من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الزَّاي (٢)
الصفحة ٢ من ٢
زين العابدين بن مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ الصديقي القاهري الشَّافِعِي الْأُسْتَاذ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى قَامَ مقَام أَبِيه من بعده ودرس وَأفْتى وَأفَاد وَكَانَ فِي مصر مَالك أزمة الوجاهة وسالك رُتْبَة البراعة واليراعة وَألف التآليف الْحَسَنَة الْوَضع وَأشهر مَاله من المؤلفات رِسَالَة إِلَّا ترج وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو السرُور الْمُقدم ذكره من الْعلمَاء إِلَّا أَنه لم يبلغ دَرَجَة زين العابدين فِي التصوف والتكلم بِلِسَان الْمعرفَة وروى أَن والدهما الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم لما حَضرته الْوَفَاة قَالَ لخادمة لَهُ نَادَى لي زين العابدين فَذَهَبت وَنَادَتْ ابا السرُور فَقَالَ لَهَا بعد أَن خرج نَادِي لي زين العابدين فأنك إِذا ناديتيه وَلم تنادى أحدا غَيره فَأَنت حرَّة فَذَهَبت وَنَادَتْ زين العابدين قَالَت فَلَمَّا دخل على وَالِدَة قَالَ لَهُ اجْلِسْ وأملى عَلَيْهِ شيثا ثمَّ قَالَ لَهُ فهمت فهمت قَالَ نعم قَالَ قُم الْآن فَلَمَّا توفّي وَالِده ظهر بِمَا ظهر بِهِ من المعارف والحقائق وَذهب كثير من أهل مصر وَغَيرهم إِلَى أَن بدايته كَانَت نِهَايَة أَبِيه وَقد أَخذ الْعلم عَن وَالِده وَغَيره وَشَيْخه الْمُخْتَص
بتعليمه الشَّيْخ بدر الدّين البرديني وتأخرت وَفَاته عَنهُ وانتهت إِلَيْهِ الرياسة بِالِاسْتِحْقَاقِ الذاتي وَكَانَ عَالما بارعا فِي الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير وعلوم البلاغة وَله شعر لطيف سَائِغ فَمِنْهُ قَوْله
محب لحر الْوَجْه فِي الترب مرغاوصب من الأجفان حَقًا تفرغا
أماط الْهوى عَنهُ نقاب سلوهوأرخى عَلَيْهِ السّتْر لَيْلًا وأسبغا
فيا حاد يَا ركب الملاح ترفقاوقصا نباه عِنْد سعدى وبلغا
وقولا رَأينَا من تعد ضلوعهغراما وَمن نَالَ الضنى مِنْهُ مبلغا
وَقَوله
ومجلس لَذَّة أَمْسَى وجيهايضيء كَأَنَّهُ بدر مُنِير
تجمع فِيهِ مشموم وَرَاحوأوتار وولدان وحور
تجمعت الْحَواس الْخمس فِيهِبِخمْس يستتم بهَا السرُور
فَكَانَ الضَّم قسم اللَّمْس فِيهِوَقسم الذَّوْق كاسات تَدور
وللسمع الأغاني والغوانيلاعيننا وللشم البخور
وَقَوله فِي القهوة
أَن تشرب القهوة فِي حانهافاللطف قد حف بندمانها
حَان حكى الْجنَّة فِي بسطهابرقة الْعَيْش وإخوانها
بِمَائِهَا نغسل أكدارناونحرق الْهم بنيرانها
لاهم يبْقى لَا وَلَا غم إِذْقابلك الساقي بفنجانها
يَقُول من أبْصر كَانُوا بهَاأُفٍّ على الْخمر وادنانها
شراب أهل الله فِيهَا الشفاجَوَاب من يسْأَل عَن شانها
وَقَوله فِيهَا أَيْضا
اسقنا قهوة غدافية اللَّوْنحَلَالا تفرج الْهم عَنَّا
وأدرها من خَالص اللَّبن صرفالَا تشب حسنها بِغَيْر فتنا
وَاتبع قَول أِشرف الرُّسُل حَقًاقَالَ قولا من غَشنَا لَيْسَ منا
وَذكره الخفاجي فَقَالَ فِي وَصفه تعَاطِي حِرْفَة الزهاده وَفتح حَانُوت السجادة وَادّعى الكرامات وقص منامات لَهَا الْكرَى مَاتَ وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَن النَّاس خَرجُوا للدُّعَاء بالاستسقا وَقدر رعى الْقَحْط الْبِلَاد فَلم يدع ثمرا وَلَا وَرقا والجو بالغمام مطبق وجفن السحب بدمع الْقطر مغرق فَلَمَّا دَعَا تجلى وَعَبس وَتَوَلَّى فَقُمْت
على سَاق الارتجال وأنشدت أَصْحَابِي فِي الْحَال
وَولي قطب لرب السَّمَاءأسْرع الصحو إِذْ دَعَا بِالْمَاءِ
فِي صُرَاخ وأدمع هُوَ يُغنيعَن رعو منهلة الأنواء
فَكَأَن السَّحَاب كَانَ مَرِيضامَاتَ لما دَعَا بالاستسقا
انْتهى قلت ذكره بِهَذَا الاسلوب من الشهَاب اسمج السمج وَالْحَامِل لَهُ على ذَلِك الْحَسَد لتصور مَا كَانَ عَلَيْهِ المترجم من الاقبال وَإِلَّا فالشهاب لَيْسَ من أقرانه بِحَسب الْوُجُود أما فِي حَيَاة المترجم فمعلوم ضَرُورَة أَن الخفاجي كَانَ إِذا ذَاك فِي ابْتِدَاء طلوعه وغضارته وَلَيْسَ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي أَمر وَأما بعد مَوته فَإِنَّهُ وَإِن ولي قَضَاء مصر لكنه لم يبلغ بعض مَا بلغ ذَاك من الْحُرْمَة والهيبة وأنى لَهُ وَلَو سلم هَذَا فَمَا الْمُقْتَضى لحسد رجل فَاتَ وولعت بِهِ أَيدي الْآفَات وَمَا ذكره وَقع قَرِيبا فِي بَلْدَتنَا دمشق مَا يُشبههُ وَذَلِكَ أَنهم خَرجُوا يستسقون فَلم يسقوا وَاتفقَ فِي ذَلِك الْيَوْم مجئ مظْلمَة سلطانية فَقَالَ فِي ذَلِك شَيخنَا الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ النابلسي
خَرجُوا ليستسقوا الْغَدَاة فأمطرواسحب الجرائم من سما الْحُكَّام
ودعوا فحين تصدعت أنفاسهمردّت منكسة من الآثام
وَلَو استقاموا فِي الْأُمُور تَتَابَعَتنعم الْإِلَه ومنة الْإِسْلَام
إِن السِّهَام إِذا تعوّج نصلهاعَادَتْ فأثر عودهَا بالرامي
عودا وَبلغ صَاحب التَّرْجَمَة فِي آخر أمره من الْجَلالَة ونفوذ الْكَلِمَة مبلغا لَيْسَ لَا حد وَرَاءه مطمع حَتَّى خشيَة حكام مصر وَكَانُوا يدارونه ويتوقعون رِضَاهُ إِلَى أَن ولي قَضَاء مصر الْمولى عبد الْوَهَّاب الْآتِي ذكره فَوَقع بَينهمَا فِي شَيْء فَعرض فِيهِ إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد ثَالِث شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة وَألف طلع إِلَى إِبْرَاهِيم باشا بعد الْعَصْر على عَادَته فأحضر السماط ثمَّ القهوة فَلَمَّا أكلُوا وَشَرِبُوا خر زين العابدين مغشيا عَلَيْهِ وَحمل إِلَى بَيته فَمَاتَ هَذَا هُوَ المستفيض على أَلْسِنَة المؤرخين وروى بَعضهم أَن مَوته كَانَ خنقا أَو غَيره وَأَنه طرح على بَاب قلعة الْجَبَل واشتهر ذَلِك فِي دمشق فَبنى عبد الْحق بن مُحَمَّد الْحِجَازِي الدِّمَشْقِي قَوْله فِي رثائه عَلَيْهِ وأبياته هِيَ هَذِه
لم يهدموا أَرْكَان مصر وَإِنَّمَاهدموا بقتلك قبَّة الْإِسْلَام
وتناوشتك يَد الْكلاب وطالماخضعت لغزك صولة الضرغام
فسقى ثراك سَحَابَة قدسيةتهمى عَلَيْك برحمة وَسَلام
وَلم يبْق إِبْرَاهِيم باشا بعده إِلَّا أَيَّامًا قَليلَة حَتَّى وَقع بَينه وَبَين عَسَاكِر مصر فَقَتَلُوهُ وحملوا رَأسه على رمح وطوفوا بِهِ مصر كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته وعوقب بذلك على الجراءة على قتلة صَاحب التَّرْجَمَة الله أعلم
زين العابدين بن محيي الدّين بن ولي الدّين بن جمال الدّين يُوسُف بن زَكَرِيَّا أبي يحيى بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ السنيكي الشَّافِعِي الإِمَام الْفَاضِل الْعَالم الْعَامِل كَانَ أحد عباد الله تَعَالَى الصَّالِحين والإجلاء المعتقدين المخصوصين بالأخلاق الرضية والشمايل البهية المرضية ولد بِمصْر ضحى يَوْم الْخَمِيس خَامِس شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَألف وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وتلاه بالتجويد واعتنى بِهِ قِرَاءَة وفهما وَكِتَابَة ورسما واشتغل فِي عنفوان شبابه بِالطَّلَبِ وَأخذ عَن وَالِده ولازم أكَابِر شُيُوخ عصره وشارك الشبراملسي فِي كثير من شُيُوخه ثمَّ لَازمه مُلَازمَة الجفن للعين وَكَانَ الشبراملسي يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ ويعظمه فِي جَمِيع شؤونه حَتَّى توفّي فِي حَيَاة الشبراملسي فجزع عَلَيْهِ وَكَاد أَن يشق ثَوْبه عَلَيْهِ لكَونه خدنه وَصديقه وخليله ورفيقه وَقد ألف مؤلفات كَثِيرَة شهيرة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الجزرية لجده شيخ الْإِسْلَام القَاضِي زَكَرِيَّا فِي نَحْو عشْرين كراسة وَشرح على رِسَالَة جده الْمَذْكُور الْمُسَمَّاة بالفتوحات الآلهية سَمَّاهُ الْمنح الربانية وَكَانَت وَفَاته فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف بِمصْر وَدفن بالقرافة بِالْقربِ من تربة الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على أَبِيه وجده والسبكي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَإِسْكَان الْيَاء الْمُثَنَّاة وَآخر الْحُرُوف كَاف نِسْبَة لسنيكة بتاء التَّأْنِيث بليدَة من شَرْقي مصر ولد بهَا جده القَاضِي زَكَرِيَّا رَحمَه الله تَعَالَى
زين العابدين الصَّفَدِي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ كَانَ من فضلاء زَمَانه قدم دمشق فِي عنفوان عمره واشتغل بهَا على عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر وَحصل فضلا باهراً ثمَّ رَحل إِلَى بلدته صفد وَأقَام بهَا وَولى افتاء الْحَنَفِيَّة مُدَّة ودرس وَأفَاد واشتهر صيته وَكَانَ ذَا همة عالية وَمَكَارِم أَخْلَاق وَأَصله من قَرْيَة كفر مندا من ضواحي صفد وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف تَقْرِيبًا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع