من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو الفرج حمد بن محمد بن حسنيل الهمذاني
نكتة [الدّهور و] الأيام، وزبدة الشهور والأعوام. لفظته همذان،
فأعاد خراسان من نتائج طبعه، لا بل من نسائج وشيه. وقد اتّخذها وطنا ما تركها من الظّل البرود عدنا ومن عصب البرود عدنا. ولم يزل في قيد إنعام الشيخ [الامام] الموفّق [﵀] حتى لحق ذلك الصدر الكبير بجوار اللطيف الخبير بعد ما فرح أبو الفرج برهة من الدهر مصطنعا برسمه وهو في ارتباطه والتجمّل به موفّق كاسمه. ثم ذكره وهن العظم، وكلال الخاطر بعلّة الشيب عن تعاطي النثر والنظم، [فعاد إلى] الوطن الذي [فيه] درج، والعشّ الذي منه خرج، فطار إليه بفراخه، وارتضاه لعطنه ومناخه. وأدرّ عليه عميد الملك أبو نصر، أنار الله برهانه، رسما أصلح رياشه ورقّح معاشه. ولم تطل به المدّة حتى امتلأ مكياله، وأهابت به آجاله، وزمّت إلى (المنهل المورود) جماله. تعمّده الله بغفرانه، وبوّأه بحبوحة جنانه. وكانت بينه وبين والدي- ﵀ صداقة صادقة،
ومودّة معدّة، واختصاص يطلع من جيب واحد رأسيهما، ويحيي بروح واحدة نفسيهما. فانضافت إلى ذلك من مجاورتي [إياه، في المدرسة النظامية بنيسابور سنتين أنفقتهما على الاستضاءة] بزاهر درّه والاغتراف من زاخر بحره. فإذا أنا راتع من مودّته بين موروث ومكتسب، ومدلّ منهما بامتزاج سبب أوكد من اتّشاج نسب. وكان قليل المبالاة بشعره، نزر الالتفات إليه لسهولة مآخذه عليه. وكنا نطلبه على شرف الغمام، فنجده على طرف الثّمام. وكان في بيته الّذي يسكنه حبّ كأنّه جبّ يرمي إليه بمسوّداته على (جزء من) القراطيس بطونا وظهورا. ولم تكد تصل إليها الأيدي سنين بله شهورا، وربّما كنت أنتهز الفرصة فأستنقع باحتجانها الغصّة، وأدرك منها بغية الحريص، وأفرح بها فرح يعقوب بالقميص. وقد فجعني الدهر (بفرائدي منها) فصارت
فوائت، إلّا ما زيّنت به هذا الكتاب.
وكان- رحمة الله عليه- سمح [البديهة] شديد العارضة، يموج بها فمه، ويتسابق إليها لسانه وقلمه. وكان أكثر ما يجود به خاطره الخطّار مقصورا على الافتخار، وحقّ لمن خلق من صلصال كالفخّار، ثمّ حلّي بشعار مثل تلك الأشعار أن يخرق الارض أو يبلغ الجبال طولا، ويعدّ فضل الفضلاء بالاضافة إليه فضولا.
وهذه قصيدة له مدح بها الشيخ الامام أبا سهل محمد بن هبة الله الموفّق، وأودع أثناءها ثناء للشيخ الإمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجوينيّ، رحم الله الماضي وأيّد الباقي:
مجد على مفرق العيّوق كالتّاجومنصب كالثّريّا جدّ وهّاج
وطود عزّ تطول النّجم قمّتهويزحم الفلك الأعلى بأثباج
وشرق
شمس علا تجلو أشعتهاجون الخطوب وغيث أخضر الرّاجي
مقابلات علا في بيت مكرمةكالزّهر يقرن أفرادا بأزواج
بيت تردّد فيه سؤدد عجبوالخلق بين سلالات وأمشاج
للدّين طينته والعلم صخرتهوللعلا ركنه، والحجر للّاجي
هذا الموفّق في علياء سؤددهيذكو كبدر الدّجى في الغيهب الداجي
ساد الأئمة والأعيان مقتبلامن قبل أن مسّ مسك صفحة العاج
ثم الرشيد ابنه ساد الورى شرفالا يرتقى جوّه إلّا بمعراج
وهمّة عالت الجوزاء قاهرةوأين منطقه من ذروة التاج؟
يحيا به أمل العافي إذا ازدخرتيمينه كبحور ذات أمواج
عرض طهور بعطر المدح مختمروربّ عرض تراه عرضة الهاجي
ما إن رأيت سواه سائلا كرماإن يسألوه تلقّ الحاج بالحاج
مهر نماه عتيق فرد غائبةراض الزمان بإلجام وإسراج
أيامه عرفت فيها رئاستهكجدول التّبر يسقي روض ديباج
ثناؤه ومواضيه ونعمتهحليّ لأيد وأعناق وأوداج
فالبيت بيت علا والكفّ كفّ ندىوالنّطق نطق بليغ الفضل محجاج
وقتاه وقت ندى تندى غمامتهووقت بأس يغشّيه بإرهاج
يستنفد الوصف في أدنى مناقبهويملأ الثّني من صحف وأدراج
مآثر كاثرت حصر النّقا ومحتآي الدّجى وارتقت أعراف أبراج
وغرّة مثل أنف الرّعن شامخةفي بحر جود صخوب اللّجّ عجّاج
من معشر كأنابيب القناة سمتبكفّ قارع حصن السابق النّاجي
ومنها:
ألست نجل فتى سحّاب أرديةدخّال نقع مصاع منه خرّاج؟
لا يوصف العبد في أحشاء بدوتهولا تحمّل أظعان وأحداج
ومنها:
هذا الكلام الذي تذكو غزالتهيغشى سنا البدر في طرف الدّجى السّاجي
فخذه كالفجر وضّاحا مقلّدهترب التّريبة من بيضاء مغناج
قال يرثي الشيخ الامام أبا محمد عبد الله بن يوسف الجوينيّ [رحمة الله عليه]:
علوم علت أعلامها غبراتهاوأعين أعيان طغت عبراتها
وأفلاذ أكباد من الفضل فتّشتفدلّ على تفتيتها زفراتها
نبإ بليوث الغاب عقر غيولهاوأخلي من عفر الفلا سمراتها
أبى الله (عزّ الله) إلّا تنقّصامن الأرض حتى استقلعت شجراتها
تداعت مباني الدّين وانهدّ ركنهودهده من أطواده صخراتها
وغار ضياء الشمس فانكسفت لهشموس وأقمار خبت شرراتها
أرى عصبا تيجانها قد تقوّضتوقد عصبتها بالثّرى غبراتها
وأوجه أقوام كرام على العلاوقد رهقتها فجعة فتراتها
إذا شقّقت أجفانها عبراتهاتشقّق عن أبدانها حبراتها
علا الحبر عبد الله صهوة سابققوائمه من معشر قصراتها
وإنّ قلوبا قطّعت لوفاتهكوتها على تقطيعها حسراتها
ذوت دوحة الإسلام والعلم والعلابمصرع من جذّت به ثمراتها
هوى نجمها العالي وأظلم جوّهاومادت رواسيها ومارت كراتها
ألا من لحفل ندّ منه لقد خلتنواد وعادت غيبة حضراتها
سلام على المنطيق في شبهاتهاإذا ما رجال عاقها حصراتها
برغم النّوادي والمجالس رنّقتمواردها وارتدّ ملحا فراتها
برغم الفتاوى والمدارس هوّرتخواطره واستنزفت خطراتها
برغم العلا والدين والعلم والحجىثوى البدر والبيضاء ضلّت سراتها
فيا ويب أحداق طمسن بأدمعغزار تدمّت حرقة قطراتها
[ويا ويح أقدام عثرن لفقدهفلمّا استقالت ثبّتت عثراتها]
فجائع سالت بالخدود دماؤهاكدا وتهاوت في الحشا جمراتها
لخفّت مثاقيل الرجال وأضللتحلوما وطاشت بعده وقراتها
وكان إذا ما حرّرت كلماتهمعاني لم ترقم سطورا قراتها
وما ذاك فهم المستفيد وإنّماسنا نور تفهيم المفيد مراتها
ومنها:
لربّ بدور عجّرت بدياجروربّ خدور هتّكت خفراتها
فمن فتيات نطّقت بذوائبومن فتية مسّ الثّرى وفراتها
ومن أعين غضّت وكانت عليّةتشاوس ألحاظ الدّجى نظراتها
ومنها:
أساغت بطون الأرض سود أسودهاولقد لفظت فوق الثّرى حشراتها
فكن للمعالي يا أباها بعيدهحساما (تجد عنك العدا) وتراتها
وما للمنايا عن عدى وأقاربمراح إذا عاد الورى سكراتها
عزاء على الدّنيا وصبرا على الرّدىإذا ما دواعيه علت نعراتها
تنكّرت الأيام لا بل تنكّستفقد شابهت آصالها بكراتها
ألا فليرث نجل الإمام وصنوهبقايا علا تحوى بها أثراتها
وما بعد عبد الله إلّا لنجلهوسائده فلتحوه فغراتها
إذا ما خلا الميدان عن قرّح الوغىأقيمت على مضمارها مهراتها
وممّا أنشدني لنفسه قوله من فخريّة:
يا للوزارة ما لي لا أغضّ بهاوما لها لا تعلّى أو تشرّف بي؟
وهذه مبالغة حسنة. ومن عجيب ما سنح من فخرياته تخلّصه من صفة البرغوث والبقّ إلى نوع من فخره المستحقّ في أرجوزة له، يقول فيها:
رقص البراغيث وزمر البقّفي مفحص مخصّص بالذّرق
يرعين بين أخمصي والفرقلحما جرت فيها دماء العتق
ومن فخريّاته الحسنة قوله مما أنشدنيه لنفسه:
لئن كان خظّي منك أني مخوّللحظّك أثني إذ تجود وأقبل
فقد نلت منّي رتبة لا تنالهاذكاء تعاطيني السّنا فأظلّل
ومنها:
مشت فيّ أحداث الليالي كأنّهاسيول حريق في الاباء تغلغل
أجوع وأظما عفّة وتكرّماوقد ضجّ بي واد وغطغط مرجل
مكارم خاطتها العلا بجلودنافما هي عن أبشارنا تتنقّل
وأنشدني لنفسه [من غزليّة]:
ما هي إلّا لطخة الغاليةوهي لعمري لطخة غاليه
انظر إليها كدجى مسكهفي ضوء شمس الضّحوة العاليه
وحولها من صدغه عنبركالعذر السّود على الغاليه
وهي على مذهبنا قبلةللقبل العاطرة الحاليه
فبوركت خلقة تضميخهلم تمتهنها أنمل الطاليه
قد خطر الشّوق على باليهإثر رسوم الصّبوة الباليه
وشوق قلبي بجنون الهوىنشوان لا يعرف ما حاليه
وأنشدني أيضا لنفسه من غزليّة:
أمير الحسن لا يلوي عزيمهويقسم في ضرائره الغنيمه
وماذا ضرّه لو أنّ لامييغازل في خلال المشق ميمه
وقال وشاته: لم تحظ عنهوقد ثقّبت درّته اليتيمه
وله أيضا من حادثة في بعض الغلمان:
إنّ الكرنديّ) روشنا خرّهفي غلمة وجهه لهم غرّه
فخيّطوا بالعقار مقلتهومزّقوا لا وثقّبوا درّه
قلت: ما أحسن استدراكه اللفظة الفاحشة، مع جمعه بين ضدّي التّخييط والتّمزيق! .. [و] هذا من باب التوفيق للتلفيق. وكتب إلى القاضي أحمد بن منصور بن محمد الأزديّ الهرويّ، يعاتبه، وبينهما محاورات ومكاتبات:
الذّنب لي لا لمنصور وللكرمأنا المضيّع يا ذيب العلا كلمي
ناسمته فتلقّتني سمائمهليت الجفاء كفاء منه للنّعم
وله في غلام (أورد الماء مهرا)؟
وظبي أورد الماءغزالا حالي النّحر
فأبصرت غزالينمروحين إلى النّهر
وتاها بعذارينمن العنبر والتّبر
فلمّا نزل الأقمر للريّ إلى النّهر
نحا الأظمأ للرّدف اللذي برّح بالخصر
فنادى يا فتى عرّجوعوّج طلق الشّهري
فلبّيت بغاما زلل عن خمر وعن درّ
وله من قصيدة فخريّة أوّلها:
بريق بأنف اللّوى يعتليكما دمّيت طرّة المنصل
قلت: عدل في هذه الكلمة عن الفخر إلى الطرد واتّفق له معنى ما سمعت بمثله في فنّه، وهو قوله:
تبارى على طائر أجدلانتناوب دلوين في منهل
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع