من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، الفقيه، الشافعي، أبو جعفر الزاهد
(¬*)
السّاهر إذا نام السّاهد، ولا يغيب عنه الشاهد، المتقلّل من الدنيا على كثرة متاعها، ولذة استمتاعها، المخلي بينها وبين مبتاعها.
قضى عمره كلّه في قليل من البلاغ، وبلال من ريق الدين إن ساغ.
فلما آن له الإطلال على الأجل، ودنا به خطو العجل، حصل له سوء مزاج
أصدأ مرآة مخيّلته، وأفسد صورة ممثّلته، فعظم اختلاطا، وكثر خلطا، وضيق عليه دار البقاء حتى حلّ من القبر في دار اللقاء.
سكن بغداد، وحدّث بها، ولم يكن للشافعية في وقته أرأس منه، ولا أورع، ولا أكثر تقلّلا منه، وكان ثقة من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا.
قال أبو الطيّب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص [عمر] ابن شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي، فسأله سائل عن حديث رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا". فالنزول كيف؟. أيبقى فوقه علو؟!. فقال أبو جعفر: النّزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وكان من التقلّل في المطعم على حال عظيمة، فقرا، وورعا، وصبرا على الفقر. أخبرني محمد بن موسى بن حمّاد، أنه أخبره: أنه تقوّت في سبعة عشر يوما بخمس حبّات!. أو قال: ثلاث حبّات. قلت: كيف عملت؟. قال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتا، فكنت آكل كل يوم واحدة.
وذكر أبو إسحاق الزجّاج [النحوى] أنه كان يجري عليه في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا.
ولد في ذي الحجة، سنة ثمان، وقيل: سنة عشر ومائتين. وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم، سنة خمس وتسعين ومائتين. ولم يغير شيبه، وكان قد اختلط اختلاطا عظيما في آخر عمره.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع