تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم (٨)

الصفحة ٢ من ٢

الامام مُحَمَّد بن الْحسن بن الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد على قَالَ القاضى أَحْمد بن ابى

الرِّجَال فى تَرْجَمته قَائِد الجحافل وَوَاحِد المحافل السُّلْطَان المسعود وانسان الاعلام الْمَحْمُود كَانَ سريا حولا قلبا حنكته التجازب وَعرف المصادر والموارد وصحبته السَّعَادَة فى الصغر وَالْكبر وَلم يزل حميدا فى الْحَالين واستمرت أَيَّامه على نمط وَاحِد غير مَا لابد مِنْهُ فى أَوَائِل الْعُمر من الْوُقُوف فى الْكتاب للْقِرَاءَة وَأما مذ اميطت عَنهُ التمائم فَمَا هُوَ الا مسود مقدم محفوف بالجنود والبنود تولى صعده ونواحيها وَمَا ذَر الشّعْر بعارضيه فحمدت سيرته واتصل بِهِ الْفُضَلَاء وفداليه الاخيار وَنكى الاعداء فى ذَلِك الاقليم على شراستهم وابائهم وغزا مغازى محمودة الاثر وَقَرَأَ فى اثناء هَذِه الْمدَّة أَكثر الْكتب الْمُعْتَمدَة على شُيُوخ كالقاضى أَحْمد بن يحيى بن حَابِس والفقيه صديق بن رسام السوادى وَمَا ترك من مهمات الْعُلُوم فَنًّا الا وابلغ جهده فى الطّلب وقيلت فِيهِ المدائح الغر أَيَّام اقامته بصعدة وَأَجَازَ الجوائز السنيات وَلما توفى وَالِده وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يَوْمئِذٍ آيبا من زيارته الى عَمه الامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقسم فَلَمَّا بلغ امام مَرضه نفذه الى جِهَة ضوران فَوَقفهُ فى الديار اليمنية مترددا بَين ضوران وذمار ثمَّ سكن مدينتى آب وذى جيله وَجمع جندا جرارا من وُجُوه الْعَسْكَر وكبراء الامراء من أَعْيَان دولة أَبِيه حَتَّى توفى الامام الْمُؤَيد فَدَعَا صَاحب التَّرْجَمَة الى مُحَمَّد الامام المتَوَكل على الله اسماعيل بن الْقسم وَسلم الامر طَوْعًا لَهُ على يَد أَخِيه السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن وولاه الامام ولَايَة عظمى فى أقاليم وحصون ومدن فاستمر على خَال حميدة محفوفا بعساكر يضيق عَنْهَا الرحب فى رفاهية ودعة لما لَهُ من الاسعاد وَاسْتمرّ حَاله كَذَلِك على نمو وازدياد من حُدُود سنة أَربع وَخمسين الى سنة تسع وَسبعين وَكَانَ يَجْعَل شطر الاقامة بذمار واليمن الاسفل وشطرها بِصَنْعَاء كَمَا كَانَ يفعل طَاوس الْفَقِيه من الاقامة أَيَّام الشتَاء بالحبذ وَأَيَّام الرّبيع وَمَا وَرَاءَهَا بصنعا وَقَرَأَ فى هَذِه الْمدَّة الْمُتَأَخِّرَة تذكرة الْعَلامَة النحوى على عَلامَة الْيمن مُحَمَّد بن صَلَاح السلامى وكملها على أَحْمد بن سعيد الهبل وَقَرَأَ الْفُصُول اللؤلؤية على ابراهيم السحولى وَمن مؤلفاته سَبِيل الرشاد الى معرفَة رب الْعباد مُخْتَصر مُفِيد فى علم الْكَلَام وَشرح مرقاة الْوُصُول الى علم الاصول لجده الامام الْقَاسِم سَمَّاهُ بالتسهيل وَجَوَاب مَبْسُوط فى حَدِيث سَتَفْتَرِقُ أمتى سَأَلَهُ عَنهُ الْعَلامَة أَحْمد بن مطير الشافعى وفى سنة تسع وَسبعين طلع من الْيمن الى صنعاء وصادف قدوم عَمه الامام اسمعيل من شهارة مُتَوَجها الى ضوران

فامتلأت الساحات بالخلائق وامتلأت الْقُلُوب بالمسرة فَمَا كَانَ أسْرع من ان أَصَابَهُ ألم أَحْسبهُ ذَات الْجنب وَاخْتَارَ الله لَهُ جواره بداره بدرب السلاطين من أَعمال الرَّوْضَة فى الثُّلُث الاول من لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشر شهر ربيع الاول سنة تسع وَسبعين وَألف فَاجْتمع السادات بداره والامام هُنَالك وَدفن بِقرب دَاره وَكَانَ الْخطب جسيما لَوْلَا حُضُور الامام فانه جبر الخواطر واشتغل بصلاح شَأْن أَوْلَاده وَعرض عَلَيْهِم الْولَايَة وحاول أَن أَخَاهُ السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن يلم الشعث ويحفظ الْبِلَاد والجند فعف عَن الْبِلَاد قبل أَن يعرف الامام قدرهَا فَتَأَخر عَن الْجَمِيع وبقى أَوْلَاد مُحَمَّد بن الْحسن وهما يحيى واسمعيل بعد أَن بعد صيتهما وذكرا فى النَّاس ذكر آبائهما وَقد كَانَا توليا ولايات من والدهمافلذلك كَانَ مقامهما قد كبر فَاخْتَارَ الله ليحيى جواره وَكَانَ قد ناهز الاشد وَمهر فى علم الطِّبّ خُصُوصا وَلما مَاتَ بقى فى يَد أَخِيه اسمعيل جِهَة العدين من مخلاف جَعْفَر فَتوجه اليها عَن امْر الامام فَلم يصل اليها الا وَقد ألم بِهِ الالم وَتوفى فى مذيخرة فَكَانَ ذَلِك أنكى للقلوب وأبكى للعيون فسبحان من لَهُ الْبَقَاء والدوام وَلما كَانَ ذَلِك كَذَلِك أوت العساكر الى أَخِيه احْمَد بن الْحسن وَأَعْطَاهُ الامام الى بِلَاده بلادا فاستوثق الامر وانتظم ونظمت فى صَاحب التَّرْجَمَة المراثى البليغة ووصلت التعازى الى الامام من مَكَّة وَمِمَّنْ رثاه وَلَده اسمعيل وَذكر فى مرثيته الْحَال وَذكر صنوه يحيى وَمَا أجد أوقع فى النُّفُوس مِنْهَا لانها عين الْحَقِيقَة وَلَا كلفة فِيهَا وَعَلَيْهَا مسحة الْحزن وَرب شَاعِر يشْعر ويجيد وَلَا نجد تِلْكَ المسحة على غَيرهَا من مرثية أَو موعظة أَو غزل وَأما هَذِه فَانْظُر بقلبك وهى

هَل أقَال الْمَوْت ذَا حذرهسَاعَة عِنْد انتها عمره
أَو ترَاخى عَن كحيل رنافاق كل الغيد فى حوره
أَو رثى يَوْمًا لمرضعةطفلها مَا دب فى حجره
أَو ترَاهُ هائبا ملكاصائلا قد عز فى نفره
أَو تناسى من لَهُ نظرتصدر الاشياء عَن نظره
أَو تحامى روح سيدنَامصطفى الرَّحْمَن فى بشره
وأبى السبطين حيدرةوكبار الْآل من عتره
بل دهى من كَانَ منتظراقربه أَو غير منتظره
وسقاه كأس سطوتهمدهقا من كف مقتدره
مَا ترى عَن الانام ثوىحُفْرَة اذ آب من سَفَره
لم يقم فى قصره زَمناغير وَقت زَاد فى قصره
بعد مَا قد كَانَ عزتهترشد السارى الى وطره
وندى كفيه منهمرامذهلا للروض عَن مطره
كَانَ طودا لَا يحركهأى خطب جلّ فى خطره

(كَانَ بحرا طالما الْتقط الطَّالِب الْمُحْتَاج من درره ...)

شادركن الدّين ملتمسالرضى الرَّحْمَن من صغره
وحوى الدُّنْيَا وديدنهطلب الاخرى الى كبره
فسقى الرَّحْمَن تربتهصيبا ينهل فى سحره
وعماد الدّين أزعجهبعده يَغْدُو على أَثَره
لم ينل فى الْعُمر بغيتهلَا وَلَا أفْضى الى وطره
لم يذقْ فى دهره أبداصفو عَيْش صين عَن كدره
مَا أرَاهُ الدَّهْر مطلبهليته أخلاه من غَيره
رحم الرَّحْمَن مصرعهووقاه الْحر من سقره
كَيفَ أنسى شمس مفخرناوَأرى السلوان عَن قمره
فهما قد أضرّ مَا لهبافى فؤادى طَار من شرره
وأسالا مدمعا بخلتأدمعى دهرا بمهمره
لَا أفى يَوْمًا بحقهمالَو أسلت الرّوح عَن قطره
غير أَن الصَّبْر شِيمَة منصوب الرَّحْمَن فى قدره
لينال الاجر مِنْهُ اذاذاق طعم الصاب من صبره
نسْأَل الرَّحْمَن خَاتِمَةبِرِضا الرَّحْمَن فى صَدره

ورثاه الشَّيْخ البليغ صارم الدّين ابراهيم الهندى المهتدى بقصيدة فجيمة مِنْهَا

قضى الفخار فَلَا عين وَلَا أثرواحلو لَك الْخطب لَا شمس وَلَا قمر
أمهبط الوحى مَا هَذَا الذى صنعتيَد الْقَضَاء وماذا أحدث الْقدر
وَمَا الذى مادت الدُّنْيَا لصدمتهتفجعا وتوارى النَّجْم وَالشَّجر
وَمَا الذى مِنْهُ ماج الْكَوْن واضطربتلَهُ الْجبَال وريع الرَّاد وَالسحر
وَمَا الذى جزر الْبَحْر الكهام لَهُواستشعر الْحَشْر مِنْهُ البدو والحضر
ياناعى الْجُود وَالْمجد الاثيل صهمَاذَا زعمت لفيك للترب وَالْحجر
أفق فان جنَاح الْجَيْش منخفضمِمَّا ذكرت وقلب الْملك منكسر
مهلا رويدك فِيمَا قد صدعت بِهِدهياء يذهب مِنْهَا السّمع وَالْبَصَر
مَاتَ الامام أيو يحيى وحسبك منرزية تتحامى حرهَا سقر
مَاتَ الذى كَانَ للوراد منتجعاوللعفاة اذا مَا أخلف الْمَطَر
مَاتَ المليك الذى كَانَت مواردهللورادين عذَابا مابها كدر
هدت مبانى المعالى يَوْم مصرعهومربع الْمجد والعلياء مندمر
وأقلعت يَا لعمرى من أناملهسحب شآبيبها الابريز والبدر
وغاض بَحر عُلُوم مِنْهُ كم حفظتمسَائِل هن فى جيد العلى دُرَر
وَكَانَ فى صَدره حلم يحقر مَايجى المسئ وَلَكِن لات يقْتَصر
من للرعيل وللبخيل الْعتاق وَمنيزهو لَدَيْهِ بهَا التحجيل وَالْغرر

وَمِنْهَا

(لم أنس نعشا لَهُ أمست تشيعه الافلاك والشهب والاملاك والبشر ...)

وَمن دُعَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُوَسِيلَة وهى الزلفاء وَالظفر
طود تحمله ظهر السرير وَمَاتحملت جبلا من قبله السرر

مِنْهَا

يَا أَيهَا الْملك الْمولى الْخَلِيفَة يَامن بقاه لنا المأمول والوطر
تعز فى عز دين الله سَيْفك منكَانَت بِهِ تزهر الآصال وَالْبكْر
وآس فِيهِ أَخَاهُ الاحمدى وَقليَا أَحْمد الْقَوْم أَنْت الصارم الذّكر
وَشد أزر عماد الدّين خير فَتىلَهُ مخائل فضل كلهَا غر
وآس أَيْضا ضِيَاء المكرمات تَجِدمهذبا طَابَ من الْخَبَر وَالْخَبَر

مُحَمَّد بن حسن بن على بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِالْحرِّ العاملى الشامى الاديب الْمَشْهُور ذكره ابْن مَعْصُوم فى السلافة فَقَالَ فى حَقه لَهُ شعر يستلب نهى الْعُقُول بسحره وَيحل من الْبَيَان بَين صَدره ونحره فَهُوَ أرق من خصر هيفاء مجدولة وادق وأصفى من صهباء يشعشعها اغن ذُو مقلة مكحولة الحدق قدم مَكَّة فى سنة سبع أَو ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وفى الثَّانِيَة مِنْهُمَا قتلت الاتراك بِمَكَّة جمَاعَة من الْعَجم لما اتهموهم بتلويث الْبَيْت الشريف حِين وجد ملوثا بالعذرة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد أَنْذرهُمْ قبل الْوَاقِعَة بيومين وَأمرهمْ بِلُزُوم بُيُوتهم لمعرفته على مَا زَعَمُوا بالرمل فَلَمَّا حصلت المقتلة فيهم خَافَ على نَفسه فالتجأ الى السَّيِّد مُوسَى بن سُلَيْمَان أحد أَشْرَاف مَكَّة

الحسنيين وَسَأَلَهُ أَن يُخرجهُ من مَكَّة الى نواحى الْيمن فَأخْرجهُ مَعَ أحد رِجَاله اليها قلت وَهَذِه الْقِصَّة الَّتِي قد ذكرهَا أفضح فضيحة وَمَا أَظن أَن أحدا مِمَّن فِيهِ شمة من الاسلام بل فِيهِ شمة من الْعقل يجترى على مثلهَا وحاصلها أَن بعض سدنة الْبَيْت شرفه الله تَعَالَى اطلع على التلويث فأشاع الْخَبَر وَكثر اللَّغط بِسَبَب ذَلِك وَاجْتمعَ خَاصَّة أهل مَكَّة وشريفها الشريف بَرَكَات وقاضيها مُحَمَّد ميرزا وتفاوضوا فى هَذَا الامر فانقدح فى خواطرهم ان يكون هَذَا التجرى من الرفضة وجزموا بِهِ وأشاروا فِيمَا بَينهم أَن يقتل كل من وجد مِمَّن اشْتهر عَنهُ الرَّفْض ووسم بِهِ فجَاء الاتراك وَبَعض أهل مَكَّة الى الْحرم فصادفوا خَمْسَة أَنْفَار من الْقَوْم وَفِيهِمْ السَّيِّد مُحَمَّد مُؤمن وَكَانَ كَمَا أخْبرت بِهِ رجلا مسنا متعبدا متزهدا الا أَنه مَعْرُوف بالتشيع فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا الاربع الاخر وَفَشَا الْخَبَر فاختفى الْقَوْم المعروفون بأجمعهم وَوَقع التفتيش على بعض المتعينين مِنْهُم وَمِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة فالتجأوا الى الاشراف ونجوا وَرَأَيْت بِخَط بعض الْفُضَلَاء أَن صَاحب التَّرْجَمَة رَجَعَ بعد الْقِصَّة الى الْعَجم وَأنْشد لَهُ من شعره قَوْله

فضل الْفَتى بالجود والاحسانوالجود خير الْوَصْف للانسان
أَو لَيْسَ ابراهيم لما أَصبَحتأَمْوَاله وَقفا على الضيفان
حَتَّى اذا أفنى اللهى أَخذ ابْنهفسخا بِهِ للذبح والقربان
ثمَّ ابْتغى النمرود احراقا لَهُفسخا بمهجته على النيرَان
بِالْمَالِ جاد وبابنه وبنفسهوبقلبه للْوَاحِد الديَّان
أضحى خَلِيل الله ﷻناهيك فضلا خلة الرَّحْمَن
صَحَّ الحَدِيث بِهِ فيالك رُتْبَةتعلو بأخمصها على التيجان

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.