من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (٢٢)
الصفحة ٢ من ٢
وَولد لَهُ أَوْلَاد نجباء وَأَقْبل عَلَيْهِ النَّاس بالاعتقاد وَاخْتلفت اليه أكَابِر مَكَّة وأعيانها لالتماس بركته ودعائه وَكَانَ يكره تردد النَّاس اليه ويهضم نَفسه على الدَّوَام لَا يصف نَفسه بِحَال وَلَا مقَام لَهُ آدَاب نبوية وَمَكَارِم حاتمية مَقْبُول الشَّفَاعَة عِنْد الْمُلُوك فَمن دونهم وَكَانَ شرِيف مَكَّة يحترمه غَايَة الاحترام وانتفع النَّاس بِصُحْبَتِهِ الا ان صحبته كَانَت صعبة غَالب النَّاس لَا يقدر عَلَيْهَا وَله كرامات كَثِيرَة مِنْهَا أَن كَانَ كثير العطب لمن تعرض لَهُ بالاذى فَكل من أَذَاهُ أَو أنكر عَلَيْهِ لابد أَن يحصل لَهُ نكد اما مرض أَو موت أَو سَرقَة مَال أَو موت من يُحِبهُ أَو خُرُوج من وَطن أَو نَحْو ذَلِك وَقد جمع كراماته فقراؤه فى جُزْء لطيف وَهَذِه نبذة مِنْهَا ملخصة من هَذَا الْجُزْء مِنْهَا أَن شرِيف مَكَّة وَكَانَ اذ ذَاك الشريف محسن بن حُسَيْن كَانَ وزيره أَخذ بعض حبوب الجراية الَّتِي ترد لحكة من مصر فَأرْسل اليه السَّيِّد علوى يشفع فى رده لاهله فَلم يقبل شَفَاعَته فَأرْسل اليه ثَانِيًا يَقُول لَهُ ان أخذت حبوب الْفُقَرَاء تسكن هَذِه السّنة آخر سنة لَك ولسيدك فَلم يلْتَفت اليه فَكَانَ الامر كَمَا قَالَ فَمَا حَال عَلَيْهِمَا الْحول حَتَّى استلبوا دولتهم وعذب ذَلِك الْوَزير بِعَذَاب عَظِيم وَمِنْهَا ان الْوَجِيه عبد الرَّحْمَن بن عَتيق الحضرمى وَكَانَ وزيرا بِمَكَّة تعرض لبَعض آل باعلوى بالاذى فَجَاءُوا الى السَّيِّد علوى وَأَخْبرُوهُ بذلك وطلبوا مِنْهُ أَن يَدْعُو عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم كفيتم شَره فَلَمَّا أَمْسَى اللَّيْل انْهَدَمت دَار ابْن عَتيق عَلَيْهِ وَكَانَ جَدِيدا وَخَافَ على نَفسه الْهَلَاك ثمَّ عَاهَدَ الله تَعَالَى فى سره أَن لَا يتَعَرَّض لَاحَدَّ مِنْهُم أبدا وَمِنْهَا أَن بعض المتعجرفين أَسَاءَ الادب بِحَضْرَة السَّيِّد علوى فزجره بعض أَقَاربه فَلم ينزجر وَقَالَ ان كَانَ السَّيِّد كَذَا فَليدع الله على بِالْمَوْتِ فَدَعَا السَّيِّد علوى عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ فَمَاتَ فى ذَلِك الْيَوْم وَمِنْهَا أَنه جَاءَهُ جوخ فَطلب صَاحب المكس مكس ذَلِك الجوخ فَقَالَ السَّيِّد مَا على مكس وَلَا أعْطى شَيْئا فى ذَلِك فَأرْسل المكاس يَقُول لَئِن لم تعط طَوْعًا والا أرسلنَا لَك عشرَة عبيد يَأْخُذُونَ مِنْك ذَلِك كرها فَقَالَ السَّيِّد للرسول قل لَهُ ان أَصبَحت على وَجه الارض فَأرْسل مائَة وصيف فَمَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَة وَمِنْهَا أَنه أَتَاهُ عبيد فَطلب مكاس بندر جدة رسم تِلْكَ العبيد فَامْتنعَ السَّيِّد من الاعطاء وَقَالَ مَا على رسم فلازمه فى ذَلِك فَأعْطَاهُ ثَلَاثَة أحرف وَقَالَ هَذِه ثَلَاثَة بِثَلَاث سِنِين مَا يأتيكم موسم الْهِنْد فَوَقع الامر كَمَا قَالَ وَمِنْهَا ان زبدية صَارَت ملآنة قهوة فى الروشن فَجَاءَت يَده عَلَيْهَا على غَفلَة فطاحت الى الزقاق فَأمر عَبده أَن يأتى بهَا فَخرج وفى ظَنّه ان الزبدية صَارَت رضاضا لكَونهَا طاحت
من علو وهى ملانة فَوَجَدَهَا سَالِمَة والقهوة فِيهَا فهت عِنْد ذَلِك وَمِنْهَا ان أَوْلَاده أَرَادوا أَن يحلقوا رُؤْسهمْ فشرعوا فى الْحلق وَقد جَاءَ وَقت ذهابهم الى الْكتاب فخافوا من الْفَقِيه أَن يَضْرِبهُمْ لتأخرهم فَقَالَ لَهُم نَحن نمسك الشَّمْس لكم حَتَّى تحلقوا رؤسكم وَقَالَ اللَّهُمَّ بجاه نبيك مُحَمَّد
أَن توقف الشَّمْس حَتَّى يحلق الاولاد رُؤْسهمْ فوقفت الشَّمْس حَتَّى حَلقُوا رُؤْسهمْ كلهم وَشَاهد ذَلِك من حضر وَمِنْهَا أَن بعض الْفُقَرَاء أَتَى اليه وَقَالَ لَهُ لَيْسَ عِنْده نَفَقَة هَذَا الْيَوْم وَكَانَ عِنْده عُمَّال يفرشون طينا فَقَالَ لَهُ السَّيِّد اعْمَلْ مَعَهم لَعَلَّك تَجِد مَا تنفقه فَعمل مَعَهم فاذا بِدِينَار ذَهَبا وَمِنْهَا أَن بعض الْفُقَرَاء ألح عَلَيْهِ فى الطّلب وَكَانَت لَهُ بقرة عِنْدهم فَأمرهَا أَن تنطحه فتبعته وَهُوَ شارد مِنْهَا حَتَّى أحَال النَّاس بَينه وَبَينهَا وَمِنْهَا أَن بعض آل باعلوى طلب أَن يَدْعُو الله تَعَالَى أَن يُوسع عَلَيْهِ فى الدُّنْيَا فَدَعَا لَهُ بذلك وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ واعمل أكياسا للدراهم فَفعل فَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وهى راغمة حَتَّى امْتَلَأت تِلْكَ الاكياس وَمِنْهَا أَنه أَتَى من سفر فَلَمَّا وصل بندر القنفدة طلب مِنْهُ بعض الْمُسَافِرين أَن يتَقَدَّم الى أَهله ليخبرهم بوصوله وَطلب مِنْهُ سبْحَة عَلامَة فَأبى فَأخذ السبحة على حِين غَفلَة من السَّيِّد وسافر بهَا فتعرضت لَهُ حَيَّة عَظِيمَة على طَرِيقه فمنعته السّفر الى مَكَّة حَتَّى رَجَعَ الى السَّيِّد وَاعْتذر اليه ومناقبه كَثِيرَة وَكَانَ زاهدا فى الدُّنْيَا ورياستها وَمن زهده فِيهَا أَنه طلب ورثته من حَضرمَوْت وَقسم بَينهم جَمِيع مَا عِنْده من المَال على حسب ارثهم وتجرد عَن الدُّنْيَا وتكفل بخدمته وَنَفَقَته تِلْمِيذه ابْن ابْن ابْن أَخِيه أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن على بن عقيل لكَونه كَانَ يُحِبهُ جدا وَلم تطل حَيَاته بعد ذَلِك وَكَانَ سَبَب مَوته أَنه سئم من الْحَيَاة وَطلب من الله تَعَالَى أَن يقبضهُ اليه فَظهر فى بدنه بثرة وَلم تزل تزداد كل يَوْم وَاشْتَدَّ بِهِ الالم وَعرض على كثير من الاطباء وَالَّذين يعانون الْجِرَاحَات فَلم يُوجد عِنْدهم طب وَلم يعرفوا لَهَا دَوَاء وَاسْتمرّ مَرضه نَحْو اثنى عشر يَوْمًا وَمَات فى يَوْم الاربعاء وَقت الضُّحَى لخمس مضين من الْمحرم سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وحزن النَّاس لفقده وَاجْتمعَ الْخَلَائق للصَّلَاة عَلَيْهِ فى الْمَسْجِد الْحَرَام وَحضر الصَّلَاة عَلَيْهِ شرِيف مَكَّة الشريف زيد بن محسن وَدفن بالمعلاة فى حوطة آل باعلوى وقبره بهَا مَعْرُوف يزار رَحمَه الله تَعَالَى
علوى بن عمر بن عقيل بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن الشَّيْخ مُحَمَّد جمل اللَّيْل الامام الْجَامِع بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول قَالَ الشلى فى تَرْجَمته ولد بقرية روعة وَحفظ الْقُرْآن
بالتجويد ثمَّ اشْتغل بِالْعلمِ وتفقه فى الدّين على جمَاعَة واعتنى بِسَائِر الْعُلُوم وَجمع بَين الْحَقِيقَة والشريعة ثمَّ دخل الْهِنْد فقابله بعض وزراء السُّلْطَان الْمُسَمّى ملك ريحَان بالاكرام واقام عِنْده بُرْهَة يدرس ويفيد ثمَّ عَاد الى وَطنه وَمَشى على طَريقَة آبَائِهِ من النَّفْع والقرى فَظهر شَأْنه وَدخل الْهِنْد مرّة ثَانِيَة ونال عِنْد الْملك ريحَان مرتبَة علية قَالَ وبلغنى انه حج وانه أَخذ عَن جمَاعَة من العارفين بالحرمين وَلم تكن لَهُ كَثْرَة قِرَاءَة وانما كَانَ مجداً فى الطّلب لَهُ جلد على مطالعة الْكتب وَرُبمَا سهر أَكثر اللَّيْل فى ذَلِك وَله خطّ حسن كتب بِخَطِّهِ عدَّة كتب اكثرها فى الْعَرَبيَّة والادب وَله رسائل مُشْتَمِلَة على عِبَارَات فصيحة ونكت بديعة وَكَانَ عذب اللِّسَان حُلْو الْمنطق جوادا سخيا كثير الْوَرع تَامّ الْمُرُوءَة كَامِل الفتوة حَافِظًا لسيرة السّلف وَلم يزل فى التَّحْصِيل حَتَّى توفى الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَخمسين وَألف ﵀
السَّيِّد علوى بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن علوى بن أَبى بكر الجفرى بن مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الاستاذ الاعظم الْفَقِيه الْمُقدم وَيعرف كسلفه بالجفرى أحد الْعباد الْمَشْهُورين ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة قسم وَنَشَأ بهَا ثمَّ اشْتغل بِالتِّجَارَة وبورك لَهُ فِيهَا وجاب الْبِلَاد وَسَار الى الْجبَال وَأقَام بالمستفاض أَرض المهرة مُدَّة وعظمه سلطانها ورحل الى السواحل وبجله مُلُوكهَا وارتحل الى الْهِنْد واليمن ومصر وَغَيرهَا وَكَانَ كثير الاسفار الى الْحَج وزيارة النبى
وَصَحب جمَاعَة من اكابر الصُّوفِيَّة وانتفع بصحبتهم وَكَانَ غَايَة فى الْجُود وَالْكَرم وصلَة الرَّحِم وَحب الْفُقَرَاء والاحسان اليهم ومحبة الْعلم وَالْعُلَمَاء والصلحاء والاولياء وَكَانَ دينا صَدُوقًا وقورا مَشْهُورا بالعفاف وكرم النَّفس كثير الْوَرع وَكَانَ على قدم كَامِل من الصّلاح وَالْعِبَادَة وَكَثْرَة الصَّدَقَة والصلة ثمَّ أَقَامَ يتريم وَترك السّفر وتخلى لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ من عَادَته حِين يستهل شهر رَمَضَان لَا يخرج من بَيته حَتَّى يَنْسَلِخ الا لصَلَاة الْجُمُعَة أَو صَلَاة صَلَاة التَّرَاوِيح وَكَانَ وجيها عِنْد النَّاس مَقْبُول الشَّفَاعَة وَالْقَوْل مسموع الْكَلِمَة صبورا على السعى فى قَضَاء حوائج الْمُسلمين وَكَانَ عَاقِلا محتشما ذَا رأى صَوَاب وَكَانَ بَينه وَبَين سيدى مُحَمَّد بن عمر البيتى صُحْبَة ومودة عَظِيمَة قَالَ الشلى وَكَانَ الْوَالِد يعْنى وَالِده أَبَا بكر يَقُول لم أر مثلهَا بَين اثْنَيْنِ قطّ وَلزِمَ صُحْبَة الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف بن مُحَمَّد العيدروس فى آخر عمره مُلَازمَة تَامَّة
وَكَانَ يمشى على نهجهويتبع طَريقَة ويقتدى بصنيعه وَكَانَ كثير الاعتناء بِهِ وَكَانَ بيتهما من الصُّحْبَة والالفة مَا هُوَ مَشْهُور فَلَا حَاجَة الى الاطالة فِيهِ وَكَانَ من طَرِيقَته ان تَفْرِيق الصَّدَقَة على جماعته أحب اليه من أَن يُعْطِيهَا رجلا وَاحِدًا وَهَذِه مسئلة ذكرهَا الشَّافِعِيَّة وَاخْتلفُوا فى انه لَو سد جوعة مِسْكين عشرَة أَيَّام هَل أجره كَأَجر من سد جوعه عشرَة مَسَاكِين فالذى قَالَه ابْن عبد السَّلَام وَتَبعهُ كَثِيرُونَ لَا يكون كأجره فقد يكون فى الْجمع ولى وَقد حث الله تَعَالَى على الاحسان للصالحين وَهَذَا لَا يتَحَقَّق فى وَاحِد ولانه يُرْجَى من دُعَاء الْجمع مَا لَا يُرْجَى من دُعَاء الْوَاحِد وَمن ثمَّ أوجب الشافعى رَحمَه الله تَعَالَى دفع الزَّكَاة الى جَمِيع الاصناف انْتهى وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة صافى الْفُؤَاد حسن الِاعْتِقَاد لَا يعرف الغل وَالْخداع وعاش فى النِّعْمَة معززا مكرما وَحج آخر عمره وَكَانَ الْوُقُوف يَوْم الْجُمُعَة وَعَاد الى وَطنه تريم فتوفى بهَا وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَسِتِّينَ وَألف
على بن ابراهيم بن أَحْمد بن على بن عمر الملقب نور الدّين بن برهَان الدّين الحلبى القاهرى الشافعى صَاحب السِّيرَة النَّبَوِيَّة الامام الْكَبِير أجل أَعْلَام الْمَشَايِخ وعلامة الزَّمَان كَانَ جبلا من جبال الْعلم وبحرا لَا سَاحل لَهُ وَاسع الْحلم عَلامَة جليل الْمِقْدَار جَامعا لاشتات العلى صارفا نقد عمره فى بَث الْعلم النافع ونشره وحظى فِيهِ حظوة لم يحظها أحد مثله فَكَانَ درسه مجمع الْفُضَلَاء ومحط رحال النبلاء وَكَانَ غَايَة فى التَّحْقِيق حاد الْفَهم قوى الفكرة متحريا فى الْفَتَاوَى جَامعا بَين الْعلم وَالْعَمَل صَاحب جد واجتهاد عَم نَفعه النَّاس فَكَانُوا يأتونه لاخذ الْعَمَل عَنهُ من الْبِلَاد مهابا عِنْد خَاصَّة النَّاس وعامتهم حسن الْخلق والخلق ذَا دعابة لَطِيفَة فى درسه مَعَ جلالته وَكَانَ الشُّيُوخ يثنون عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله من الْفضل التَّام ومزيد الْجَلالَة والاحترام وَكَانَ اذا مر على الشَّيْخ سُلْطَان المزاحى وَهُوَ فى درسه مَعَ جلالته يقوم لَهُ وَيقبل يَدَيْهِ وَيَأْخُذ سر موذته بِيَدِهِ ويضعها فى خزانَة الشَّيْخ على ويفرش لَهُ سجادته الَّتِي يجلس عَلَيْهَا فى التدريس ثمَّ يرجع الى درسه ووقف جَمِيع كتبه على الشَّيْخ الْمَذْكُور ولد بِمصْر فى سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة وروى عَن الشَّمْس الرملى ولازمه سِنِين عديدة وَعَن الاستاذ مُحَمَّد البكرى والنور الزيادى والشهاب ابْن قَاسم وابراهيم العلقمى وَصَالح البلقينى وأبى النَّصْر الطبلاوى وَعبد الله الشنشورى وَسعد الدّين المرحومى وَسَالم الشبشيرى وَعبد الْكَرِيم البولاقى وَمُحَمّد الخفاجى وأبى بكر
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع