تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْفَاء (٢)

الصفحة ٢ من ٢

وَقَوله من قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا

غزال با سياف اللحاظ يصوللَهُ فرع حسن قد نما وأصول
يطول على اللَّيْل من فرط هجرهوَلَا غر وليل العاشقين يطول
أسائل من شوقى لَهُ نسمَة الصِّبَااذا ازاد وجدى والمحب سؤول
أرَاهُ بِعَين الْقلب فى كل سَاعَةقَرِيبا وَلَكِن مَا اليه وُصُول
أكل محب بالجفاء معذبوكل حبيب بِالْوَفَاءِ بخيل
فكم أندب الاطلال منى جَهَالَةوهيهات أَن يسلى العميد طلول
فها مهجتى وتف عَلَيْهِ محبسوقلبى رهين والفؤاد كَفِيل
عساه بِأَن يشفى فؤادى بزورةفانى من دَاء الْفِرَاق عليل
وعل زمانى بالامانى يجود لىفان جواد الْحَظ مِنْهُ جفول
فآها على أَوْقَات قرب تقدّمتوساعات سعد مَا لَهُنَّ مثيل
زمَان بِهِ غُصْن الشبيبة يَانِعوَوجه زمانى بالسرور جميل
سقى الله هاتيك الْمنَازل والربىوربعا بِهِ أهل الحبيب نزُول
وَحيا على رغم النَّوَى كل لَيْلَةتولت وطر فى بالرقاد كحيل
وَأَيَّام أنس لَا يكدر صفوهابلوم وَلم يعذل هُنَاكَ عذول
فَمَا ملت يَوْمًا بعْدهَا لشمائلوَلَا حركتنى للغرام شُمُول

وَقَوله من أُخْرَى

حَدِيث غرامى فى هَوَاك صَحِيحوقلبى كأقوال الوشاة جريح
وشوقى الى لقياك شوق حمامةلَهَا فَوق أفنان الغصول صدوح
فتندب اطلالا لَهَا ومعاهداوَتظهر أشجانا بهَا وتصيح
فَلَا مؤنس فى الدَّار لى غير صَوتهَااذا هاج وجدى والدموع تسيح
كِلَانَا غَرِيب يشتكى الهجر والنوىفيبكى على الف لَهُ وينوح
فقلبى وجفنى ذَا يذوب صبَابَةحَزينًا وَهَذَا بالدموع قريح
ومهجة صب مستهام متيمبهَا صَار من دَاء الغرام قُرُوح
أهيم غراما حِين أذكر جلقاودمعى بسفح القاسيون سفوح
وَلَو كَانَ طرفى فى يدى عنانهسعيت وَلَكِن عَن مناي جموح

وَقَوله من أُخْرَى

ومصون عَلَيْهِ عِبْرَة حسنحَجَبته عَن أعين الاوهام
حبه فى الْقُلُوب سر خفىكخفاء الارواح فى الاجسام
ملك لم يدع من الْحسن شَيْئالسواه يرَاهُ فى الاحلام

وَمن مقاطيعه قَوْله

وَقد كنت أخْشَى الْبعد والشمل جَامعبأحبابنا وَالْقلب دَار وداد
فقد صرت فى ذَا الْآن أبعد طَالبوأقنع من رؤياهم بمداد

وَقَالَ من الرباعيات

يَا قلب دنت خيام سعدى فلجوانعم سحرًا بِطيب ذَاك الارج
واصبر جلدا وَلَا تكن فى حرجفالصبر غَدا مِفْتَاح بَاب الْفرج

وَله

يَا قلب ان كنت قلبِيفِي الْحبّ لَا تتقلب
لَعَلَّ من بعد بعديدنو الحبيب فتطرب

وَله فى صدر مُكَاتبَة

ان كتبى الى جنابك تبدىبعض مَا بى من كَثْرَة الاشواق
وفؤادى أضحى عليل اشتياقىلَيْسَ يشفيه مِنْك الا التلاقى

لَهُ غير ذَلِك وَأما منشآته فكثيرة جدا وَلما كَانَت هى الْمَقْصُودَة بِالذَّاتِ من آثاره ذكرت فصولا مِنْهَا ليتم الْغَرَض فَمن ذَلِك قَوْله من فصل كتب بِهِ الى قَاض نقل اليه عَنهُ انه يزدريه مولاى حرس الله تَعَالَى مَجْلِسه وَشرح صَدره وأدام أنسه ان الاعداء مَا زَالُوا يترقبون فرْصَة ويرتادون وسيله ليتوصلوا بهَا فى الْقدح بى لَدَى هاتيك الحضرة الجليلة حَتَّى غفل البواب وَفتح لَهُم الْبَاب رتبوا شباك الْغدر ونصبوا حبائل الْمَكْر واستفرغوا فى السّعَايَة جهدهمْ وأخرجوا أقْصَى مَا عِنْدهم وسلكوا فى الافتراء طَرِيقا عجبا وَكَانُوا يتمنون لذَلِك سَببا

وَأصْبح أَقوام يَقُولُونَ مَا اشتهواوَغَابَ أَبُو عَمْرو وَغَابَتْ رواحله

وَلَو رَأَيْت مَا افتروه فى الْمَنَام لتحققت أَنه أضغاث أَحْلَام وتعوذت بِاللَّه من شَرّ منامى وَسَأَلته سُبْحَانَهُ الْعَافِيَة من طوارق أحلامى

لَو كَانَت الاحلام ناجتنى بِمَاأَلْقَاهُ يقظان لأصمانى الردى
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

ولظننت ان تِلْكَ الرُّؤْيَا نتيجة فكر ردى وبخار خلط سوداوى وانما دفعت فى منامى الى هَذَا التَّخْلِيط لَا كل الباذنجان والقنبيط فَبِحَق حياتك العزيزة عندى وَشرف طبعك الذى اسْتَأْثر بِمَجْمُوع شكرى وحمدى ان مَا قيل من مَحْض الاباطيل وَدَعوى من غير دَلِيل وَالله على مَا نقُول وَكيل اللَّهُمَّ انا نَسْأَلك عقلا يعقلنا عَن مثل تِلْكَ الحماقات ورشدا يمنعنا عَن تِلْكَ الدَّعَاوَى الباطلات

والدعاوى مَا لم يقيموا عَلَيْهَابَيِّنَات أبناؤها أدعياء

فالباطل يصغر من حَيْثُ يكبر ويقل من حَيْثُ يكثر والسعاية سلَاح من لَا سلَاح لَهُ وَالْكذب كيد من لَا كيد لَهُ فَمن جبل على الكدر لَا يصفو أبدا والذى خبث لَا يخرج الا نكدا وَمن فصل آخر كتب بِهِ الى صديق لَهُ عزل عَن منصب وَبدل بشخص دنى يعز على أَن أنظر الى ذَلِك الصَّدْر وَقد جلس فِيهِ غير ذَلِك الْبَدْر وانى لاستحى لعينى ان أفتحها على الصَّغِير وقسد جلس مجْلِس الْكَبِير فانى لذَلِك ضيق ساحة الصَّدْر قريب غر وَالصَّبْر كثير المباراة قَلِيل المداراة فَمَا أسْرع الايام على الْكَرِيم فِيمَا يضرّهُ وعَلى اللَّئِيم فِيمَا يسره فَترفع كل وغد خسيس وتخفض كل حر نَفِيس فَمَا هى الا الْبَحْر تسفل فِيهِ الْجَوَاهِر النفيسة وتطفو فَوْقه الجيفة وكالميزان يرفع من الكفة مَا يمِيل الى الخفة ويخفض مَا يفى بالرجحان وَيبعد من النُّقْصَان وَلَا بدع فهى علامه على قيام القيامه وَهَذَا الْخُرُوج مُقَدّمَة يَأْجُوج وَمَأْجُوج

يَا ضَيْعَة الاعمار فى طلب العلىبِالْعلمِ وَالنّسب الذى بالشين

على أَن المنصب يشرف بِصَاحِبِهِ والمركب يجل براكبه فالصغير مِنْهُ بالكبير كَبِير وَالْكَبِير مِنْهُ بالصغير صَغِير

أَنْت الْكَبِير الذى لَا الْعَزْل ينقصهُقدرا وَلَا المنصب العالى بشرفه
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «يابن الكرام الأولى شادت عزائمهم»

وهى جلْسَة خطيب وسحابة صيف تقشع عَن قريب وَمن فَرح النَّفس مَا يقتل وَقد تهافت تهافت الْفراش بالشهاب وولغ ولوغ الذُّبَاب فى الشَّرَاب وَلَو أَن الدَّهْر يُجيب من خاطبه وَيَعْتِبُ من عاتبه لاستدركت هَذِه الْغَفْلَة عَلَيْهِ وفوقت سِهَام الملام اليه لكنه أَصمّ عَن الْكَلَام صبور على وَقع سِهَام الملام فَمن عَمُود الى عَمُود فرج وَكم صَبر يشم مِنْهُ طيب الارج وَله من فصل آخر كتب بِهِ الى بعض أحبابه يعْتَذر عَن عدم الْمُكَاتبَة أُرِيد أَن أقدم على المعذرة فأحجم وأكاد أَن أعرب عَن الشوق فأعجم كَيفَ لَا وشوقى مَالا تسعه عباره وذنب تقصيرى لَيْسَ لَهُ غير الْعَفو كفاره

وَمَا الْفضل الا خَاتم أَنْت فصهوعفوك نقش الفص فاختم بِهِ عذرى

وَله من فصل آخر فى توقع أُمْنِية لَا يعزب عَن علم الْمولى بلغه الله تَعَالَى أمله ان أفضل الصَّدَقَة أَن تعين بجاهك على من لَا جاه لَهُ وشفاعة اللِّسَان أفضل زَكَاة

الانسان وَلَا يخفى قَوْلهم زَكَاة الجاه رفد المستعين وَقد وَردت من أَنهَار فضلك كل معِين فَمن طلب الرى من الْفُرَات لم يخْش الظمأ فى ورده وَمن قصد الْكَرِيم برجائه لم يخب فى قَصده فَلَيْسَ يُنجى من هَذِه الآلام والشدائد الَّتِي تعجز عَن وصفهَا السّنة الاقلام الا لمحة من لمحات فضلك وَلَا يجْبر هَذَا الْكسر الا نفحة من نفحات عدلك وَمَا عسر وعد أَنْت مستنجزه وَلَا بعد أَمر أَنْت منتهزه وَمَا خَابَ من أَنْت رائش نبله وواصل حبله والثقة وَاقعَة بك على كل حَال والمثوبة مُحَققَة من الْكَرِيم المتعال وَمن آخر يُعَاتب فِيهِ على قطع المراسلة تَأَخّر عَنى كتاب سيدى متع الله الادب بطول بَقَائِهِ وَصرف السوء عَن شرِيف حوبائه حَتَّى كدت أنسى أَيَّام المراسلة وصرت أرى فى الْمَنَام أَوْقَات الْمُكَاتبَة والمواصلة ثمَّ انى راجعت ظنى فَوجدت الذَّنب مقسوما بَينه وبينى فتحملت حِصَّة مِنْهُ ثمَّ انْفَرَدت بِجَمِيعِهِ عَنهُ فها أَنا الْآن أبدى عَن ذَلِك عذرا مَعَ اعترافى بالتقصير كلما ضَاقَ الامر صَدرا أوسعته صبرا

وَمَا كَانَ قطع الْكتب عَنى ملالةوحاشا لمثلى أَن يُقَال ملول
وَلَكِن أُمُور قد عرت وحوادثألمت وَشرح الحادثات يطول

فالمحجوج بِكُل شئ ينْطق والغريق بِكُل خبل مُتَعَلق وَلَقَد عققت الود وظلمت الْعَهْد وَكنت منتظرا لعساكر العتاب فَلم يرد على الى هَذَا الْيَوْم من ذَلِك الجناب خطاب وَلَا كتاب فَكتبت هَذِه الاحرف أَخطب بهَا مودتى الْقَدِيمَة وَصدق ولائى من تِلْكَ الحضرة الْكَرِيمَة وَأَنا الْآن بِكِتَاب سيدى اذا ورد على أَشد سُرُورًا من المشتاق الى التلاق بعد طول الْفِرَاق وَقد مددت الى الطَّرِيق عينى وَأخذت أعد الخطا بَينه وبينى أَحسب كل انسان رَسُولا وكل شخص كتابا الى مَحْمُولا وَمن رِسَالَة لَهُ أرسلها الى مَنْصُور الطَّبِيب العيسوى

أَنا أَصبَحت لَا أُطِيق حراكاكَيفَ أَصبَحت أَنْت يَا مَنْصُور
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «مغرم مؤلم جريح أسير»

قد طَالَتْ الْعلَّة وَطَابَتْ الْعُزْلَة فَلَيْسَ فى الْحَرَكَة هَذَا الْآن بركه والانقطاع أربح مَتَاع والاجتماع جالب للصداع والاختلاط محرك للاخلاط والوحشة استئناس وَأجْمع للحواس

خلت الديار فَلَا كريم يرتجىمِنْهُ النوال وَلَا مليح يعشق
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

فَهُوَ زمَان السُّكُوت وملازمة الْبيُوت وَأَوَان القناعة بالقسوت وَذَلِكَ قوت من

لَا يَمُوت

(فالحرحر وان مَسّه الضّر فوطؤه خَفِيف وضالته رغيف ...)

لُزُوم الْبَيْت أروج فى زمَانعد منافيه فَائِدَة البروز
فَلَا السُّلْطَان يرفع من محلىوَلست على الرّعية بالعزيز
وَلست بواجد حرا كَرِيمًاأكون لَدَيْهِ فى حرز حريز

وَهَذَا مَا وَقع اختيارى عَلَيْهِ من منشآته لاثباته فى تَرْجَمته ووراءه أَشْيَاء أخر تمتّع كل مطالع أَعرَضت عَنْهَا حذرا من التَّطْوِيل وَبِالْجُمْلَةِ فنثره كَمَا ترَاهُ مفرغ فى قالب السلاسه خَال من وصمة التعقيد وَفِيه معَان عذبة وألفاظ رائعة وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة الاربعاء سَابِع عشر الْمحرم سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَألف وَتوفى نَهَار الثُّلَاثَاء قبيل الظّهْر بِمِقْدَار سَاعَة ثَالِث عشرى جُمَادَى الثَّانِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ بعد الْعَصْر بِجَامِع بنى أُميَّة وَدفن بمدفننا الْخَاص قبالة جَامع جراح فى قبر جده ووالده

الشَّيْخ فضل الله بن مُحَمَّد الرومى البركلى وَأَبوهُ الشَّيْخ الْعَالم الْعلم صَاحب كتاب الطَّرِيقَة المحمدية أَخذ الْعُلُوم عَن وَالِده وَقدم الى قسطنطينية فى حُدُود سنة عشْرين وَألف وَأقَام بهَا واشتهر صيت علمه وَأعْطى وظائف الْوَعْظ والتذكير من ذَلِك وعظ جَامع السُّلْطَان سليم وَكَانَ ينْقل فِيهِ التَّفْسِير ثمَّ أعْطى وعظ جَامع السُّلْطَان بايزيد وَكَانَ عَالما فصيح اللِّسَان حسن الْبَيَان باهر الشان وَكَانَ للنَّاس عَلَيْهِ اقبال تَامّ وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاثِينَ بعد الالف وَصَارَ مَكَانَهُ واعظ الْعَالم الشهير بقاضى زَاده الرومى صَاحب الطَّرِيقَة الْمَشْهُورَة فى التقشف والصلابة فى الدّين وَكَانَ صَار مَكَانَهُ أَيْضا واعظا بِجَامِع السُّلْطَان سليم وسيأتى ابْنه مُحَمَّد الْمَعْرُوف بعصمتى ان شَاءَ الله تَعَالَى

فضل الله باشا الْوَزير نَائِب الْيمن وَليهَا بعد مُحَمَّد باشا فَكَانَ وُصُوله الى بندر الصليف فى ثانى شهر ربيع الاول سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَألف وَدخل صنعاء فى رَجَب من هَذِه السّنة وَكَانَ يغلب على ظَاهر أَحْوَاله الجذب من سرعَة حركاته وَهُوَ فى جَمِيع أَحْوَاله من أهل الحزم والدهاء وَكَانَ يخَاف من الله تَعَالَى ويلوذ بالصالحين وَكَانَ كثير الصَّدقَات للْعُلَمَاء والسادة والفقراء وَكَانَ يَدُور فى اللَّيْل بِنَفسِهِ على بيُوت الاشراف وَيحسن اليهم وَكَانَ مجدا فى الامر بالصلوات فى الْجَمَاعَات وَمن تَأَخّر عاقبه وبرزت أوامره الى سَائِر الْوُلَاة بِأَن يأمروا كَافَّة أهل الاسلام بِحُضُور

الْجَمَاعَات حَتَّى عمرت الْمَسَاجِد فى زَمَنه ونسى اسْم الْخمر وَكَانَ يسْعَى على قدمه الى الْجَوَامِع للصلوات وَكَانَ زَمَانه زمَان خصب وَخير رخصت فِيهِ الاسعار وَكَثُرت الامطار وَحصل الامن فى الطرقات وَلما وصل الْخَبَر اليه ان بِلَاد الْيمن قد وجهت للوزير حيدر باشا نَهَضَ قبل مَجِيئه بسبعة أشهر خوفًا أَن يَقع فى جَانِبه كَمَا وَقع على من تقدمه من الْحُكَّام وَخَافَ من عَاقِبَة هَذَا الامر أَن يكون سَببا لخراب الْبِلَاد فَلم يملك نَفسه فى التَّرَبُّص والتوقف مَعَ علو صيته وبطشه فى الحروب حِين كَانَ فى الْيمن بل شمر ونهض مُعْلنا انه يُرِيد أَن يطوف فى ولَايَة الْيمن وَقد فعل قبل ذَلِك ليَكُون سَبِيلا لمثل ذَلِك وان مُرَاده اظهار الْعدْل والانصاف ولاجل قمع شَوْكَة الفرنج الَّذين تسلطوا على المراكب فى الْبَحْر وَكَانَ خليقا بِهَذَا الامر لَوْلَا استعجاله بالنهوض وباطنه بِخِلَاف مَا أظهر فانه أضمر فى نَفسه الخلوص من الْيمن قبل أَن يحصل لَهُ فتْنَة فَكَانَ خُرُوجه من صنعاء فى حادى عشرى شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف فوصل الى أَبى عريس وهى انْتِهَاء حد ولَايَة الْيمن وَذَلِكَ فى شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة فانتقل الى رَحْمَة الله تَعَالَى فَلَمَّا صَارَت الْبِلَاد خَالِيَة مِمَّن يدعى الْملك نَهَضَ الامير مُحَمَّد بن سِنَان باشا وَقد أدْركهُ الْعجب بحب الرياسة وَالْملك اعْتِمَادًا مِنْهُ على أَحْوَاله بِالْقُوَّةِ الظَّاهِرَة وَأظْهر أَنه يُرِيد حفظ الخزانة الَّتِي خلفهَا الْمَذْكُور وَقد رَجَعَ كتخدا الْوَزير فضلى باشا بالخزينة والعساكر حِين وصل اليه الْمقر الْكَرِيم الامير خضر لاجل ازعاجهم مِمَّن هُوَ قَائِم بالامر فحين الْتَقَوْا فى مرجعهم بالامير مُحَمَّد قبض على الخزائن وَنكل السكتخدا الْمَذْكُور وَسَائِر أَتبَاع الْوَزير بأشد النكال وصادرهم وَكَاد يبوح بالاستقلال فَلَمَّا ركب فى غير سَرْجه ودرج فى غير برجه أحاطت بِهِ النحوس من كل جَانب وَلما اسْتَقر فى مَدِينَة زبيد فى جمع عَظِيم وَقد اشْتهر من الاراجيف ان الْحَاكِم الْمُتَعَيّن لليمن حصل عَلَيْهِ أَمر فى الْبَحْر ووردت بعد ذَلِك اخبار وُصُوله الى بندر جدة مَعَ رجل من أَتْبَاعه فَحِينَئِذٍ ظن الامير أَن خُرُوج صَاحب الامر من بندر الْبقْعَة يقرب زبيد وتطايرت الاخبار الى الْوَزير بِبَعْض حركته فَعدل الى طَرِيق بندر المخا فَكَانَ خُرُوجه الى البنرد الْمَذْكُور يَوْم الْجُمُعَة غرَّة شهر ذى الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف فحين خرج من الْبَحْر أرسل الى الامير أَن يصل اليه فَلَمَّا وصل قابله فِيمَا طلبه من الاسعاف فَلَمَّا تمكن أَمر بِقطع رَأسه فَقطع فى يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث ذى الْحجَّة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف

الشريف فهيد بن الْحسن بن أَبى نمى أحد أَشْرَاف مَكَّة كَانَ من أمره أَنه شَارك أَخَاهُ الشريف ادريس وَابْن أَخِيه الشريف محسن بن حُسَيْن بِالربعِ فى جَمِيع أقطار الْحجاز الدَّاخِلَة تَحت حكم صَاحب مَكَّة فكثرت أَتْبَاعه من الاشراف وَغَيرهم بِحَيْثُ صَار موكبه يضاهى موكب الْملك وَكَانَ اذا جلس وقفت التّرْك عَن يَمِينه وشماله وَاتخذ رُمَاة للبندق نَحْو مِائَتَيْنِ أَو أَكثر وَلم يحفظ أَتْبَاعه وعبيده من النهب وَالسَّرِقَة فَكثر ضَرَره على النَّاس وَعجز عَن مداراته الشريف ادريس وَلما اشْتَدَّ أمره أَخذ بِجَانِب أكمل الدّين القطبى وَأَرَادَ أَن يصيره مفتيا فَلم يرض الشريف ادريس وَوَقع بَينهمَا فَأرْسل الشريف ادريس لِابْنِ أَخِيه الشريف محسن وَكَانَ اذ ذَاك فى الْيمن بِأَن يأتى بِجَمِيعِ من مَعَه من الاشراف والقواد وَالْعرب فَحَضَرَ وَمَعَهُ أَمِير حلى مُحَمَّد بن بَرَكَات الحرامى ونودى فى مَكَّة بِأَن الْبِلَاد لله وللسلطان وللشريف ادريس والشريف محسن وخلع الشريف فهيد من الذّكر وَمنع من الرّبع وَلم يخْطب لَهُ وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِمَكَّة فى بَيته وجموعه وافرة فاستعد أَصْحَابه لِلْقِتَالِ وَأَشَارَ اليه أعيانهم بِالْحَرْبِ فَامْتنعَ من ذَلِك وَطلب من الشريف ادريس مِقْدَار شهر مهله ليتأهب لِلْخُرُوجِ من مَكَّة وَيتَوَجَّهُ الى حَيْثُ أَرَادَ فَخرج من مَكَّة فى سنة تسع عشرَة وَألف وَطلب من أَخِيه الشريف ادريس أَن يُمكنهُ من سُكْنى مَكَّة بِغَيْر ربع فَامْتنعَ فانضم الى بعض أكَابِر الْحَاج المصرى وسافر الى مصر وتاريخ قدومه مصر قدومكم خير ثمَّ توجه الى الديار الرومية وَاجْتمعَ بالسلطان أَحْمد فَيُقَال انه أنعم عَلَيْهِ بأماره مَكَّة فعاجلته الْمنية وَمَات هُنَاكَ فى سنة عشْرين بعد الالف وَقيل فى تَارِيخ مَوته مَاتَ بالروم فهيد بن الْحسن

فيض الله بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن الْقَاف الرومى قاضى الْعَسْكَر أحد مشاهير فضلاء الرّوم كَانَ فَاضلا أديبا فصيح اللهجة هدار الشقشقة طنان الصيت وَله تَقْرِير وتحرير وأشعار بِالْعَرَبِيَّةِ حَسَنَة التأدية ولى فى ابْتِدَائه قَضَاء حلب وَلما دَخلهَا أنْشد لنَفسِهِ قصيدة طَوِيلَة فى مدحها ومستهلها

الْحَمد لله منجينا من الكربجِئْنَا الى حلب الشهبا بِلَا تَعب
مصر جَلِيلًا خَلِيل الله عمرهطُوبَى لساكن مصر قد بناه نبى
وَلَيْسَ قصدى سوى دفع الْمَظَالِم عَنذِي حَاجَة عَاجز يَدْعُو وَلم يجب

ثمَّ بعد مُدَّة من عَزله عَن قَضَائهَا وَجه اليه قَضَاء الشَّام وَذَلِكَ فى سنة تسع وَتِسْعين

وَتِسْعمِائَة ومدحه الْجمال يُوسُف بن العلموى بقصيدة طَوِيلَة لم أَقف عَلَيْهَا وَكَانَ طلب من عُلَمَاء دمشق أَن يقرظوا لَهُ عَلَيْهَا فَكتب عَلَيْهَا مِنْهُم جمَاعَة مِنْهُم جدى القاضى وَالشَّمْس ابْن المنقار وَالْحسن البورينى وَلما وقف القاضى الْمَذْكُور على القصيدة والتقاريظ عمل أبياتا يمتدح بهَا أهل دمشق وَيُشِير الى أَسمَاء بعض من قرظ والابيات هى هَذِه

عموا واسلموا يَا أهل جلق بالبشرصباحا وفى عَيْش رغيد مدى الدَّهْر
وَلَا نالكم ضيم وَلَا مسكم أَذَىمن القاسطين الجائرين ذوى الْجَبْر
أَضَاءَت شموس الْعلم فاضت بحورهفآضت دمشق الشَّام تعبق بالنشر
مشايخهم فى عَالم الْقُدس وجدهموأنفاسهم قدسية مجْلِس الذّكر
وكل مُرِيد الْخَيْر وَالْبر والتقىوكل محب الدّين ذُو الْفضل وَالْقدر
هم حسنوا الاخلاق قد طَابَ شملهموأقوالهم أقوى لَهُم صدقهَا يجرى
وَكم قَارِئ بَاب الْفَضَائِل قارعوَكم شَاعِر يسبى الْعُقُول من السحر
أتوى بقريض فى المديح كَأَنَّهُجَوَاهِر قدرا قد علت أنجم الزهر
فألفاظه قطر الندا مَوضِع الصداعلى انه قد فاض حَتَّى على الْبَحْر
أاشراق شمس أم سنا الْبَدْر قد بداوسمط لآل أم عُقُود من الثغر
أينثر من بَحر الْمعَانى لآلئافينظمها فى سلك جيد من الْفِكر
وَكم لاقط من درفيه جواهرافرائد تغنى النَّحْر عَن دُرَر الْبَحْر
وانى وان أبديت للْعلم بهجةوأعليته حَتَّى سما رُتْبَة الْبَدْر
وانى وان جَاهد فى الله قَائِمابنصر التقى فى الدّين خيرا من النَّضر
وانى وان أصلحت سرى مخلصالربى حَتَّى فزت بِالْحَقِّ فى السِّرّ
وَلَكِن ظُهُور الْحق صَعب واننىعلى الذَّنب وَالتَّقْصِير مُسْتَوفى الْعذر
ونيتنا اجراء شرع نَبينَاعَلَيْهِ سَلام الله فى السِّرّ والجهر
فَكُن عون فيض الله يَا سيد الورىبامداد أهل الْعَجز والضعف والفقر

وَلما عزل عَن دمشق رَحل الى الرّوم وَأقَام مُدَّة ثمَّ ولى قَضَاء الغلطة فى سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف ثمَّ لم يزل يتَوَلَّى بعد ذَلِك منصبا بعد منصب حَتَّى ولى قَضَاء العسكرين وانتقل بالوفاة وَمن مَشْهُور شعره قصيدته الَّتِي مدح بهَا السُّلْطَان مُرَاد بن السُّلْطَان سليم وَيذكر فتح عُثْمَان باشا لمدينة تبريز وَذَلِكَ فى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة

ومطلعها

لله درجيوش الرّوم اذ ظَهَرُواعلى الروافض قد صَارَت بهم عبر
كم أبدعوا بدعا سبا ومظلمةلَهُم قُلُوب يحاكى لينها الْحجر
فَالنَّاس تجأر للرحمن من يدهموَالله يسمع مِنْهُم كلما جأروا
أَتَت اليهم جيوش الرّوم يقدمهَامن بأسها المنذران الْخَوْف والحذر
وعندما اقْترب الْجَيْش العرمرم منتبريز ثمَّ بدا فى ذاتهم خور
فشجعوا أنفسا مِنْهُم قد امتلئتجبنا وَقد طاشت الاحلام والفكر
ظنُّوا بِأَن الليالى نحوهم نظرتفَأَخْطَأَ الظَّن لما أَخطَأ النّظر
وأملوا سحرًا من ليل كربهمفَلم يكن لدجى أوصابهم سحر
لما رأى بأسنا حمر الرؤس اذافروا كَمَا فر من أَسد الشرى الْحمر
قُلُوبهم خشيت أَبْصَارهم عميتشَاهَت وُجُوههم خوفًا وَقد خسروا
سطوا بهم فتراهم ذَا يَغْزُو ذَاعان أَسِير وَذَا فى الترب منعفر
وَالنَّقْع ليل بهيم لَا نُجُوم بِهِتلوح للعين الا الْبيض والسمر
فالبيض فى يدهم صَارَت صوالجةوالارؤس الْحمر فِيمَا بَينهم أكر
كَأَنَّمَا السمر مغناطيس أنفسهمفَحَيْثُ مَالَتْ ترى الارواح تنتثر
ذوت رياض أمانيهم فَلَا ثَمَريلوح فِيهَا وَلَا فى دوحها ثَمَر
وللفرار الى الاقطار قد نفرواوَمَا لَهُم معشر فِيهَا وَلَا نفر
فَأَصْبحُوا لَا ترى الا مساكنهموَقد خلت مَا بهَا عين وَلَا أثر
وتخت تبريز نَادَى وَهُوَ مبتهجهَذَا الزَّمَان الذى قد كنت أنْتَظر
فيا مليكا لَهُ كل الْمُلُوك غَدَتْتدين طَوْعًا وتأتى وهى تعتذر
سروا ملك الارض وَالدُّنْيَا فَأَنت اذااسكندر الْعَصْر قد وافى بِهِ الْخضر
فيا لَهَا نعْمَة آثَار مفخرهاكَانَت لدولته الغراء تدخر
ظلّ الا لَهُ مُرَاد الله قد شرفتبِهِ المنابر والتيجان والسرر
أجل من وطئ الغبراء من ملكبأَمْره سَائِر الاملاك تأتمر
بداله فى سَمَاء الْمجد نور هدىمن دونه النيرَان وَالشَّمْس وَالْقَمَر
بعزمه ظهر الْفَتْح الذى عجزتعَنهُ السلاطين قد أفنتهم الْعَصْر
وَأصْبح الْملك محروس الجناب وَقدوافى بِهِ المسعدان الْقدر وَالْقدر
لوفاخرته مُلُوك الارض قاطبةمَا نالهم من معانى فخره الْعشْر
هَل يستوى الشَّمْس والمصباح جنح دجىويستوى الجاريان الْبَحْر وَالنّهر
عطفا على العَبْد فيض الله ناظمهوَقَلبه من صروف الدَّهْر منكسر
لَا زَالَ ملكك دورى السُّعُود فَلَايرى لَهُ آخر فى الدَّهْر ينْتَظر
بدولة تخلق الايام جدَّتهَامَا لَاحَ جنح الدياجى الانجم الزهر

وَكَانَ أبوالمعالى الطالوى وَهُوَ بالروم أحد ندمائه وَله فى مدحه قصائد كَثِيرَة وَله مَعَه مداعبات فَمن ذَلِك مَا كتبه اليه فى لَيْلَة شَاتِيَة يطْلب مِنْهُ ولنسة وفيهَا لُزُوم مَا لَا يلْزم

(قل لفيض الله مَوْلَانَا أدام الله أنسه ...)

ان نوع الْبرد هَذَامَا رَأينَا قطّ جنسه
هجم الدَّار وفيهَاعقل الظَّالِم عنسه
وجد الْمنزل خَالقد أَجَاد العَبْد كنسه
فثوى بَين ضلوعلقِيت مَا لَيْسَ أنسه
سَمِعت بالروم مِنْهُاننى أهل بلنسه
فأغثنى يَا غياثىمن يَدَيْهِ بولنسه

وقرأت فى كتاب السانحات قَالَ كنت أغشى فى زمَان عَزله كل وَقت دَاره وحماه وَأَجْعَل سميرى فى ليل ذَلِك الْعَزْل قمر محياه وَهُوَ يعد ويمنى بِحُصُول بعض المطالب والمآرب اذا ولى منصبا من بعض المناصب فَلَمَّا ولى قَضَاء الغلطه صَارَت تِلْكَ المواعيد كَأَنَّهَا مغلطه وَأما تَوليته قَضَاء اسلامبول فقد خَابَ فِيهَا الامل وَخيَّب المأمول فَكتبت اليه وَلم أعول عَلَيْهِ

لى صَاحب فى الْعَزْل يبصر دَائِمامَا لَيْسَ فى الاجسام يدْرك بالبصر
فيكاد يحكم عِنْد رُؤْيَته علىطوق الْحَمَامَة ثمَّ ألوان أخر
ولربما نظر النُّجُوم لوامعاوَقت الضُّحَى وَرَأى السهى مثل الْقَمَر
بصر حَدِيد فى الْحَدِيد نُفُوذهكنفوذ أضواء الاشعة فى الاكر
فَكَانَ زرقاء الْيَمَامَة كحلتجفنيه من كحل لَدَيْهَا مدخر
مَا زلت أنهله مياه مودتىوأعل مِنْهُ الصفو خَال من كدر
لَا صَبر لى عَنهُ نَهَارا كَامِلاوكذاك عَنى لَيْسَ فِيهِ مصطبر
واذا جرى ذكر لَهُ فى مجْلِسجادلت عَنهُ بِالْخُصُومَةِ من حضر
أما الصداقة والعلاقة بَيْننَافحديثها بَين الانام قد اشْتهر
حَتَّى اذا ولى الْقَضَاء رَأَيْتهأعمى البصيرة فِيهِ مكفوف النّظر
لَا يهتدى سبل الرشاد بقائدكم حذروه مِنْهُ لَو نفع الحذر
لوشام بارق دِرْهَم لِجَهَنَّمأَهْوى ليأخذه دولو كَانَت سقر
فَغَدَوْت مِنْهُ مثل همزَة وَاصلأوراء وَاصل حِين لفظتها هجر
لَكِن أَقمت على التباعد عذرهوالدهر فِيهِ عِبْرَة لمن اعْتبر
وَرَأَيْت أحسن مَا يُقَال لمثلهيَوْمًا اذا جَاءَ القضا عمى الْبَصَر

انْتهى وَكَانَت وِلَادَته فى سنة خمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى سلخ جُمَادَى الاولى سنة عشْرين وَألف

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.