من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي
ضرير، ما له في أنواع الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألدّ محجوج. قد طال في ظلال الإسلام أناؤه، ولكنّ ربّما رشح بالالحاد إناؤه وعندنا خبر بصره، والله العالم ببصيرته، والمطلّع على سريرته. وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا [أنّه] عارض به القرآن، وعنونه ب «الفصول والغايات» [محاذاة للسور والآيات]. وأظهر من نفسه تلك الخيانة، وجذّ تلك الهوسات كما تجذّ العير الصّليّانة. حتى قال فيه القاضي أبو جعفر
محمد بن اسحاق البحاثيّ الزوزنيّ في قصيدة أوّلها:
كلب عوى بمعرّة النّعمانلمّا خلا عن ربقة الإيمان
أمعرة النّعمان ما أنجبت إذخرّجت منك معرّة العميان
ورأيت ديوان شعره الذي سمّاه «سقط الزّند»، وهتف فيه كالحمام على فنن غضّ النبات من الرّند. ولم يتّفق أن ألتقط منه ما يصلح لكتابي هذا، فرجعت الى تعليقاتي، وعثرت بما أنشدنيه الأستاذ شيخ الإسلام أبو عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵁، قال: أنشدني لنفسه بمعرة النعمان، وهو مما ينخرط في كتابه الذي سماه «لزوم ما لا يلزم»:
محمود الله والمسعود خائفهفعدّ عن ذكر محمود ومسعود
ملكان لو أنني خيّرت ملكهماوعود صلب أشار العقل بالعود
عودي يخاف من الإحراق صاحبهإن قال ربّي لأجسام البلى: عودي
وأنشدني له أيضا:
وما ازدحمت عير على ورد منهلدنا خمسها يرعى نجيل الحمض
تزاحم دمعي في الجفون وقد غدتركائبهم بين العريقين والعرض
ولا أمّ خشف أقبلت بعد فيقةلتمنحه من درّها صفوة المحض
ولا أمّ بكر ساق عنها حوارهاظلوم سعاة في الزكاة من الفرض
تصادفت السّيدان حول إهابهيهز من التّسغاب بعض على بعض
بأوجع مني يوم قال رسولهم:أمستوطن بعد الظّعائن أم تمضي؟
وأنشدني له الشيخ أبو محمد الحمدانيّ:
حيّ من أجل أهلهنّ الدّياراوابك هندا لا النّؤي والأحجارا
هي قالت وقد رأت شيب رأسيوأرادت تنكّرا وازورارا:
أنا بدر وقد بدا الصّبح في رأسك والصبح يطرد الأقمارا
لست بدرا وإنّما أنت شمسلا ترى في الدّجى وتبدو نهارا
وله في [وصف] الشمعة:
وصفراء (مثلي، في هواها) جليدةعلى نوب الأيام والعيشة الضّنك
تريك ابتساما دائما وتهلّلاوصبرا على ما نابها وهي في الهلك
فلو نطقت يوما لقالت: أظنّكمتخالون أنّي من حذار الرّدى أبكي
فلا تحسبوا دمعي لوجد وجدتهوقد تدمع الأجفان من كثرة الضّحك
وله [من قصيدة] [أولها]:
يا ساهر البرق أيقظ راقد السمرلعلّ بالجزع أعوانا على السّهر
وإن بخلت على الأحياء كلّهمفاسق المواطر حيّا من بني مطر
ويا أسيرة حجليها أرى سفهاحمل الحلّي بمن أعيا عن النّظر
ما سرت إلّا وطيف منك يتبعنيسرى أمامي وتأويبا على أثري
لو حطّ رحلي فوق النّجم رافعهألفيت ثمّ خيالا منك منتظري
يودّ أنّ ظلام الليل دام لهوزيد فيه سواد الشّعر والبصر
ومنها:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
[والحسن يظهر في شيئين رونقه؛بيت من الشّعر أو بيت من الشّعر]
[والخلّ كالماء يبدي لي ضمائرهمع الصّفاء ويخفيها مع الكدر]
[فلا يغرّنك بشر من سواه بداولو أنار، فكم نور بلا ثمر]
ومنها:
ماجت نمير فهاجت منك ذا لبدوالليث أفتك أفعالا من النّمر
همّوا وأمّوا فلما شارفوا وقفواكوقفة العير بين الورد والصّدر
وأضعف الرّعب أيديهم فطعنهمبالسّمهرية دون الوخز بالإبر
تلقي الغواني حفيظ الدرّ من جزععنها وتلقي الرجال السّرد من خور
فكم دلاص على البطحاء ساقطةوكم جمان مع الحصباء منتثر
[رأوك بالعين فاستغوتهم ظننولم يروك بفكر صادق الخبر
والنّجم تستصغر الأبصار صورتهوالذّنب للطّرف لا للنّجم في الصّغر
والكبر والحمد ضدّان اتّفاقهمامثل اتّفاق فتاء السّنّ والكبر
يجني تزايد هذا من تناقص ذا،والليل إن طال غال اليوم بالقصر]
وله [أيضا]:
أسالت أتيّ الدمع فوق أسيلومالت لظلّ بالعراق ظليل
فيا جارة البيت الممنّع جارهغدوت ومن لي عندكم بمقيل؟
لغيري زكاة من جمال فإن تكنزكاة جمال فاذكري ابن سبيل
وأرسلت طيفا خان لما بعثتهفلا تثقي من بعده برسول
خيال أرانا نفسه متجنّباوقد زار من صافي الوداد وصول
نسيت مكان العقد من دهش النّوىفعلّقته من وجنة ومسيل
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع