تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد عرف بابن أبي العوام السعدي، الحنفي

(¬*)

قاضي مصر، وبها الإسماعيلية لا يحكم إلا بآرائها، ولا تزداد أضاليلها باللوم إلا من أغرابها، فقضى بالحق وعدل، ومضى على سننه وما لواه الجدل، ولم يظلم في وجهه سواد تلك النحل المضلّة، ولا شدت عليه تلك الشبه طرف الأدلة، ولا ربطت تلك البدع على ما ينافي الملة، وكذلك كان شأنهم في الدين لا يكرهون، وعلى الباطل لا ينيمون، ولكنهم له ينبّهون، لا يقلبون الصور ولكنهم يشوّهون، ولا يغلطون الحقائق ولكنهم يشبهون، ولا يخبثون الخالص بغشهم ولكنهم يموهون.

مولده بمصر، سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. له بيت كلهم يتفقهون على رأي أبي حنيفة، وكان من صباه من أهل الصيانة طالبا للحديث والفقه.

قال إسماعيل بن علي الحسيني في أخبار القضاة بمصر: حدثني أبو حفص الفرائضي: أنه دخل إلى مجلس القاضي أبي الطاهر هو وأبو يوسف بن إسحاق، فقال للحكمي الوراق: يا أبا حفص، ترى هذين الحدثين؟، سوف يكون لهما بمصر شأن!!، فما مضت الأيام والليالي حتى ولي أبو العباس القضاء، وصار أبو يوسف شيخ الشيوخ.

ولما استخلفه أبو الطاهر على الفرض، كان الخصوم يخرجون من عنده وهم يشكرون تأنّيه ولطفه. وحصل له في قلوب الناس الموضع الجليل، ولم يعلم عليه

إلا الخير والصيانة والديانة.

فلما قتل مالك بن سعيد، بقي الناس بلا قاض من ربيع الآخر إلى شعبان سنة خمس وأربعمائة. ويتطلع كل إنسان إلى القضاء غير أنهم جزعون بما جرى على من تقدّمهم، وقام في نفس أبي يعقوب بن إسحاق، وكذلك سليمان بن رستم، وما يجري مجراهما، فلزموا موكب الحاكم، وأبو العباس بن أبي العوّام هذا لازم داره، ينظر في الفرض، ويشهد، ولم يسأل الحاكم أن يكون في جملة من يدخل إليه.

وكان بمصر رجل مكفوف يعرف بأبي الفضل جعفر الضرير، من أهل العلم والنحو، واللغة، فقدّمه الحاكم، وخلع عليه، وأقطعه، ولقّبه بعالم العلماء، وسأله عن الناس واحدا واحدا، من يصلح منهم، وهو أعلم بما يسأل عنه، وإنما أراد أن ينظر مبلغ عقله، فذكر أبا العباس بن أبي العوّام وغيره، فوقع الاختيار على أبي العباس، فقيل للحاكم: يا أمير المؤمنين، ما هو على مذهبك، ولا من مذهب من تقدّم من سلفك، غير أنه نفسه مأمون، مصري، عارف بالقضاء، عارف بالناس، وما في مصر من يصلح لهذا الأمر غيره.

وقام أبو الفضل الضرير من عند الحاكم وقد أحكم له الأمر، فأمر الحاكم أن يكتب له سجل، وشرط عليه فيه أنه إذا جلس في مجلس يكون معه أربعة من فقهاء الحاكم، كي لا يحكم إلا على المذهب.

وقرئ عهد على المنبر بالجامع العتيق، وزكّاه فيه بأحسن تزكية وخلع عليه، وحمله على مركب حسن، وجعل له النظر في القاهرة، ومصر والحرمين، وسائر الأعمال، ما خلا فلسطين، فإن الحاكم ولّاها أبا طالب المعروف بابن بنت الرندي، ولم يجعل لأبي العباس عليه نظرا، وكان هذا يجلّ نفسه عن قضاء

مصر وأعمالها، غير أن هيبة الحاكم جعلته امتثل أمره.

وجعل الحاكم لأبي العباس بن أبي العوام هذا النظر في العيار في دار الضرب، والموازين، والمواريث، والنظر في أحباس المساجد والجوامع، فوليها أبو العباس وهو موسر من نفسه، وعلم أنه مقتول لا محالة!، وإنما حب الدنيا غلب عليه، ومنع الله يد الحاكم أن تمتد إليه بسوء لما بقي له من الأجل، وكان يركب أيام الجمع مع الحاكم، ويطلع يوم السبت إليه يعرّفه ما يجري من أمر الأحكام، والشهود، والأمناء، وغيرهم، وما يتعلّق بالحكم. ويوم الأحد يجلس في الجامع العتيق، ويوم الثلاثاء يجلس في القاهرة، في الجامع الأزهر يحكم بين أهلها، ويوم الأربعاء سأل الحاكم أن يجعله له راحة، فاشترى دارا بالقرافة ينقطع فيها يوم الأربعاء من بكرة النهار إلى المغرب، يتعبد فيها، ويخلو بمن يريد من الشهود ومن غيرهم، ويجلس يوم الخميس أيضا في الجامع العتيق.

ولم يزل ناظرا في الأحكام إلى أن مات في ربيع الأول، سنة ثمان عشرة وأربعمائة.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.