من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى كلام ابن الآبار (٢)
ما نبأ تهاداه النجد الغور واقتسم الحياة والموت به العدل والجور سوغ المجد المنيف نطافه وهز له الدين الحنيف أعطافه حين قر الحكم الشرعي في نصابه وشفي من آلامه وأوصابه وأرغم المناصب لذلك بنصبه
وانتصابه وسر معلم العلم فأساريره متهلله وسل حسام الحق فأبطال الباطل متسللة سنان الشرع فكل معتد بالجهالة معتدل وهب نسيم المهابة فكل معتز للسفاهة معتزل أما وخطة خطبت منك أكفى أكفائها وأقرت عين الهدى بتعيينها لك وهدائها لقد عصبت بقاض يسعى للقوم ويسعد ونيطت بماض ينهض في ذات الله وينهد ولا عجب أنْ آثرت جلاله واعتمدت خلاله فلم تك تصلح إلاّ له فهنيئا لها ما ألبست من شرف خالد وأنْ حرست بأقلام ابن سيف الله الخالد ويقال لبلدة وطئ تربتها وبوئ رتبتها ما أخصب عيشتها وأرغدها وأسعد يومها وغدها وماذا بها من دين ودنيا ومجد وعليا إذ جمعت المهاجرين إلى الأنصار وأطلعت محامدها ومحاسنها ملء الأسماع والأبصار لا زالت حوزتها تحوز الأكابر وإمرتها تعز عزتها المكابر ودام عمادنا المفضل وعهادنا المخضل بين ولي شاكر حامد وعدو كاشر حاقد ينزل الرتب المنيفة ويطول به مالك أبا حنيفة والله ينهضه بما تقلد ويخلد مجده الأولى بأن يخلد.
والسلام الأتم الأكمل يخصه كثيرا ورحمة الله تعالى وبركاته.
وكتب رحمه الله تعالى إلى رئيس شاطبة أبي الحسين بن عيسى شافعا في فكان أسير وتيسير عسير:
كتبته إلى سيدي حرس الله شرفه العبادي وكلأ كنفه السيادي ولا مزيد على ما عندي من الإعظام لرفيع جانبه والقيام بكبير واجبه والله يحفظ شرف بيته العتيق وحديث قديمه الفائت بطيبه المسك الفتيت الفتيق ومؤديه فلان أدام الله حفظه وعصمته وأتم عليه إحسانه ونعمته والمذكور
يمت إليكم بقديم الإخلاص، ويرغب أنْ ينظم لديكم في أهل الإخلاص؛ وقد بلغكم ما نابه من غير الدهر وبوبه، وكيف نشب في حبالة الأشرار الذي أتى على نشبه؛ وعلمكم بنباهة بيته أغنى عن التنبيه عليه، وفضلكم كفيل بتسيب الإحسان إليه؛ وقد وثق بسعيكم الكريم في جبر كسره، وأمل سيادتكم للتهممبأمره، والتصرف فيما يصرف عليه بعض ما بذل في خلاصه من أسره؛ ومثلكم اصطنع أمثاله، وآثر فيما يليق بنباهته استعماله؛ والله يعلي شأنكم، ويحرس مكانكم والسلام.
وكتب أيضاً شافعا بما نصه: تلك السجايا العذاب، والكرم اللباب، والساحة التي ألبسها جدته الشباب؛ مخصوصة بتحية التوقير والتكبير المعبرة أنفاسها العبقة عن العبير. ومنهيها من زان قومه الأمر والنهي وحسم قضاؤهم وعطاؤهم الوهن والوهي؛ فلان، جمع الله له بين الأوطار والأوطان، وأعاده إلى عادته من عزة الجوانب وشدة الأركان؛ وهو كريمة كرام، آلت بعدهم الأيام، وشكا فقدهم الأنام، والبست الحداد عليهن الأسياف الحداد والأقلام؛ وما بانوا إلاّ وأياديهم أطواق في الرقاب، وتشريفهم باق في الأعقاب، على مر الأحقاب.
وهذا فلان عرفه الله إسعاد الأقدار، وأعفى مشاربه ومشاعره من الأكدار؛ يروق وقاره ويكرم سباره وعينه فراره؛ وأدنى حلاه الطلب، وبعض خصائصه الأدب؛ ثم شأنه الأخطر شانه ومكانه من حيه الذي يتقدم الأحياء مكانه؛ ورأى عند أخذه في النقلة، وعزمه على الرحلة؛ أنْ يستصحب إلى
مجدكم هذه الحروف، ويستدفع بمعلوم جدكم الصروف؛ وإنْ تأملتم ماله من سمت وسيما، أقبلتموه وجه الإقبال وسيما؛ وأوليتموه من رعي الحق الواجب، ما يراه ضرباؤكم ضربة لازب؛ والله يبقيكم للمكارم تشيدون رسومها الدائرة، وتنظمون عقودها المتناثرة؛ وهو تعالي يكلأ محلكم الرحيب، ولا يعدمكم من الزمان وأهله الترجيب والترحيب، والسلام.
ومن نظمه رح قوله في المجبنات:
بنفسي مثلجات للصدورلها سمتان من نار ونورِ
حوامل وهي أبكار عذارىتزف على الأكف مع البكورِ
كبرد الطل حين تذلق طعماًوفي أحشائها وهج الحرورِ
لها حالان بين قم وكفٍإذا وافتك رائعة السفورِ
فتغرب كالأهلة في لهاةوتطلع في يمين كالبدورِ
وقوله يشكو الزمان:
تحيف حالتي حيف الزمانوصدق اليأس من كذب الأماني
وبرت في أليتها اللياليبترويعي فإني بالأمانِ
أما قنعت وقد كلفت بهضميوضيمي دون ابناء البيانِ
أحاول أنْ أقوم لمّا يواتيفتقعدني الخطوب بلا تواني
وأطباق الثرى بالحر أحرىإذا ألفى الثراء من الهوانِ
فهل من آخذ بيدي أخيذٍبعين الله شدة ما يعاني
أيا يا أشتكيه من أياميعوار في يد البلوى عواني
وما أبلغي على تلفي دليلاكفاني إنني حي كفاني
وقوله أيضاً:
يعيرني قومي بجفوة سلطانيويشفيهم شكوى بنبوة أوطاني
يرون خمولا عطلتي لتوقفيوتلك محض النباهة برهاني
وقالوا خفوف قلت لا بل رجاحةكفتني إلقاء بكفي لإذعان
إذا عهدوني للنزاهة راكبافصعب الأسى وإنَّ هدأركاني
وقوله أيضاً ﵀:
علت سني وقدري في انخفاضوحكم الرب في المربوب ماض
إلى كم اسخط الأقدار حتىكأني لم أكن يوما براضي
وقال أيضاً في معنى التسليم للمقدور:
أما إنَّه قد خط في اللوح ما خطافلا تعتقد للدهر جوراً ولا قسطا
ولا تسخط المقدور وأرض بما جرىعليك به إنَّ الرضا يفضل السخطا
وقال أيضاً ﵀ في معناه:
إلام في حل وفي ربطتخبط جهلا أيما خبط!
دع الورى وارج إله الورىفأنه ذو القبض والبسط
ليس لمّا يعطيه من مانعولا لمّا بمنع من معطي
وقال ﵀ معارضا للرصافي في أبياته التي أولها: " ومهذب الشطين تحسب أنَّه " بقوله:
ونهر كما ذابت سبائك فضةحكى بمحانيه انعطاف الأراقم
إذا الشفق استولى عليه احمرارهتبدى خضيبا مثل دامي الصوارم
وتحسبه سنت عليه مفاضةلإرهاب هبت الرياح النواسم
وتطلعه في دكنة بعد زرقهظلال لأدواح عليه نواعم
كما انفجرت المطل على الدجىومن دونه في الأفق سحم الغمائم
وقال أيضاً في معناه:
سقيا لروض ردته رأد الضحاوحمامه طربا يناغي البلبلا
شتى محاسنه فمن زهر علىنهر يسيل كالحباب تسلسلا
وكأنما حمى الربيع لقطفهواستل منه يذود عنه منصلا
غربت به شمس الظهيرة لا تنيإحراق صفحته لهيبا مشعلا
حتى كساه الدوح من أفيائهبردا تمزق بالأصائل هلهلا
وكأنما لمع الظلال بمتنهقطع الدماء جمدن حين تخللا
وقال في معناه أيضاً:
لله نهر كالحبابترقيشه سامي الحباب
يصف السماء صفاؤهفحصاه بذي احتجاب
وكأنما هو رقةمن خالص الورق المذاب
غازلت في شطيه أبكار المنى عصر الشباب
والظل يبدو فوقهكالخال في خد الكعاب
لا بل أدار عليه خوف الشمس منه كالنقاب
مثل المجرة جر فيهاذيله جر السحاب
وقال في تمثال نعل النبي ﷺ من قصيدة:
سجام لعمري أدمع وسجاللأن عز من نعل الرسول مثال
وهل يملك العينين في مثلها سوىخلى عداه عن هداه ضلال
ومنها:
مثال إلى نعل المطهر يعتزىفإعزازه للحسنين منال
أقبله شوقا تملكي لمّاحكي وشهيدي لو يفوه قبال
وإلى اشتراك مما عقدت به الهوة فلا صح عزمي إنَّ صحا لي بال
مرادي من تمويغ شيبي عليه أنَّتسح من الرحمى على سجال
ومن وضعه بحظى من جوار محمّدوهل بعد تنويل الجوار نوال
وله في ذلك المعنى أيضاً ﵀:
لمثال نعل المصطفى أصفي الهوىوأرى السلو خطيئة لن تغفرا
وإذا أصافحه وأمسح لائماأركانه فمعززا وموقرا
سرى أعتزازي في جهاز تذلليلجلاله أثراً بقلبي أثرا
إنَّ شاقني ذاك المثال فطالماشاق المحب الطيف يطرق في الكرى
لي أسوة في العاشقين وقصدهملثم الطلول لأهلهن تذكرا
وبكائهم تلك المعاهد ضلةتحت الظلام على الغرام توفرا
أفلا أمرغ فيه شيبي راشداوأريق دمعي وسطه مستبصرا
ثقة بإثرائي من الخيرات فيشغفي بنعلي خير من وطي الثرى
وقال في التشوق إلى الضريح الشريف على الدفين به صلوات الله وسلامه:
وحللت أطيب طينة من طيبةجارا لمن أوصي بحفظ الجار
حيث استبان الحق للأبصارلمّا استثار حفائظ الأنصار
يا زائرين القبر قبر محمّدبشرى لكم بالسبق في الزوار
أوضعتم لنجاتكم فوضعتمما آدكم من فادح من فادح الأوزار
فوزوا بسبقكم وفوهوا بالذي حملتكم شوقا إلى المختار
أودا السلام سلمتم وبردهأرجو الإجارة من ورود النار
استطراد لمّا قيل في نعل النبي ﷺ: قلت: وإذ جرى ذكر النعل النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فلا بد أنَّ نورد جملة مما قيل في مثالها على جهة التبرك، والتوصل بصاحبها إلى الله سبحانه، أنَّ يفرج عنا بجاهه كرب الدنيا والآخرة، وأنَّ يجعلنا من الذين حازوا الرتب الفاخرة، وظفروا بالمقام الأسني، وفازوا بالزيادة والحسنى.
فمن ذلك قول الشيخ أبي عبد الله محمّد بن فرج، مخمسا لأبيات الإمام الشهير أبي الربيع بن سالم الكلاعي، ﵀، التي على رويها وقافيتها سلك ابن الآبار، ﵀، في الأبيات المذكورة آنفاً:
خبال عرا ما إنَّ جناه سوى النوى
نوى من نوى من كشف بلوى ما نوى
فيا منكر ما قد عراني في الهوى
خواطر ذي البلوى عوامر بالجوىففي كل يوم يعتريه خبال
سمعت اسمه الأعلى الشريف المشرفا
فحيلتنني يعقوب ذكر يوسفا
ومن شيم الصب المتيم ذي الوفا
متى يدع داعٍ باسم محبوبه هفافيهتاج بلبال ويكسف بال
رعى الله صبا بالهوى نفسه سمت
له آية في الحب بالكتم أحكمت
فما لم ير من آثاره أثراً همتله من غروب المقتلين سحال
فيا نفسي الجالي دجاها هلالها
أما أنَّه نور البدور كمالها
ألا فاعذري نفسا تحن فحالها
كحاكي وقد أبصرت نعلا مثالهالنعل الرسول الهاشمي مثال
ويا أيها الراني إلى مفندا
وقد كدت لولا نهى حبي لأسجدا
هوى وجدي إنْ يبل دهر تجددا
" عراني ما يعرو المحب إذا بدالعينيه من مغنى الأحبة آل "
ذكرت به عصراً مضى ومعاهدا
فنوديت من نفس نداءً مساعدا
وحدت فعاود لثمه تدع واجدا
" فقبلت في ذاك المثال معاوداأرى أنَّ ذلي في هواه جلال "
وشبهته صفحا ونفحا حديقةً
مفتحة الأزهار غنا أنيقة
شقتها غوادٍ قد غدون غديقة
" ومثلته نعل الرسول حقيقةوإني لأدري أنَّ ذاك محال "
فيا جاهلا داء المحبين والدوا
غويت ولا تدري فلا كان من غوى
أتنكر لثم المثل في حالة النوى
" ومن سنة العشاق أنْ يبعث الهوىمثال ويقتاد الغرام خيال "
تساوت معاني الحب في كل مقصد
فمن مقلة عبرى وجفن مسهد
وبرح وتهيام وشوق مجدد
" فلا فرق إلاّ أنَّ حب محمّدهدى والهوى فبمن عداه ضلال "
انتهى.
ولمحمد بن فرج المذكور عفا الله عنه، وتقبل بكرمه ورحمته منه؛ قطع على حروف المعجم، في لزوم؛ وسماها بالقطع المخمسة، في مدح النعال المقدسة.
قال ﵀ حسبما نقلت من خطه: وآثرت التخميس على التعشير، ليكون أسرع لحفظها، وأبرع للفظها؛ وأيضاً فوجود خمس من القوافي في نظم لزومي أو نثر، أهون على الفكر من وجود عشر. هذا وإنْ كان اللسان العربي فصيحاً فسيحاً لا يضيق، ولا يكاد يخرج عنه لسان كل فريق؛ ليس من شرط المطالعة، أنْ يحفظ الغريب من الكلام كل من طالعه؛ والله سبحانه أسأل أنْ يجعلها من القربات التي تنفع، والوسائل التي تشفع، والتمائم التي تذود كل سوء في الدارين وتدفع، وصلى الله على الشفيع المشفع؛ وسلم تسليماً، من آفة الانفصال سليما.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع