من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو الحسن علي بن محمد التهامي
هو وإن توّج هامة تهامة بالانتساب إليها، وطرّز كمّ الصناعة بالاشتمال عليها، فإنّ مكانه لم يزل بالشام حتى انتقل من جوار بنيها [الأجلّة] الكرام إلى جوار الله ذي الجلال والاكرام. وله شعر أدقّ من دين الفاسق، وأرقّ من دمع العاشق، كأنّما روّح بالشّمال أو علّل بالشّمول، فجاء كنيل البغية ودرك المأمول.
حدّثني القاضي أبو جعفر محمد بن اسحاق [البحاثيّ] ﵀ قال:
حدثني أبو كامل نعيم بن المفرّج الطائي أن التّهاميّ هذا كان في ابتداء أمره من السوقة:
وقد كان يرمي عن مريرة قوسهبكالثلج تذريه خروق الغمائم
ويعلو كثيرا بالكهام منشنشافقار قطوف ذي ثلاث قوائم
ثم انقطع إلى بني الجرّاح يمتدحهم، ويستضيء بهم ويقتدحهم.
وكانت له همّة في معالي الأمور تسوّل له رئاسة الجمهور. فقصد مصر واستولى على أموالها، وملك أزمّة أعمالها [وعمالها]. ثم إنه غدر به بعض أصحابه، فصار ذلك سببا للظفر به، وأودع السجن في موضع يعرف بالمنسيّ حتى مضى لسبيله ﵀. فمن محاسنه التي تعلّق في كعبة الفصاحة، قوله:
كن من لواحظ عينيها على حذرفإنّ ألحاظها أمضى من البتر
أهتزّ عند تمنّي وصلها طرباوربّ أمنيّة أحلى من الظّفر
تجني عليّ وأجثي من مراشفهاففي الجنى والجنايات انقضى عمري
أهدى لنا طيفها نجدا وساكنهحتى اقتنصنا ظباء البدو في الحضر
فبات يجلو لنا من وجهها قمرامن البراقع لولا كلفة القمر
وراعها حرّ أنفاسي فقلت لها:هواي نار، وأنفاسي من الشّرر
فزاد درّ الثّنايا درّ أدمعهافالتفّ منتظم منه بمنتثر
فما نكرنا من الطّيف الملّم بناممّن هويناه إلّا قلة الخفر
ومن بدائعه في هذه الرائية [قوله]:
لو لاه لم يقض في أعدائه قلمومخلب الليث، لولا الليث كالظفر
ما صرّ إلّا وصلّت بيض أنصلهفي الهام أو أطّت الأرماح في الثّغر
وغادرت في العدا طعنا يحفّ بهضرب كما حفّت الأعكان بالسّرر
قلت: هذا والله هو المعنى البديع، والربيع المريع، والتشبيه اللائق،
والغرض الموافق. وقد كان يملكني الاعجاب بقول ابن المعتزّ:
وتحت زنانير شددن عقودهازنانير أعكان معاقدها السّرر
فزاد التهاميّ عليه، وفي المثل: من زاد ركب. ولعمري إنّ كليهما أعكان كلّها أعيان، وسرر كلها غرر وله أيضا من قصيدة:
حازك البين حين أصبحت بدراإن للبدر في التّنقّل عذرا
فارحلي إن أردت أو فأقيميأعظم الله (للهوى فيّ) أجرا
لا تقولي: لقاؤنا بعد عشرلست ممّن يعيش بعدك عشرا
[إنّ خلف الميعاد منك طباعفعدينا إذا تفضّلت هجرا]
ومنها:
قلم دبّر الأقاليم حتىقال فيه أهل التناسخ أمرا
يتبع الرمح أمره إنّ عشرين ذراعا بالرأي تخدم شبرا
لا تقيم الأموال عندك يومافإلى كم يكون مالك سفرا؟
أنصف المال من نوالك يا منبيديه أمر المظالم طرّا
جرت في بذله وأحكامك العدل، فإن كان قد أساء فغفرا
وله، وهو مما ينساب في العروق مع الصهباء الممزوجة بماء السّماء:
حطّي النقاب لعلّ سرح لحاظنافي روض وجهك يرتعين قليلا
كلف الفراق بمن هويت فكلّمادانيته شبرا تأخّر ميلا
قتلتني الأيام حين قتلتهاعلما فأبصر قاتلا مقتولا
وكنت نقلت في صباي قصيدة له يرثي بها ابنه أبا الفضل من خطّ الحاكم أبي حفص عمر بن علي المطوّعي ﵏. وحفظتها وراء ظهري، وعددتها من ذخائر دهري، وهي:
حكم المنيّة في البريّة جارما هذه الدّنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبراحتى يرى خبرا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدهاصفوا من الأقذاء والأكدار
ومكلّف الأيام ضدّ طباعهامتطلّب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنّماتبني الرجاء على شفير هار
فالعيش
نوم والمنيّة يقظةوالمرء بينهما خيال سار
والنفس إن رضيت بذلك أو أبتمنقادة بأزمّة الأقدار
فاقضوا مآربكم عجالا إنّماأعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادرواأن تستردّ فإنّهنّ عوار
فالدهر (يخدع بالمنى) ويغصّ إنهنّى، ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزمان ولو حرصت مسالماخلق الزمان عداوة الأحرار
إني وترت بصارم ذي رونقأعددته لطلابة الأوتار
أثني عليه بأثره ولو انّهلم يعتبط أثنيت بالآثار
يا كوكبا ما كان أقصر عمره!وكذاك عمر) كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدربدرا ولم يمهل لوقت سرار
عجل الخسوف عليه قبل أوانهفغطاه قبل مظنّة الإبدار
واستلّ من أترابه ولداتهكالمقلة استلّت من الأشفار
[فكأنّ قلبي قبره وكأنّهفي طيّه سرّ من الأسرار]
إن تحتقر صفرا فربّ مفخّميبدو ضئيل الشخص للنظّار
إنّ الكواكب في علوّ محلهالترى صغارا وهي غير صغار
ولد المعزّى بعضه فإذا انقضىبعض الفتى فالكلّ في الآثار
أبكيه ثم أقول معتذرا لهوفّقت حين تركت الأم دار/
جاورت أعدائي وجاور ربّهشتّان بين جواره وجواري
منها:
أشكو بعادك لي وأنت بموضعلولا الرّدى لسمعت فيه سراري
والشّرق نحو الغرب أقرب شقّةمن بعد تلك الخمسة الأشبار
هيهات قد علقتك أشراك الرّدىواعتاق عمرك قاطع الأعمار
ولقد جريت كما جريت لغايةفبلغتها وأبوك في المضمار
وإذا نطقت فأنت أوّل منطقيوإذا سكتّ فأنت في إضماري
أخفي من الرّقباء نارا مثلمايخفي من النار الزّناد الواري
وأخفّض الزفرات وهي صواعدوأكفكف العبرات وهي جوار
وشهاب زند الحزن إن طاوعتهوار، وإن عاصيته متوار
وأكفّ نيران الأسى ولربّماغلب التّصبّر فارتمت بشرار
ثوب الرّياء يشفّ عمّا تحتهوإذا التحفت به فإنّك عار
قصرت جفوني أم تباعد بينهاأم مقلتي خلقت بلا أشفار؟
جفت الكرى حتّى كأنّ غرارهعند اغتماض العين حدّ غرار
أحيي ليالي التّمّ وهي تميتنيويميتهنّ تبلّج الأنوار
حتّى رأيت الفجر يرفع كفّهبالضوء، رفرف خيمة كالقار
والصّبح قد غمر النجوم كأنّهسيل طغى وطفا على النّوّار
لو كنت تمنع خاض دونك فتيةمنّا بحار عوامل وشفار
ودحوا فويق الأرض أرضا من دمثم انثنوا فبنوا سماء غبار
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتهاسحبا مزرّرة على أقمار
وترى سيوف الدّارعين كأنّهاخلج تمدّ بها أكفّ بحار
لو أشرعوا أيمانهم من طولهاطعنوا بها عوض القنا الخطّار
شوس إذا عدموا الوغى انتجعوا لهافي كلّ أوب نجعة الأمطار
جنبوا الجياد على المطيّ وزاوجوابين السّروج هناك والأكوار
وكأنّما ملأوا عياب دروعهموغمود أنصلهم سراب قفار
وكأنّ من صنع السوابغ عزّهماء الحديد فصاغ ماء قرار
زردا، وأحكم كلّ موصل حلقةبحبابة في موضع المسمار
فتدرّعوا بمتون ماء راكدوتقنّعوا بحباب ماء جار
أسد ولكن يؤثرون بزادهموالأسد ليس تدين بالإيثار
يتعطّفون على المجاور فيهمبالمنفسات تعطّف الأظآر
يتزيّن النادي بحسن وجوههمكتزيّن الهالات بالأقمار
من كلّ من جعل الظّبى أنصارهوكرمن فاستغنى عن الأنصار
واللّيث إن بارزته لم يعتمدإلّا على الأنياب والأظفار
وإذا هو اعتقل القناة حسبتهاصلّا تأبّطه هزبر ضار
زرد الدّلاص من الطّعان برمحهمثل الأساور في يد الإسوار
ويجرّ ثمّ يجرّ صعدة رمحهفي الجحفل المتضايق الجرّار
ما بين ترب بالدّماء ملبّدلزق ونقع بالطّراد مثار
والهون في ظلّ الهوينى كامنوجلالة الأخطار في الإخطار
تندى أسرّة وجهه ويمينهفي حالة الاعسار والإيسار
ويمدّ نحو المكرمات أناملاللرّزق في أثنائهنّ مجار
يحوي المعالي غاليا أو خالياأبدا يداري دونها ويماري
قد لاح في ليل الشباب كواكبإن أمهلت آلت إلى الإسفار
وتلهّب الأحشاء شيّب مفرقيهذا الضياء شعاع تلك النّار
شاب القذال وكلّ غصن صائرفينانه الأحوى إلى الإزهار
والشّبه منجذب فلم بيض الدّمىعن بيض مفرقه ذوات نفار؟
وتودّ لو جعلت سواد قلوبهاوسواد أعينها خضاب عذاري
لا تنفر الظّبيات منه فقد رأتكيف اختلاف النّبت في الأطوار
شيئان ينقشعان أول وهلة؛ظلّ الشّباب وخلّة الأشرار
لا حبّذا الشّيب الوفيّ وحبّذاشرخ الشّباب الخائن الغدّار
وطري من الدنيا الشّباب وروقهفإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناتهعندي ولا آلاؤه بقصار
نزداد همّا كلّما ازددنا غنىفالفقر كلّ الفقر في الإكثار
ما زاد فوق الزّاد خلّف ضائعافي حادث أو وارث أو عار
إنّي لأرحم حاسديّ لحرّماضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهمفي جنّة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائليفكأنّما برقعت وجه نهار
وسترتها بتواضعي فتطلّعتأعناقها تعلو على الأستار
ومن الرجال (مجامل ومعالمومن النّجوم غوامض ودرار
والناس مشتبهون في إيرادهموتفاضل الأقوام في الإصدار
عمري لقد أوطأتهم طرق العلافعموا ولم يطأوا على آثاري
لو ابصروا بعيونهم لاستبصرواوعمى البصائر من عمى الأبصار
هلّا سعوا سعي الكرام فأدركواأو سلّموا لمواقع الأقدار؟
ذهب التكرّم والوفاء من الورىوتصرّما، إلّا من الأشعار
وفشت خيانات الثّقات وغيرهمحتى اتّهمنا رؤية الأبصار
ولربّما اعتضد الحليم بجاهللا خير في يمنى بغير يسار
وله [أيضا]، وهو ممّا أفادنيه الشيخ أبو محمد الحمدانيّ:
تهيم ببدر والتنقّل والنّوىعلى البدر محتوم فهل أنت صابر؟
له من سنا الفجر المورّد غرّةومن حلل الليل البهيم غدائر
وله [أيضا] من تشبيب قصيدة أخرى:
بكيت فحنّت ناقتي فأجابهاصهيل جوادي حين لاحت ديارها
خططنا بأطراف المخاصر أرضهافأهدت إلينا مسك دارين دارها
ولاحت ثنايا الأقحوان ولو رأتعوارض من أهواه طال استتارها
توقّ عيون الغانيات فإنّهاسيوف وأشفار الجفون شفارها
وله [أيضا]:
خليليّ هل من رقدة أستعيرها؟لعلّي بأحلام الكرى أستزيرها؟
ولو علمت بالطّيف عاقته دوننالقد أفرطت بخلا بما لا يضيرها
ومن أملح ما سمعت في هذا المعنى قوله:
أبرزن من تلك العيون أسنّةوهززن من تلك القدود رماحا
يا حبّذا ذاك السّلاح وحبّذاوقت يكون الحسن فيه سلاحا
ومنها:
أهوى الفتى يعلي جناحا للعلاأبدا ويخفض للجليس جناحا
وأحبّ ذا الوجهين؛ وجها في النّدىندبا ووجها في اللقاء وقاحا
وله من أخرى أوّلها:
لو جادهنّ غداة رمن رواحاغيث كدمعي ما أردن براحا
حانت لفقد الظّاعنين ديارهمفكأنّهم كانوا لها أرواحا
وأرى العيون ولا كأعين عامرقدرا مع القدر المتاح متاحا
ومنها:
متوارثي مرض الجفون وإنّمامرض الجفون أن يكنّ صحاحا
يرمي الكتيبة بالكتاب إليهمفيرون أحرفه الخميس كفاحا
من نقسه دهما ومن ميماتهزردا ومن ألفاته أرماحا
وله [أيضا]:
وأقسم أنّي ما هممت بريبةلغانية إلّا إذا كنت راقدا
ولكنّني لمّا رأيت جفونهاممرّضة، أرسلت طرفي عائدا
ولو لم تكن أجفانها صدفا لمانثرن غداة البين درّا فرائدا
توسّدني العيس الطّليح ذراعهاإذا لم توسّدني الخريدة ساعدا
ويسعدني سيفي على كلّ بغيةإذا لم أجد في العالمين مساعدا
وكنت إذا ما رمت رعي قرارةمن المجد أرسلت الرّدينيّ رائدا
وكم رجل أثوابه فوق قدرهوقد يلبس السلك الجمان الفرائدا
فلا يعجبن ذا البخل كثرة مالهفإنّ الشّغا نقص وإن كان زائدا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع