من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (٢٠)
الصفحة ٢ من ٢
فَأَجَابَهُ بقوله
يَا فَاضلا لم يزل يهدى الفرائد منعلومه وتروينا سحائبه
تأنيشك الدَّار حتم لَا سَبِيل الىالتَّذْكِير فامنع اذا فى الدَّار صَاحبه
وَالِاسْم مَوْصُوفَة عمم فان لقباأَو كنية فارتكاب الْحَذف واجبه
هَذَا جوابى فاعذران تَجِد خللافصدر الْعَجز وَالتَّقْصِير كانبه
لَا زلت تاجاً لَهَا مَاتَ العلى علمافى الْعلم يحوى بك التَّحْقِيق طَالبه
وَمن نظمه قَوْله
أهْدى لمجلسه الْكَرِيمفرائدا تهدى اليه
كالبحر يمطره السَّحَابوَمَا لَهُ فضل عَلَيْهِ
وَهُوَ من قَول البديع هبة الله الاسطرلابي
أهْدى لمجلسه الْكَرِيم وانماأهْدى لَهُ مَا خرت من نعمائه
كالبحر يمطره السَّحَاب وَمَالهفضل عَلَيْهِ لانه من مَائه
وتناوله الامير أَبُو بكر بن جلالا الحلبى وأفرغه فى قَوْله
أيا بحرا غدونا من نداهنقدم بعض أنعمه لَدَيْهِ
كَذَاك الْبَحْر ينشأ مِنْهُ غيثوَبَعض سحابه يهدى اليه
وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة بِالْمَدِينَةِ المشرفة فى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن ببقيع الْغَرْقَد
عبد الْملك بن عبد السَّلَام بن عبد الحفيظ بن عبد الله بن دعسين بِفَتْح السِّين ابْن عبد الله بن أَبى بكر بن أَحْمد بن على بن عبد الله بن الْفَقِيه مُحَمَّد دعسين ابْن هبينى بن ربيعَة بن على بن أَحْمد بن شكر بن رزام بن يحيى بن عبد الله بن زَكَرِيَّا ابْن خَالِد ابْن عبد الْعَزِيز بن عبد الله ابْن الصحابى خَالِد بن أسيد بن الْعيص بن أُميَّة الاكبر ابْن عبد شمس بن عبد منَاف ابْن قصى الاموى القرشى الْيُمْنَى الامام الْكَبِير كَانَ
أعجوبة من أَعَاجِيب الزَّمَان ذكره الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى حَاتِم بن أَحْمد الاهدل وَقَالَ فى حَقه امام المصنفين وعلامة المؤلفين وَفِيه يَقُول بعض الشُّعَرَاء
لم ترعينى فى أَدِيم الْفلكمثل الامام النّدب عبد الْملك
وتصانيفه اليها النِّهَايَة فى التَّنْقِيح وَكَانَت لَهُ يَد طولى فى جَمِيع الْعُلُوم كالحديث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والتصوف والاصلين والفرائض والحساب والنحو وَالصرْف واللغة والمعانى وَالْبَيَان والهيئة والفلك وَالشعر والتاريخ والانساب وَالْعرُوض وصنف فى كثير من هَذِه الْعُلُوم وَمن مصنفاته منحة الْملك الْوَهَّاب بشرح ملحة الاعراب وَشرح مُعَارضَة بَانَتْ سعاد الْمُسَمّى اعداد الزَّاد بشرح ذخر الْمعَاد فى مُعَارضَة بَانَتْ سعاد وَشرح قصيدة ابْن نَاصِر الدّين ابْن بنت الميلق من ذاق طعم شراب الْقَوْم يدريه شرحا بديعا سَمَّاهُ جَوَاهِر السلوك المتحلى بهَا جيد السلوك الى ملك الْمُلُوك وَهُوَ شرح نَفِيس فى غَايَة الْحسن وَهُوَ أول من شرحها شرحا حافلا وَكتب عَلَيْهَا قبله الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الولى عبد الْقَادِر بن الْجُنَيْد المشرع الزبيدى شرحا كالتعليق مُخْتَصرا فى أوراق قَليلَة نَحْو الكراس الا انه نحا فِيهِ منحى الصُّوفِيَّة وَكَانَ عَالما بِالْكتاب وَالسّنة عَاملا بهما حَافِظًا لكتاب الله تَعَالَى مواظبا على تِلَاوَته ناصرا لشرع الله مثابرا على نشره قَائِما بِمَا جرى عَلَيْهِ سلفه الصَّالح من الاوراد والاذكار واكرام الوافدين وبذل الجاه وَكَانَ حسن الاخلاق عَظِيم التَّوَاضُع سخى النَّفس وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خير كُله من فرقه الى قدمه وَكَانَ ينظم الشّعْر وَمن شعره قَوْله ملغزا
مَا ذُو بِنَاء حوى جمعا من الْبشرنصيفه اسْم لواد أَخْضَر نضر
ان انت ضعفت هَذَا النّصْف جَاءَك فىتَضْعِيف تركيبه نوع من الْحجر
د
(وَمَا بقى ان تضعفه أَتَاك بِتَضْعِيف لَهُ جبل يدريه ذُو الْفِكر ...)
معكوسه ان تصحفه رَأَيْت بِهِطيرا يغرد بالآصال وَالْبكْر
وان تزل من جَمِيع الِاسْم أَولهبدا بباقيه قوم طالبو سفر
مقلوبهم ان تحقق مِنْهُ جملَتهيكن معينا على الادلاج فى السحر
(وان تزل آخرا للاسم تلق بعكس مَا يبْقى اسْم ذى طعم من الْبشر ...)
يَأْتِيك فى صفة من كَانَ لازمهافَهُوَ الْمُعظم بَين البدو والحضر
أجَاب الشَّمْس مُحَمَّد العجمى بقوله
ركبت من لغزك الجارى على خطروغصت من حلّه فى لجة الْفِكر
وَمر بى نصفه لما عبرت علىروض هُنَاكَ مريع رائق نضر
صقلت فكرتى الدُّنْيَا بمرمرهحَتَّى رَأَتْ كبكب العالى على النّظر
وغرد الصب من وجد بِهِ طَرباكبلبل صَاح بالالحان فى السحر
أشجى بنغمته أهل الغرام فكممن سابح فى الْهوى يجرى على غرر
قد شدّ بكر هَوَاهُ والها غزلاونال غَايَة مَا يَرْجُو من الوطر
وَحَازَ من ساكنى وادى النقا كرماوَعَاد فى مركب الاقبال بالظفر
وَمن مناقبه أَن بعض الاخيار رأى النبى
فى الْمَنَام كسا عبد الْملك هَذَا قَمِيصًا بعد أَن عرض عَلَيْهِ كراسا من تصنيفه وَكَانَت وَفَاته لعشر بَقينَ من شهر ربيع الاول سنة سِتّ بعد الالف وعمره ارْبَعْ وَخَمْسُونَ سنة وَدفن بمقبرة بندر المخا وَبَنُو دعسين قَبيلَة مَشْهُورَة بِالْيمن اشْتهر مِنْهُم جمَاعَة بِالْولَايَةِ وَالْعلم حَتَّى ان صَاحب التَّرْجَمَة أفردهم بتأليف سَمَّاهُ قُرَّة الْعين بِمَعْرِِفَة بنى دعسين
عبد الْمُنعم الماطى المصرى الشَّاعِر الماهر ذكره الخفاجى وَقَالَ فى حَقه أديب أسكرنا بِلَفْظِهِ العذب الانسجام وجلا علينا من مدام فكره فى نَادَى الانس جَام وَقد كَانَ فى شرخ الشَّبَاب وطليعة اقباله العجاب
زمانى كالورد طيبا وبهجةفيا لَيْت ذَاك الْورْد كَانَ نصيبى
وَنشر أفكاره دارى وَمن بَحر كرمه لنارى وان توقد ذكائه لنارى وَله اخلاق ذَات حواش رقاق فَمن شعره الذى أنْشدهُ لى قَوْله
اذا رام مَحْفُوظ يرينى للشرامن الدّفن قطرالانظير لحسنه
فقولا لَهُ انى وَحقّ حَيَاتهمرادى أرى تَعْلِيقه قبل دَفنه
وَقَوله
وَعَن كَبْش الذَّبِيح سَأَلت يَوْمًاخَبِيرا بالعلوم أَتَى اليا
أيحيا الْكَبْش يَوْم الْبَعْث أَيْضافأخبرنى بِأَن الْكَبْش يحيى
انْتهى وَكَانَت وَفَاته بِمصْر سنة خمس بعد الالف
عبد النافع بن عمر الحموى نزيل طرابلس الشأم الحنفى الْفَاضِل الاديب الْمَشْهُور كَانَ فى غَايَة من الذكاء والفطنة والتضلع من أَنْوَاع الْفُنُون وَكَانَ فى أول أمره سَاقِط الرُّتْبَة فخدم القاضى مُحَمَّد بن الاعوج باقراء أَوْلَاده الْقُرْآن فَجعله كَاتبا بمحكمة حماة ثمَّ انه ترقى الى أَن أفتى وَانْفَرَدَ بالفتوى من حمص الى معرة النُّعْمَان وَألف وَمن
تآليفه منظومة فى العقائد سَمَّاهَا الرسَالَة الهادية الى اعْتِقَاد الْفرْقَة النَّاجِية وَتَفْسِير سُورَة الاخلاص فى مُجَلد وشاع ذكره فى الْبِلَاد الشامية وَكَانَ على شهامته بذى اللِّسَان مغرى بالهجا وَكَانَت بَينه وَبَين الْحسن البورينى مَا جرت الْعَادة بِمثلِهِ بَين الْفُضَلَاء من التنافر والتنافس وكل مِنْهُمَا لَهُ فى حق الآخر أهاج شنيعة أَعرَضت عَن ذكرهَا لبذاءتها وَلم أختر مِنْهَا الا هَذِه الاحجية بعث بهَا عبد النافع للعلامة أَبى المعالى درويش مُحَمَّد الطالوى فى بورينى وهى هَذِه
على الاخلاء الا جلاء فىدمشق سلم غير ذَاك السمج
وَقل لَهُم حَاجا كم ذُو الحجىمَا مثل قولى سمك مَا نضج
وَكَانَ بَينه وَبَين قَاض بحماة مشاحنة وتعاضد القاضى مَعَ أَمِير حماة الامير حسن ابْن الاعوج عَلَيْهِ فَكتب الى ابْن الاعوج قَوْله
تخذت وليا ظَالِما ذَا مذلةوَقد كنت لَا ترْضى وليا من الذل
وَمن يتَّخذ نسج العناكب درعهفسهم معاديه غنى عَن النصل
ثمَّ هجا بنى الاعوج وَأطلق فيهم لِسَانه فَضَاقَ عَلَيْهِ حمى حماة فأقلع الى طرابلس الشأم وسكنها وَكَانَ حاكمها اذ ذَاك الامير يُوسُف بن سَيْفا فمدحه وتقرب اليه وَكَانَ بطرابلس رجل متصوف من أهالي حمص يدعى بِعَبْد النافع أَيْضا وَكَانَ الْأَمِير يُوسُف يوده فاتفق أَن الامير أرسل لعبد النافع الحموى مَالا من مرتبه على صدقَات السلطنة بطرابلس فَأَخذهَا رَسُوله الى عبد النافع الحمصى لاشتراك الِاسْم فَلَمَّا وصل الْخَبَر الى الحموى قصد الامير وَقَالَ لَهُ ان اشْتِرَاك الِاسْم قد يضر وَهَذِه دراهمى ذهبت الى عبد النافع الحمصى فَلَا بُد من تَمْيِيز يكون سَبَب رفع الِاشْتِبَاه فَقَالَ لَهُ انْظُر وَصفا مُمَيّزا فَقَالَ لَهُ أَنا أكون عبد النافع الشَّاعِر يُشِير الى أَن يكون ذَاك عبد النافع المشعور لانه حمصى وَالْمَشْهُور أَن أهل حمص مشعورون فى الْعقل لنقصانهم فِيهِ فَضَحِك الامير وَأرْسل اليه بِالْمَالِ الذى ذهب الى الحمصى ثمَّ انه أطلق لِسَانه فى الامير ابْن سَيْفا وَاتفقَ فى ذَلِك الاثناء نهوض الامير على بن جانبولاذ الى نواحى طرابلس لمحاربته فهرب ابْن سَيْفا مِنْهُ الى نواحى حيفا كَمَا سنفصله فى تَرْجَمَة ابْن جانبولاذ وَدخل بعض أقَارِب ابْن جانبولاذ الى طرابلس ناهباً لاموالها وَكَانَ عبد النافع دَلِيله فَلَمَّا آل الامر الى الصُّلْح وَرجع ابْن سَيْفا الى طرابلس صمم على قتل عبد النافع فهرب مِنْهُ الى حلب وَكَانَ يتَرَدَّد مِنْهَا الى الْبلدَانِ الَّتِي بقربها وَمِنْهَا
ادلب الصُّغْرَى وَقد وقفت لَهُ على أشعار لَطِيفَة المسلك من جُمْلَتهَا هَذَانِ البيتان وَقد أحسن فى مَعْنَاهُمَا كل الاحسان وهما
كَأَن الدجى ظرف على الصُّبْح موكأوَلَكِن لطول الا متلا والبلى انْفَلق
فَسَالَ فَغطّى أنجما مَا تعلمتلقصر المدى سبحا فأدركها الْغَرق
وَمن ذَلِك قَوْله فى هجاء قَاض
من شَرّ بَيت شَرّ قَاض أَتَىحماته يَا قبح مَا استحسنت
أَبوهُ محتال دنىء وَكمفى رَأسه من دوحة أغصنت
وَأمه مَرْيَم لَكِنَّهَاوعيشكم لَيْسَ الَّتِي أحصنت
وَذكره الخفاجى وَقَالَ فى تَرْجَمته فَاضل تود الْعين قربه ويعتقد أَن وده أعظم قربه وأديب بديع زَمَانه وتاج رُؤْس أقرانه يستعير السحر رقته من طبعه الرفيع وَلَا تنكر الِاسْتِعَارَة من صَاحب الْبَيَان البديع الا انه اقْتدى فى شعره بِابْن حجاج كَقَوْلِه فى هجاء من لقب بالتاج
أقبح خلق الله فى خلقهوخلقه وَهُوَ خسيس وضيع
لقب بالتاج وَلكنهتَاج الخصا وَهُوَ مجَال وسيع
وَسُئِلَ عَن قَول أَبى تَمام
رَقِيق حواشى الْحلم لوأن حلمهبكفيك ماريت فى انه برد
كَيفَ وصف الْحلم بالرقة فَأجَاب بِمَا لَا يشفى الغليل مِمَّا رَأَيْت تَركه خيرا من ذكره وانا أقوله قَالَ الْقطر بلَى والآمدى انه مِمَّا يضْحك مِنْهُ لانه لم يصف الْحلم بالخفة وانما وصف بالرزانة فخفته ورقته ذمّ وَقَوله بكفيك فى غَايَة السخافة وَقَالَ ابْن السَّيِّد مَا قَالَاه لَا يلْزمه لِأَنَّهُ لم يُطلق الرقة على حلمه أجمع وانما أَرَادَ أَنه ترك الْجد الى الْهزْل فى بعض الاوقات وَالْوَقار الى الانبساط وَلذَا تحفظ بِأَن جعل الرقة للحواشى خَاصَّة واذا لم تكن الرقة الا لحواشيه فمعظمه كثيف وَقد كرر هَذَا فى قَوْله
لَا طايش يهفو وخلائقه وَلَاخشن الْوَقار كَأَنَّهُ فى محفل
وَقَوله
الْجد شيمته وَفِيه فكاهةسمح وَلَا جد لمن لَا يلْعَب
ثمَّ أَقُول وَمِمَّا يُوضح خطأه انه لم يخترع هَذِه الِاسْتِعَارَة وَقد انشد صَاحب زهر الْآدَاب فى قصَّة وَقعت مَعَ الرشيد لبَعض الاعراب من شعر أوردهُ لَهُ
رَقِيق حواشى الْحلم حِين تثورهيُرِيد الهوينا والأمور تطير
// فَاسْتَحْسَنَهُ وَأَجَازَهُ جَائِزَة سنية // فاذا عرفت انه مسموع لمن قبله من الْعَرَب من غير انكار عَلَيْهِ اتَّضَح خطاؤه وانه لَيْسَ المُرَاد مَا ذكره الْمُجيب بل المُرَاد انه مُحِيط بأفعاله وأقواله احاطة الرِّدَاء ثمَّ وَصفه بالرقة اشارة الى لطفه وَحَيْثُ وصف بالرزانة فباعتبار عدم تغيره لَا بِاعْتِبَار ثقله أَلا تراك لَو قلت ثقيل الْحلم لم يحسن مِنْك ذَلِك فاعرفه انْتهى وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة بأدلب الصُّغْرَى فى احدى الجماديين سنة سِتّ عشرَة وَألف وَاتفقَ لَهُ قبل مَوته بأيام انه نظم هَذِه الابيات وهى قَوْله
فؤادى مِمَّا لَا أُسَمِّيهِ مكاوموذنبى اليه عِنْد مولاى مَعْلُوم
فَلَا عجب ان ضَاعَ حقى لَدَيْهِ بلعجبت لانى عِنْد مولاى محروم
فقد مسنى الضّر الذى لَيْسَ فَوْقهفَلَيْسَ كمثلى فى التواريخ مظلوم
فَكَانَ لفظ مظلوم تَارِيخا لوفاته مَعَ مظلوميته فقصد هُوَ الثَّانِيَة وأجرى الله الاولى على لِسَان الْفَاضِل الاديب ابراهيم بن أَبى الْيمن البترونى الحلبى وَكَانَ اذ ذَاك قَاضِيا بحماة فَقَالَ
قد مَاتَ عبد النافع الحبر الذىمَاتَت بِهِ فى الْعَالمين عُلُوم
فى أدلب الصُّغْرَى غَرِيبا نَائِياعَن أَهله تَارِيخه مظلوم
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع