازة في معجمه

يوسف بن عبد الغالب بن هلال الإسكندري العلاف كان عاميا إلا أنه جيد النظم كقوله في الجناس التام

كم قلت للحائك الظريف وفيراحته طاقة يخلصها
هل لك في رد مهجة لفتى ليس له طاقة يخلصها

مات في سنة ذكره الكمال جعفر في البدر السافر

يوسف بن عبد الكريم بن هبيل الموصلي نزيل اليمن عز الدين أبو المحاسن ذكره الشهاب ابن فضل الله ونقل عن التاج عبد الباقي اليماني أنه ذكره في شعراء اليمن وقال قدم من الموصل في حدود الثمانين أيام المظفر يوسف وأقام إلى سنة وركب البحر إلى الهند وهو في قبضة التسعين وكان ذا ذهن وقاد وكان يتشيع وينسج الحرير الموشى ومن شعره في ذلك

يا إمام الزمان في كل فنوبديعا قد بذ شأو البديع
قد رفعنا إلى معاليك روضامن حرير في غاية التوشيع
دوحة في أواخر الصيف فاخترها كما جاء في زمان الربيع

يوسف بن عبد الله بن علي بن قائم ابن الحبال الجمال أبو المحاسن ولد في سنة ثمانين وستمائة وسمع بها من التاج عبد الخالق القاضي

وأبي الحسين اليونيني وشمس الدين بن أبي الفتح وحدث وتفرد ورحل إليه سمع منه ابن ظهيرة ومات سنة

يوسف بن عبد الله بن عمر بن علي بن خضر الكردي الكوراني المعروف بالعجمي أخذ عن الشيخ نجم الدين الأصبهاني والبدر التستري وكان أعجوبة زمانه في التسليك وله أتباع ومريدون وله رسالة سماها ريحان القلوب في الوصل إلى المحبوب تتضمن شرائط التوبة ولبس الخرقة وتلقن الذكر ورحل يوما لزيارة الشيخ يحيى الصنافيري فقام إلى لقائه وهو يقول

ألم تعلم بأني صيرفيأحك الأصدقاء على محكى
فمنهم بهرج لا خير فيهومنهم من أجوزه بشك
وأنت الخالص الذهب المصفىبتزكيتي ومثلي من يزكى

فحصل للشيخ يوسف بذلك سرور زائد وجلس وأقبل الشيخ يحيى على محمد ابن الشيخ يوسف فأنشده

إن السرى إذا سرى فبنفسهوابن السرى إذا سرى أسراهما

فازداد سرور الشيخ يوسف بذلك واشتهر عنه الذكر الذي ملأ الأفاق وله زاوية بقرافة مصر مشهورة وعدة زوايا في عدة بلاد وللناس فيه اعتقاد زائد وزعم الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي العرياني أنه سمع منه ما يقتضي أنه على طريقة ابن العربي فالله أعلم بسره مات في جمادي الأولى سنة

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.