من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
شمس العصر
(شمس الْعَصْر) تضرب مثلا للشَّيْخ المسن ذى السن الْعَالِيَة الذى خرف وَبلغ سَاحل الْحَيَاة فَيُقَال مَا هُوَ إِلَّا شمس الْعَصْر على الْقصر
(لعاب الشَّمْس) لعاب الشَّمْس عِنْد الْعَرَب هُوَ مَا يتَرَاءَى كالخيوط فى الجو عِنْد شدَّة الْحر قَالَ الراجز
وذاب للشمس لعاب فَنزلوَقَامَ ميزَان النَّهَار فاعتدل
وَقد يشبه بِهِ الشىء الْبَاطِل الذى لَا اصل لَهُ وَيُقَال لَهُ أَيْضا مخاط الشَّيْطَان وخيط الشَّيْطَان وخيط الشَّمْس وكما يُقَال لعاب الشَّمْس يُقَال بصاق الْقَمَر للحجر الْأَبْيَض الذى يُقَال لَهُ حجر المها
(كلف الْبَدْر) يشبه بِهِ مَا يعرض فى المحاسن من الْقبْح وَقد تقدم طرف من ذكره قَالَ الشَّاعِر
إِن يكن أثر فى عَارضهذَلِك الشّعْر ففى الْبَدْر كلف
(عَادَة الْقَمَر) تضرب مثلا لمن لَا يجىء إِلَّا لَيْلًا قَالَ ابْن الرومى
لَا تعجب من سرانا فالسرىعَادَة الأقمار وَالنَّاس هجود
وَقَالَ آخر
(هَكَذَا الْبَدْر فى الظلام يواتى ...)
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الصابى
سرى إِلَى وجنح اللَّيْل معتكركَذَلِك الْبَدْر فى ظلمائه سَار
(قمر الْمقنع) كَانَ رجلا من أهل مرو أَعور يَقُول بالحلول والتناسخ ويدعى الإلهية وَيضْرب فى السحر والنيرنجيات بِسَهْم وافر فَاتخذ وَجها من ذهب واشتدت شوكته بِمَا وَرَاء النَّهر وتفاقم أمره وأجابه قومه المبيضة الَّذين بقيت مِنْهُم إِلَى الْآن بَقِيَّة فى حُدُود كش ونسف وَمن مخاريقه أَنه احتال حَتَّى أظهر فى الجو قمرا يُقَال إِنَّه من عكس شُعَاع عين الزئبق الَّتِي بِتِلْكَ الأَرْض وَهُوَ حَتَّى الْآن مَنْسُوب إِلَيْهِ وَلما كَانَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة اسْتعْمل المهدى الْمسيب على خُرَاسَان وَأمره بمحاربة الْمقنع فناصبه الْحَرْب وتحصن الْمقنع فَلَمَّا أحس باستيلاء الْمسيب على الْحصن جَمِيع نِسَاءَهُ كُلهنَّ وَقَالَ أَنا صاعد إِلَى السَّمَاء فَمن أَرَادَ أَن يصحبنى فليشرب من هَذَا الشَّرَاب وسقاهن شرابًا مسموما وَشرب هُوَ أَيْضا مِنْهُ فَمَاتَ وَمتْن جَمِيعًا
(صُحْبَة الفرقدين) يضْرب بهَا الْمثل فى طول الصُّحْبَة والتساوى والتشاكل كَمَا قَالَ البحترى
كالفرقدين إِذا تَأمل نَاظرلم يعل مَوضِع فرقد عَن فرقد
وَقَالَ آخر
شغلى بمعتدل القوامظلوم لحظ المقلتين
أفنيته عضا وتقبيلاوإنى بَين ذين
وكأننى وَكَأن منأَهْوى اجْتِمَاع الفرقدين
(منَاط العيوق) يضْرب بِهِ الْمثل فى الْبعد فَيُقَال أعز من بيض الأنوق وابعد من منَاط العيوق وَيُقَال أَيْضا أبعد من منَاط الثريا قَالَ الشَّاعِر
وَأبْعد من هَذَا الذى قد اردتهمنَاط الثريا من يَد المتناول
(نُجُوم الشيب) قَالَ ابْن الرومى
رب ليل ترَاهُ كالدهر طولاقد تناهى فَلَيْسَ فِيهِ مزِيد
ذى نُجُوم كأنهن نُجُوم الشيبلَيست تغور لَا بل تزيد
(سَحَابَة الصَّيف) يضْرب مثلا لمن يقل لبثه ويخف مكثه وَيُشبه بهَا أَيْضا غضب العاشق وَقَالَ أحد الْحُكَمَاء الَّذين وقفُوا على تَابُوت الْإِسْكَنْدَر الرومى وَتكلم كل وَاحِد مِنْهُم بحكمة بَالِغَة انْظُر إِلَى فَلم النَّائِم كَيفَ انْقَضى وَإِلَى سَحَاب الصَّيف كَيفَ انجلى وَكَانَ ابْن شبْرمَة إِذا نزلت بِهِ نازلة يتَمَثَّل بقول الشَّاعِر
(سَحَابَة صيف عَن قَلِيل تقشع ...)
وَمن فصل للصاحب سحائب الصَّيف اثْبتْ من قَوْلك والخط فى المَاء أقوى من عَهْدك
وفى الْكتاب الْمُبْهِج إقبال الدُّنْيَا كإلمامة طيف أَو زِيَارَة ضيف أَو سَحَابَة صيف
(مر السَّحَاب) يتَمَثَّل بِهِ فى السرعة قَالَ بعض الْحُكَمَاء الفرص تمر مر السَّحَاب قَالَ الشَّاعِر
الدَّهْر أقصر مُدَّةمن أَن يمحق بالعتاب
فتغنم السَّاعَات مِنْهُفَمُرْهَا مر السَّحَاب
وَقد شبه بِهِ الْأَعْشَى مَشى الْمَرْأَة حَيْثُ قَالَ
كَأَن مشيتهَا من بَيت جارتهامر السحابة لَا ريث وَلَا عجل
(ظلّ الْغَمَام) يضْرب مثلا لما لَا يَدُوم بل يسْرع انقضاؤه قَالَ كثير
وإنى وتهيامى بعزة بعد مَاتخليت عَمَّا بَيْننَا وتخلت
لكا لمرتجى ظلّ الغمامة كلماتبوأ مِنْهَا للمقيل اضمحلت
وَقَالَ ابْن المعتز
إِلَّا إِنَّمَا الدُّنْيَا كظل غمامةإِذا مَا رجاها المستظل اضمحلت
فَلَا تَكُ مفراحا إِذا هى أَقبلتوَلَا تَكُ مجزاعا إِذا هى ولت
(برق خلب) يُقَال لَهُ برق خلب وبرق خلب قَالَ الشَّاعِر
(وَقَول بِلَا فعل كبارق خلب ...)
وَقَالَ آخر
لَا يكن وَعدك برقا خلباإِن خير الْبَرْق مَا الْغَيْث مَعَه
والبرق الخلب هُوَ الذى لَا غيث مَعَه يضْرب مثلا لمن يخلف كَمَا يخلف ذَلِك الْبَرْق والخلب من الخلابة قَالَ اللَّيْث عَن الْخَلِيل الْبَرْق الخلب الذى يُومِض ويطمع فى الْمَطَر ثمَّ يعد ويخلف
وللصاحب من رِسَالَة وعدة برق خلب وروغان ثَعْلَب
(مطر الرّبيع) الدهاقين يَقُولُونَ مطر الرّبيع مَاء كُله أى نفع كُله وَذَلِكَ أَن المَاء حَيَاة كل شىء فمطر الرّبيع هُوَ المَاء الذى تحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا وَلَا يضيع مِنْهُ شىء كَمَا تضيع أمطار سَائِر الْفُصُول وَقد أحسن من قَالَ لشارب دَوَاء
وجال نفع الدَّوَاء فِيك كَمَايجول مَاء الرّبيع فى الْمَطَر
(مطر مصر) يضْرب مثلا للشىء النافع يتَضَرَّر مِنْهُ لِأَن من عُيُوب مصر أَنَّهَا لَا تمطر فَإِذا أمْطرت كره أَهلهَا ذَلِك أَشد كَرَاهَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح بشرا بَين يَدي رَحمته﴾ يعْنى الْمَطَر فَهَذِهِ رَحْمَة موجهة لهَذَا الْخلق وهم لَهَا كَارِهُون وهى لَهُم غير مُوَافقَة وَلَا تزكو عَلَيْهَا زُرُوعهمْ قَالَ الشَّاعِر
يَقُولُونَ مصر أخصب الأَرْض كلهَافَقلت لَهُم بَغْدَاد أخصب من مصر
وَمَا مصر إِلَّا بَلْدَة مثل غَيرهَاتعاقبها الْأَيَّام بالعسر واليسر
وَلَكِنَّكُمْ تطرونها بهواكموَلم تخل أَرض من محب وَمن مطر
وَإِلَّا فَأَيْنَ الخصب من معشر بهَايقاسون أَنْوَاع الْعَذَاب من الْفقر
وَمَا خير قوم تجدب الأَرْض عِنْدهمبِمَا فِيهَا خصب الْعَالمين من الْقطر
إِذْ بشروا بالغيث ريعت قُلُوبهمكَمَا ريع فى الظلماء سرب القطا الكدر
قَالَ الجاحظ وَإِذا هبت بهَا الرّيح المريسية وهى ريح الْجنُوب ثَلَاثَة عشر يَوْمًا تباعا اشْترى أَهلهَا الأكفان والحنوط وأيقنوا بالوباء الْقَاتِل
(ريق المزن) يدْخل فى بَاب الاستعارات قَالَ بعض أهل الْعَصْر
ر يق الحبيب بريق المزن وَالْعِنَبأذاقنى ثَمَرَات اللَّهْو والطرب
وَقد سرقت من الْأَيَّام صفوتهافَكيف أهرب مِنْهَا وهى فى طلبى
(عيث الْغَيْث) يضْرب مثلا لما يعم خَيره ويخص شَره وَذَلِكَ أَن الْغَيْث على إغاثته الْخلق وإحيائه الأَرْض بعد مَوتهَا رُبمَا ضرّ الْخلق بهدم الْبيُوت وتخريب الْعمرَان وتعويق المواعيد وإيذاء الْمُسَافِرين وَقد أنْشد الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح البستى
لَا ترج شَيْئا خَالِصا نَفعهفالغيث لَا يَخْلُو منن العيث
(نسيم الصِّبَا) الصِّبَا مَخْصُوصَة من بَين الرِّيَاح برقة النسيم وَطيب الهبوب لَا نخفاضها عَن برد الشمَال وارتفاعها عَن حر الْجنُوب وَقد أَكثر النَّاس من ذكرهَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(نسيم الصِّبَا جَاءَت بريا القرنفل ...)
وَقَالَ ابْن طَبَاطَبَا
أتانى قريض كنظم الجمانوَروض الْجنان وَأمن الْفُؤَاد
وعهد الصِّبَا ونسيم الصِّبَاوَبرد الْفُؤَاد وَطيب الرقاد
وَقَالَ ابْن الرومى فى وصف اللوزينج
مستكثف الْحر وَلكنهأدق جر مَا من نسم الصِّبَا
(أنفاس الرِّيَاح) من إِحْدَى الاستعارات الْحَسَنَة السائرة قَالَ إِسْحَاق بن خلف فى وصف السَّيْف
ألْقى بِجَانِب خصرهأمضى من الْأَجَل المتاح
وكأنما ذَر الهباءعَلَيْهِ أنفاس الرِّيَاح
وَقَالَ السرى فى وصف قصيدة (أتتك وَقد أعدت خلالك لَفظهَاخلالا فَفِيهِ من خلالك رونق
معَان كأنفاس الرِّيَاح بسحرةتمر بأنوار الرياض فتعبق
الْبَاب التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ فى الْأَدَب وَمَا يتَعَلَّق بِهِ
أدب النَّفس
حِرْفَة الْأَدَب
حلية الْأَدَب
بَيت القصيدة
طَرِيق القافية
غذَاء الرّوح
سير الْمثل
طغيان الْقَلَم
عنوان الْخَيْر
توراة الثَّمَانِينَ
آخر الصَّك
جَوَاب الْجَواب
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع