من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
رسالة السياسة
الصفحة ٢ من ٢
هذا ما حضرني من المنثور والمنظوم، وحظّه عندي في الإفادة حظّ ضعيف، وغرضه، كما شاء الله تعالى، سخيف، لكن الله سبحانه بعباده لطيف، [سبحانه لا إله إلّا هو].
مولدي: في الخامس والعشرين لرجب عام ثلاثة عشر وسبعمائة، وكم بالحيّ ممّن ذكرته ألحق بالميت، وبالقبر قد استبدل من البيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قلت: هنا انتهى هذا التأليف المسمّى ب «الإحاطة في تاريخ غرناطة» بالاختصار، وتحصل منه ما أردناه من هذا المقدار، ووهبناه للناظر فيه هبة ليست بهبة اعتصار، بل هي لتحصيله ذات انتصار. ولمّا لم يمكنه أن يعرّف بمحنته ووفاته، رأيت أنا بعده أن أعرّف بذلك في مختصري هذا على مهيعه، وعادته، فأقول:
محنته ووفاته: رأيت تعليقا بخط بعض العدول المعاصرين، الأذكياء المحاضرين، الأدباء المجيدين، الطرفاء المقيدين، وهو صاحبنا أبو عبد الله ... الوادي آشي، حفظه الله، طرفة زمان، وحفظة أوان، وهو ما نصّه
من تاريخ ابن خلدون، قال:
ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد، دار ملكه، فاتح ست وسبعين، استقلّ بسلطانه، والوزير محمد بن عثمان مستبدّ عليه، وسليمان بن داود من أعراب بني عسكر رديف له. وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر، عندما بويع بطنجة، على نكبة ابن الخطيب وإسلامه إليه، لما نمي عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز بملك الأندلس. فلمّا زحف السلطان أبو العباس من طنجة، ولقي الوزير أبا بكر بن غازي بساحة البلد الجديد، فهزمه السلطان، ولاذ منه بالحصار، أوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفا على نفسه، فلمّا استولى السلطان على البلد أقام أياما، ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض عليه، فقبضوا عليه، وأودعوه السجن، وطيّروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر. وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب، لما كان سليمان قد بايعه السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس، متى أعاده الله إلى ملكه. فلمّا استقرّ له سلطانه، أجاز إليه سليمان سفيرا عن عمر بن عبد الله، ومقتضيا عهده من السلطان، فصدّه ابن الخطيب عن ذلك، بأن تلك الرياسة إنما
هي لأعياص الملك من آل عبد الحق؛ لأنهم يعسوب زناتة، فرجع آيسا، وحقد ذلك لابن الخطيب. ثم جاور الأندلس بمحل إمارته من جبل الفتح، فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتبات ينفس كل واحد منهما لصاحبه، بما يحفظه لما كمن في صدورهما. وحين بلغ الخبر بالقبض على ابن الخطيب إلى السلطان [ابن الأحمر]، بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب، وهو أبو عبد الله بن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس، وأحضر ابن الخطيب بالمشور في مجلس الخاصة وأهل الشورى، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه، فعظم عليه النكير فيها، فوبّخ ونكّل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملإ. ثم تلّ إلى محبسه، واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجّلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه. ودسّ سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجن ليلا، ومعهم زعانفة جاءوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر، وقتلوه خنقا في محبسه، وأخرجوا شلوه من الغد، فدفن في مقبرة باب المحروق. ثم أصبح من الغد على شأفة قبره طريحا، وقد جمعت له أعواد، وأضرمت عليه نارا، فاحترق شعره، واسودّ بشره، فأعيد إلى حفرته. وكان في ذلك انتهاء محنته. وعجب الناس من هذه
السفاهة التي جاء بها سليمان، واعتدّوها من هناته، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته. والله فعال لما يريد. وكان، عفا الله عنه، أيام امتحانه بالسجن، يتوقّع مصيبة الموت، فيتجيش هواتفه بالشعر يبكي نفسه. وممّا قال في ذلك:
بعدنا وإن جاورتنا البيوتوجئنا بوعظ ونحن صموت
وأنفاسنا سكنت دفعةكجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنّا عظاما فصرنا عظاماوكنّا نقوت فها نحن قوت
وكنّا شموس سماء العلاغربن فناحت علينا البيوت
فكم جدّلت ذا الحسام الظّباوذو البخت كم جدّلته البخوت
وكم سيق للقبر في خرقةفتى ملئت من كساه التّخوت
فقل للعدا: ذهب ابن الخطيبوفات ومن ذا الذي لا يفوت
فمن كان يفرح منهم لهفقل: يفرح اليوم من لا يموت
انتهى من السفر الأخير منه، حيث عرّف بنفسه وبشيوخه، رحمة الله على الجميع.
قلت: وهنا انتهى ما قصدناه، وتمّ بحول الله ما أردناه واستوفيناه واستلحمناه، وذلك بغرناطة أقالها الله وصانها، وعمر بالعلماء الأعلام، وصالحي الإسلام، عمرانها، وبتاريخ أوائل شهر ربيع الآخر من عام خمسة وتسعين وثمانمائة، والحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
الحمد لله، من كتاب «نفاضة الجراب» لابن الخطيب المذكور، ﵀، الذي ألّفه بالعدوة بعد صرفه عن الأندلس، واستقراره بالعدوة بآخرة من عمره، وقرب وفاته، ولذلك سمّاه «نفاضة الجراب»، قال في أثنائه ما نصّه:
وإلى هذا العهد صدر عني من النظم والنثر بحال القلعة، ومكان الغمرة، رسائل إخوانية، ومقطوعات أدبية، نثبتها إحماضا وإراحة؛ لتعيد مطالع هذا جماما، أو تهدي إليه أنسا، والحمد لله على البأساء والنّعماء:
جزتني غرناطة بعد ماجلوت محاسنها بالجلا
ولم تبق جاها ولا حرمةولم تبق مالا ولا منزلا
كأني انفردت بقتل الحسينوجرّدت سيفي في كربلا
ولم أجن ذنبا سوى أننيصدعت بأمداحها في الملا
وأني صنعت فيها الغريبفصرت الغريب أجوب الفلا
يمينا لقد أنكرت ما جرىنفوس الورى وأبته العلا
وما خصّني زمني بالعقوقفكم خصّ من فاضل مبتلى
أإن ظهرت نعمة الإلهعليّ فألبست منها حلا
أإن قرّبتني الملوك الكراميقلّد آخرها الأوّلا
وإن مكّنتني من أمرهافشمت السيوف وصنت الطّلا
وقابلت بالشكر منها الصنيعوحاشى لمثلي أن يغفلا
فأقسم بالله لولا أنوفالجرّدت من مقولي منصلا
يقدّ الدروع ويخلي الدموعويلقي على من عدا الله ركلا
فيترك في الناس أمثالهتجدّ على رغم أنف البلا
ولا خلق أجهل ممن يظنّبمقدار مثلي أن يجهلا
وما ركبت الدّجى إذ سمايقلّد للنّجم نصرا كلا
وكان لساني سيفا صقيلاوكانت يراعي قنا ذبّلا
ولكن ليأت بصبر جميلقضاء الذي لم يزل مجملا
وحاسبت نفسي فيما أمرّفألفيته البعض فيما خلا
وأسكنت ناري لما دعاوأسكنت يأسي لما غلا
سلام عليها وإن أخفرتذمامي ووجّزت بالقلا
وألبستها الأمن سترا حصيفاوإن هتكت ستري المسبلا
ومثلي يبقى على عهدهإذا أعرض الخلّ أو أقبلا
وقلت:
من حاكم بي على الفراقحكم زياد على العراق
يبدي وقد ختمت يداهبالجور في أنفس رقاق
وعاجل النّظم بانتثاروصيّر الشّمل لافتراق
فمن أكفّ على خدودومن دموع على تراق
وأيّ حال إلى دواموما سوى الله غير باق
يا سائق الرّكب، إنّ نفسيمن لوعة البين في سياق
رفقا على مهجتي فإنّيقد بلغت روحي التّراقي
ويا رسول النّسيم، بلّغبحيرة الحيّ ما ألاقي
وسق إلى سمعهم حديثامن أرضهم طيّب المساق
جرّعني البين كأس حزنبعدهم مرّة المذاق
فلا أنيسا سوى ادّكاريولا جليسا إلى اشتياق
ففي غدوّي بها اصطباحيوفي رواحي بها اغتباقي
يا شقّة القلب، ليت شعريهل صحّ شملك في اتّساق؟
أو يقلع الدهر من عتابأو يطلق الشوق من وثاق؟
طال عليّ الظلام لمّاضنّ محيّاك بالتّلاقي
فيكذب الليل في ارتحالويمطل الفجر بانشقاق
ضايقني الدّهر فيك حتىفي موقف البين والفراق
فلم يكن فيه من سلامولا كلام ولا اعتناق
قد عجز النطق عن شجونيقد بلغ الماء للنّطاق
أقسمت حقّا بخير هادسرى إلى الله بالبراق
لو خيّرت في الوجود نفسيما اخترت منها سوى التّلاقي
إن بطش الدهر بي وأبدىسجيّة الغدر والنّفاق
فكم هلال رأيت بدراأفلت من ظلمة المحاق
يا من على فضله اعتمادييا من بأسبابه اعتلاقي
إن لم تجد منك لي برحمىما لي في الخلق من خلاق
تمّ بحمد الله
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع