تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك

(¬*)

ابن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن ذي أصبح، واسمه الحارث. الأصبحي المدني. إمام دار الهجرة، ونظام شريعة صاحب الحجرة ﷺ، وغمام الأنواء الثرّة، والنعماء بكثرة. واحد الأئمة الأعلام، وحامي بيضة الإسلام. تخلّل مذهبه المغرب حتى طبق مفاصله، وأطلق في أهل الزيغ مناصله، وعظم حرمات صاحب الشريعة ﷺ بما طل من الدماء، وداوى من مرض الأعداء بهذا الدواء، فأقيمت به الحدود، وأقيلت عواثر الجدود،

وقيدت فرق الزيغ بحبال الوريد إلى حفر اللحود، وطلّ دماء منع الدماء بها أن تطل، وصان بها عقد الدين أن تحل، وحسم مواد أهواء لولاه لسرى مرضها حتى تفسد كل الأعضاء، وأمهل خصماء الغرماء حتى تكثر ديون الدين على الاقتضاء، بل جاء في أمرهم بالغرائم، وجال في دفع ضرهم بالعظائم، ولم يأخذه على تلك الطوائف القاسية قلوبهم رقة ولا لين، ولا رأفة في دين الله ولا رحمة تتأنى بهم إلى وقت ولا حين.

وكان هارون الرشيد لا يرجع إلّا إليه، ولا يهجع جفن طمأنينته إلا لديه، لما يعلمه منه من فضل جلّ عن الذكر، ودقّ عن الفكر، لأنه ما نظر في علم إلا انفجر فلقه، وانفرج غلقه.

ملأ نشره الفضاء، وتلألأ بشره فأضاء، وأشارت إليه الأصابع بالأنامل، وأثنت عليه بالصنائع الجميلة الأرامل، وانتصب لنصر المرسل فكفي مؤنة النصال، وشفي من الداء العضال، وقمع الفئة الباغية، والطائفة الطاغية، بتثبيت تزلّ الجبال الشم، وهو لا يتقلقل، وتنتقل الصخور الصمّ وهو راسخ لا يتنقّل، فما ورد العلماء حتى صدر، ولا مشى القدماء حتى تبين لهم منه الأثر، ولا ركب بنانه القلم حتى قيل إنها لإحدى الكبر.

أخذ القراءة عرضا: عن نافع بن أبي نعيم. والعلم: عن ربيعة الرأي. ثم أفتى معه عند السلطان.

قال ابن وهب: سمعت مناديا ينادي: ألا لا يفتي الناس إلا بفتيا ابن أنس وابن أبي ذئب.

وكان مالك إذا أراد أن يحدّث توضّأ، وجلس على صدر فراشه، وسرّح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدّث. فقيل له في ذلك؟. فقال: أحبّ أن أعظّم حديث رسول الله ﷺ، ولا أحدّث إلا مستمكنا على طهارة. وكان يكره أن يحدث الناس على الطريق، أو قائما، أو مستعجلا. ويقول: أحب أن أتفهّم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ. وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ مدفونة.

وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات والجمعة، والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أصحابها فيعزّيهم، ثم ترك ذلك كله، فقيل له في ذلك؟.

فقال: ليس كل الناس يقدر يتكلّم بعذره.

وسعى به إلى المنصور إلى جعفر بن سليمان ابن عم أبي جعفر المنصور، وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشئ. فغضب جعفر، ودعا به، وجرّده، وضربه بالسياط، ومدّت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمرا عظيما، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علوّ ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليّا حلّي بها.

وذكر ابن الجوزي في سنة سبع وأربعين ومائة: وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان.

وقال حسين بن عروة: قدم المهدي؛ فبعث إلى مالك بن أنس بألفي دينار، أو قال: بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيع، فقال: إن أمير المؤمنين يحب أن تعاد له مدينة السّلام.

فقال مالك: قال رسول الله ﷺ: " المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ".

والمال عندي على حاله.

وقال قتيبة: كنا إذا أتينا مالكا، خرج إلينا متزيّنا، متكحّلا، متطيّبا، قد لبس من أحسن ثيابه، فتصدّر ودعا بالمراوح، فأعطى كلّ إنسان مروحة، وكان يجلس في منزله [على] ضجاع له، ونمارق مطروحة يمنة ويسرة، لمن يأتيه [من قريش، والناس].

وكان رجلا مهيبا، نبيلا، ليس في مجلسه شئ من المراء، واللغط، ولا رفع الصوت، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث فلا يجيب إلا الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه، وكان له كاتب قد نسخ كتبه، يقال له: حبيب، يقرأ للجماعة، فليس أحد ممن يحضره يدنو ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهم هيبة لمالك وإجلالا، وكان إذا أخطأ حبيب فتح عليه مالك.

قال عبد الرزاق في حديث: " يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل في طلاب

العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة ". فكنا نرى أنه مالك.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: مالك أفقه الحكم وحمّاد.

وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز.

وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا.

وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من" موطأ " مالك.

وقال أشهب: كان مالك إذا اعتمّ جعل منها تحت ذقنه ويسدل طرفها بين كتفيه.

وقال مصعب: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد ويتطيّب.

وقال القعنبي: كنا عند ابن عيينة، فبلغه نعي مالك فحزن، وقال: ما ترك على ظهر الأرض مثله.

وحكى عبد الله الباجي في سبب ظهور مالك: إن امرأة غسلت امرأة ماتت، فلما غسلت فرجها ضربت الغاسلة بيدها على فرج الميتة وقالت: " يا فرج ما كان أزناك؟! ". فلصقت يدها بالفرج، فسئل علماء المدينة في ذلك، ومالك [على]

صفة طالب للعلم، فاختلف علماء المدينة في ذلك بين تغليب حرمة الميت على الحي، أو حرمة الحي على الميت، فمن قائل بقطع يدها، ومن قائل بقطع الفرج، ومالك حاضر، فقال: ما أرى إن سمعتم إلا أن تجلد الغاسلة جلد الفرية، فلعلّه يخلى عنها، قال: فجلدت ثمانين فانطلقت يدها. فمن هناك عرف علماء المدينة فضل مالك في العلم.

ولد مالك سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين، وقيل تسعين، وتردد السمعاني فقال: ولد سنة ثلاث أو أربع وتعسين، والله أعلم.

وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وعاش أربعا وثمانين سنة.

وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة.

وقال ابن الفرات: سنة تسع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، والله أعلم.

وكانت وفاته بالمدينة الشريفة - على ساكنها مني أفضل الصلاة وأتم السّلام - زادها الله شرفا.

ودفن بالبقيع.

وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلّمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟.

فقال لي: يا ابن قعنب، ومالي لا أبكي، ومن أحقّ بالبكاء مني؟. والله ..

لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأيي سوطا سوطا. وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي "، أو كما قال.

وكان مالك ﵁ شديد البياض إلى الشقرة، طويلا، عظيم الهامة، أصلع، يلبس الثياب العدنية الجياد، ويكره حلق الشارب، ويعيبه، ويراه من المثلة، ولا يغير شيبه.

ومن أصحابه:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.