تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْعين الْمُهْملَة (١٧)

الصفحة ٢ من ٢

عبد الله بن سَالم بن مُحَمَّد بن سهل بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن علوى بن مُحَمَّد مولى الدويله اشْتهر جده عبد الرَّحْمَن بِصَاحِب خيله الشَّيْخ الصوفى الْكَبِير أحد أَرْكَان حضر موت ذكره الشلى وَقَالَ فى حَقه ولد بتريم وَأخذ عَن الائمة الْكِبَار وَصَحب الْعلمَاء العارفين وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن عقيل وطب وَالشَّيْخ عبد الله بن شيخ والقاضى عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَالسَّيِّد سَالم بن أَبى بكر الْكَاف وَغَيرهم ولازم الاخير مُلَازمَة تَامَّة وبرع فى التصوف والحقائق وَلبس الْخِرْقَة من جمَاعَة من مشايخه واعتنى بِعلم الحَدِيث وسلك منهاج الصَّالِحين من السّلف من الزّهْد وَالتَّقوى والتقشف مَعَ الْوَرع الزَّائِد ورحل الى الْيمن وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وجاور بِمَكَّة سِنِين وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة من العارفين مِنْهُم الشَّيْخ الْكَبِير ابراهيم الْبَنَّا تلميذ الْعَارِف بِاللَّه عبد الله بن مُحَمَّد بافقيه وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَالسَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ سعيد بابفى وَغَيرهم ثمَّ عَاد الى تريم وَلما قدمهَا قَالَ الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس قدم تريم صَاحبهَا وَأقَام بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ توجه إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأقَام بهما سبع سِنِين وَصَحب جمَاعَة من العارفين وَأخذ عَن غير وَاحِد من المستوطنين والواردين مِنْهُم الشَّيْخ الْكَبِير الْعلم الشهير تَاج العارفين سيدى مُحَمَّد بن مُحَمَّد البكرى وَحضر درس الشَّيْخ الامام الشَّمْس مُحَمَّد الرملى وَلما دخل على تَاج العارفين قَرَأَ لَهُ قَوْله تَعَالَى (أَفَمَن وعدناه

وَعدا حسنا فَهُوَ لاقيه﴾ وَهَذِه عَادَته رضى الله عَنهُ يقْرَأ لمن دخل عَلَيْهِ من العارفين آيَة مُنَاسبَة لحاله ومقامه وتجرد صَاحب التَّرْجَمَة للْقِيَام بوظائف الْعِبَادَة والامعان فى الرياضات وَلما رَجَعَ الى تريم نصب نَفسه للارشاد وَحصل بِهِ نفع عَام وَتخرج بِهِ خلق كثير مِنْهُم وَلَده سَالم وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن امام السقاف وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الله الْغُصْن وَكَانَ هُوَ وَالسَّيِّد الْجَلِيل أَحْمد بن مُحَمَّد الحبشى رَفِيقَيْنِ فى الطّلب من الصغر لَا يفترقان وَمن أَوْصَاف صَاحب التَّرْجَمَة انه كَانَ حابسا نَفسه عَن أَرْبَاب الدُّنْيَا لَا يقبل مِنْهُم هَدِيَّة بل كَانَ غَنِيا بِمَا رزقه الله تَعَالَى وَكَانَ قوته كفافا وَلما قَالَ لَهُ بعض أهل الدُّنْيَا أُرِيد أشترى لَك نخلا ينْتَفع بِهِ أولادك وَلَا يكونُونَ كلا بعْدك فَقَالَ قد تكفل برزق الاولاد خَالق الْعباد وَله كرامات يظهرها عِنْد الْحَاجة مِنْهَا أَن بعض بَنَات الدُّنْيَا عبرت بعض بَنَاته بالفقر فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ لَهَا سيفتح الله عَلَيْكُم بِمَا يغنيكم وَيحْتَاج غَيْركُمْ اليكم فَكَانَ الامر كَمَا قَالَ فتح الله على بَنَاته حَتَّى احْتَاجَت تِلْكَ الْبِنْت الَّتِي عيرتهن الى أَن تستعير مِنْهُنَّ الحلى فى مهماتها وَلم يزل على طَرِيقَته المحمودة حَتَّى توفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل

عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن أَبى بكر باقشير المكى استاذ الاستاذين وكبير عُلَمَاء قطر الْحجاز فى عصره وَكَانَ أديبا باهرا وشاعرا ماهراً ذكره السَّيِّد على فى السلافة فَقَالَ فى وَصفه خَاتِمَة أَئِمَّة الْعَرَبيَّة وقائد صعابها الابية وَمن لَهُ فِيهَا المزية الْعُظْمَى وَالْمحل الرفيع الاسمى مَعَ تعلق بِسَائِر الْفُنُون وَتحقّق صدق بِهِ الظنون ورتبة فى الادب معروفه وهمة الى تأثيل الْفضل مصر وفه رَأَيْته غير مرّة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فى حَلقَة درسه وَهُوَ يجنى الاسماع من روض فَضله ثمار غرسه وَقد أصغت الاسماع اليه وجثت الطّلبَة على الركب بَين يَدَيْهِ وَذكره الشلى فى تَارِيخه الْمُرَتّب على السنين وَبَالغ فى وَصفه جدا ثمَّ قَالَ ولد بِمَكَّة فى سنة ثَلَاث بعد الالف وَحفظ الْقُرْآن والشاطبية وجوده وَأحكم علم التجويد وَالْقُرْآن وجد فى الِاشْتِغَال حَتَّى وصل الى مرتبَة لم ينلها أحد غَيره من أهل عصره وَكَانَ على اخْتِصَاصه بِحل الْفُنُون أدبيا اليه النِّهَايَة متميزا فى المعارف والآداب أَخذ عَن أَئِمَّة عديدة من أهل مَكَّة مِنْهُم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى والامام عبد الْقَادِر الطبرى وَعبد الْملك العصامى وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَأحمد

الحكمى وَمن الواردين عَن الْبُرْهَان اللقانى وَكَانَ قوى الذكاء والفهم طلق اللِّسَان خاشع الْقلب صادعا بِالْحَقِّ ندى الْقَلَم وَجلسَ للتدريس فَلَزِمته الطّلبَة وأنجب تلاميذ أفاضل وَاتفقَ لَهُ انه أَقرَأ التُّحْفَة لِابْنِ حجر درسا عَاما بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام الى أَن خَتمهَا ثمَّ أعَاد قرَاءَتهَا الى أَن وصل فِيهَا الى بَاب الاجارة فتوفى فَفِيهِ اشارة الى ثُبُوت الاجر لَهُ ان شَاءَ الله تَعَالَى فكمل وَلَده الْعَلامَة سعيد على قِرَاءَة وَالِده حَتَّى وصل الى بَاب الْجعَالَة ثمَّ توفى الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَثَبت لَهُ الْجعل من الله تَعَالَى اذ لم يكن لَهما مَعْلُوم على تدريسهما وَهَذَا من لطيف الِاتِّفَاق ذكر ذَلِك بعض تلامذتهما وَكَانَ من عجائب الدَّهْر كتب الْكثير وحشى الحواشى وعلق التَّعَالِيق النفيسة والفتاوى العجيبة وَكَانَ كثير الْمَحْفُوظ لطيف الاخلاق منور الشيبة كثير الْوَقار قَلِيل الْكَلَام طارحا للتكلف جميل الْعشْرَة كثير التودد للنَّاس قوى الهمة فى الِاشْتِغَال مَعَ الطّلب بأدب وَحفظ لِسَان وَحسن تصرف فى الْكَلَام واحسان واعتراف واخلاص طوية لَا يقْصد الا وَجه الله تَعَالَى وانتفع بِهِ خلق كثير من أهل مَكَّة واليمن والشأم وَالْعراق وصنف التصانيف المقبولة مِنْهَا مُخْتَصر الْفَتْح شرح الارشاد وَالْتزم فِيهِ ذكر خلاف التُّحْفَة وَالنِّهَايَة والمغنى لكنه لم يتم وَاخْتصرَ نظم عقيدة اللقانى وَشرح نظمه وَاخْتصرَ تصريف الزنجاني نظماً وَشَرحه شرحاً مُفِيدا ونظم الحكم وَشَرحه ونظم آدَاب الاكل وَشَرحه وَمن شعره قَوْله

جاذبتها طرق الحَدِيث مفاكهافَأَبت سوى التهديد والتعنيف
ورجوت مِنْهَا الْوَصْل لمحة نَاظرلأفوز بالتكريم والتشريف
فكانها التَّنْوِين رام اضافةللصرف أَو لازالة التَّعْرِيف

وَقَوله

يَا رب مَا أمرضت من مُسلمفنجه من ثقل الْعَائِد
فانه أعظم مِمَّا بِهِوَلم يفدر مر من الجامد

وَقَوله

مناصب الْعِزّ بأيدى الرعاعمن ذكرهَا ينقصم الظّهْر
يَا زَمنا نكس اعلامهملاذ من تمتحن الصَّبْر

وحذا حذوه صنوه مُحَمَّد بن سعيد فَقَالَ

مناصب الْعِزّ لمن لَا يرىالا فَتى جلبابه الصَّبْر
فان عَن الكونين بَاقٍ بِهِتغبطه الْعِزَّة والفقر
يعْمل شكرا وَكثير الورىيَبْعَثهُ للْعَمَل الشُّكْر

وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس بَقينَ من شهر ربيع الاول سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَتوفى قَرِيبا مِنْهُ أَخُوهُ ووالده ودفنوا كلهم بالمعلاة رَحِمهم الله تَعَالَى

السَّيِّد عبد الله بن سيف الله السَّيِّد الشريف الْمَعْرُوف بِابْن سعدى القسطنطينى أحدالموالى الاجلاء الاديب المنشى الشَّاعِر المتخلص على دأب شعراء الرّوم بفائزى كَانَ فَاضلا أديبا جسيما وسيما حسن النّظم والنثر فى الالسنة الثَّلَاثَة عَارِفًا بِنَقْد الشّعْر وأساليبه وَله الشُّهْرَة التَّامَّة بالمعرفة والتفنن لقى كثيرا من الْفُضَلَاء وَأخذ عَنْهُم ولازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا وَورد دمشق فى خدمَة أَبِيه لما صَار قَاضِيا بالقدس ثمَّ بعد عوده الى الرّوم درس بمدارس دَار الْخلَافَة الى أَن وصل الى مدرسة موصلة السليمانية فَجرى بَينه وَبَين عمر بن سعدى القرمانى الْمدرس امتحان فى مجْلِس الْمُفْتى الاعظم وَكَانَ القرمانى الْمَذْكُور قَلِيل البضاعة جدا لَكِن ساعده الْقدر بِسَبَب انفعال السَّيِّد عبد الله من اقترانه بِهِ فتلاشى فى الْبَحْث وَظهر القرمانى عَلَيْهِ فَقدم عَلَيْهِ الى الْمدرسَة السليمانية وَكَانَ كثيرا مَا يتَمَثَّل بعد هَذِه الْوَاقِعَة بالبيتين الْمَشْهُورين وهما

ان أصلى وذكائىمن مرادى حرمانى
ليتنى كنت من الترك جهولا قرمانى

ثمَّ بعد مُدَّة وصل الى السليمانية وَدَار الحَدِيث وَولى مِنْهَا قَضَاء سلانيك فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وتعصب عَلَيْهِ طَائِفَة من أَهلهَا فاشتكوا مِنْهُ الى السُّلْطَان ونقموا عَلَيْهِ أَشْيَاء فعزل فى مُدَّة جزئية وَخرج خطّ شرِيف فِيهِ بِأَن لَا يلى الْقَضَاء بعْدهَا فبقى مُدَّة وَقد ضربت الْعُزْلَة عَلَيْهِ حجابها وَانْقطع عَن النَّاس وضاق حَاله من تكدر عيشه وتشتت حواسه حَتَّى ولى شيخ الاسلام يحيى المنقارى منصب الفيتا فأنقذه من ذَلِك الْحَال وشفع لَهُ عِنْد السُّلْطَان بتوليته قَضَاء بروسه ثمَّ نَقله فى مُدَّة جزئية الى ازمير فقوى رياشه وَحسن معاشه ثمَّ بعد مُدَّة ولاه قَضَاء مَكَّة المشرفة فورد دمشق فى منتصف شعْبَان فى سنة ثَمَان وَسبعين وَألف ورأيته بهَا فَرَأَيْت أديبا كَامِل الاوصاف قوى البداهة والحافظة الا أَن طبعه خَارج عَن الطباع لما فِيهِ من شدَّة الْحَرَارَة فقد شاهدته فى بحبوحة الشتَاء واستحكام برد الشأم يجلس كاشفا رَأسه وكأنما بخار الْحَرَارَة الصاعد من رَأسه دُخان مدخنة حمام وَلَا يسْتَقرّ لَحْظَة الا ويتطلب ثلجا فيأكله بنهمة وَكَانَ بَينه وَبَين والدى المرحوم مَوَدَّة سالفة

وصحبة قديمَة فتقيد برعاية جَانِبه وَسمعت والدى يَقُول وَقد سُئِلَ عَنهُ كَأَنَّمَا البلاغة تُؤْخَذ عَن لَفظه والآداب ترنو عَن لحظه وَكَانَ جرى بَينهمَا مطارحات ومراسلات كَثِيرَة من جُمْلَتهَا قصيدة كَانَ والدى كتب اليه بهَا ومطلعها

يَا سَاكِنا بشغافىوَعَن عيونى خافى
طولت مُدَّة بينىوَبَعضهَا كَانَ كافى
كدرت بالبعد عيشىمن بَعْدَمَا كَانَ صافى
لهفى لطيب لَيَالمرت لنا بالتصافى
حَيْثُ الشَّبَاب قشيبوالدهر فِيهِ موافى
وسالف من زمَانتدار فِيهِ سلافى
من كف ريم كغصنيمِيل بالاعطاف
يزهو بوردى خديزرى بورد القطاف
زمَان لَهو تولىبروضة ميناف
تسقى من السحب وَبلابِعَارِض وكاف
يَا دهر رفقا بصبحَتَّى مَتى ذَا التجافى
وعدتنى بالامانىفَكُن بوعدك وافى
واسمح بِرُؤْيَة مولىسليل عبد منَاف
ذَاك الْهمام المفدىوَسيد الاشراف
كم حل مُشكل بحثبِلَفْظِهِ الْكَشَّاف
مولاى يَا بَحر فضلطام من الْجُود طافى
وفائزا بقوافقد أعجزت ابْن قَاف
يَا مُفْرد الرّوم حَقًاوجامع الالطاف
أَنْت الْغنى بمدحىعَن كَثْرَة الاوصاف
فَلَا تظن بأنىلسابق الود جافى
لَو كنت أعلم صبرىلَكِن أمرى خافى
لَكَانَ سعيى اليكموفى حماكم طوافى
فربع غَيْرك عندىمولاى كالاعراف
ان رمت تَفْصِيل حالىمن الزَّمَان المجافى
ملان تمنيت شَيْئاالا أَتَى بِالْخِلَافِ
من جوره ضَاقَ صدرىفسحت فى الارياف
صَحِبت بالرغم منىقوما من الاجلاف
حَتَّى حللت بِمصْرمن بعد قطع الفيافى
فَلم أجد لى فِيهَاغير الثَّلَاث الاثافى
فَلَا صديق صَدُوقوَلَا حبيب يوافى
هَذَا زمَان عَجِيبمَا فِيهِ خل مصافى
وَالْفضل قد صَار ذَنباوللرواج منافى
عَسى الاله قَرِيبايمن بالاسعاف
بجاه خير البراياوالآل أهل العفاف
واعذر بِفَضْلِك فضلىضَاقَتْ على القوافى
وَدم بسعدك ترقىلمنهل لَك صافى
مَا غرد الْورْد شجواعلى غصون الْخلاف
مفكرا عهد صبنأى عَن الاحلاف

فَرَاجعه عَنْهَا بِهَذِهِ القصيدة ومطلعها

يَا خير خل مصافىلَا زَالَ وردك صافى
أَيْن الزَّمَان الذى قدكِتَابه فى التصافى
مَا بَيْننَا غير ودمَا بَيْننَا من خلاف

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.