تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، الحنفي، أبو العباس

(¬*)

قاضي قضاة الديار المصرية، شمس الدين، ممن مهّد منصب القضاء لأجل حلوله، وأخليت أفئدة المدارس لحطّ حموله، والتطم بحر العلم بين جنبيه، واضطرم فريد الذكاء بين غربيه، وعزّ مكانا، وعدّ من جيرانه شهب السماء سكانا، وعلا قدرا، شخصت الحدق إليه، وسما شمسا فلم تتجاسر العيون عليه، كم نودي باسمه فحيعل داعي الفلاح، وعودي بحكمه فألقى الزمان السلاح، وذكر منه السروجي صاحب المقامات، ولكنّها مقامات أهل الصلاح، ووقفت له في الهيئة على ما لم أظنه لغيره تهيّأ، ولا لسواه قسمت السّماء العلياء مسموحة ثبير الثريا، ورأيت غير رجال من أهل مصر أدركوه تعبق بذكره أفواههم، وتغب في بحار شكره سوابح النجوم وهم وأشباههم.

مولده سنة تسع وثلاثين وستمائة.

تفقّه على أبي الطاهر الحلبي، وصدر الدين سليمان بن أبي العز، وقيل: إنه كان يتفقّه أولا على مذهب الإمام أحمد، وقرأ طرفا من" المقنع "، ثم خوطب في الاشتغال على مذهب أبي حنيفة، فشكا الفقر، وعدم كتاب يشتغل فيه، فدفع إليه كتاب" البداية " فحفظها، واجتهد في طلب العلم إلى أن ولي قضاء الديار المصرية، وصنّف وشرح شرحا كبيرا للهداية، ولم يتممه.

وكان له مشاركة تامة في علم التفسير والنحو، مع مكارم أخلاق وطلاقة وجه، وبسطة نفس، ومروءة تامة، ورياسة، وجلالة، وحسن معاشرة.

صحب الفقراء، وكان مؤثرا لهم، مكرما للغرباء، محبا للعلم وأهله يذبّ عن طائفته، ويحسن إليهم بجاهه وماله.

وروي أنه لما حجّ سأل الله في الملتزم حاجة في نفسه لم يطلع عليه أحدا من الناس، فجاءه شخص فقير بعد مدة، فخلا له، وقال: رأيت النبي ﷺ في النوم، وأمرني أن أجئ إليك، وأقول لك بإمارة ما سألت الله تعالى في الملتزم كيت وكيت، أعطني ما معك كله لأنفقه في مصالح ذكرها لي رسول الله ﷺ.

فقال: هذه أمارة صحيحة، ثم أخرج له جميع ما كان عنده، وكان نحو مائة دينار وألف درهم، وقال: خذها، فو الله ما اطّلع على هذا أحد إلى الآن، ولو كان عندي أكثر من ذلك لدفعته إليك.

وقيل: إنه شرب من ماء زمزم لقضاء مصر، كما في الحديث: "ماء زمزم لما شرب له". فرزقه بتوفيق الله ومشيئته.

ومما يؤثر عنه أنه كان له درج يكتب فيه جميع ما عليه من الدّين؛ فاتّفق أنه لما توفّي أوفوا ما عليه بذلك الدرج، فجاء شخص فقال: لي عليه مائتا درهم.

فنظروا في الدرج وفتّشوه، فلم يجدوا شيئا.

فقالوا له: ما كتب لك شيئا.

فرآه بعض الفقهاء في النوم، وهو يقول: أعطوا فلانا مائتي درهم، فإن له علي ذلك. فقال له: لم لا كتبتها في الدرج؟. فقال: هوي مكتوبة بخط دقيق في الدرج!.

فأصبح، وطلب الدرج، وفتّشوه، فوجدوه كما قال. فأعطوا صاحب الدّين المائتين.

وتوفي يوم الخميس، ثاني عشر رجب، سنة عشر وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.