تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الإمام الشافعي ﵁

(¬*)

محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطّلب بن عبد مناف القرشي المطّلبي، الشافعي، أبو عبد الله.

بحر امتدّت من دفعه الجداول، وطور انحطّت من قننه الجنادل، ومرقب

درجت من عشبه النسور القشاعم، والصقور الأجادل. وإمام يفخر البيت المقدّس بمولده، وبطحاء مكة بمحتده. والمطّلب بن عبد مناف بكونه من ولده، وابن أخيه عبد المطلب بن هاشم بتألّق فرقده، ما كان يقصر عن أولئك الأوّل من أهل الشعب لو حضر يوم الصحيفة، وحظر على سروات قريش قبح تلك الآراء السخيفة، ولما عدا مطّلب بني المطلب أبيه، وانتخى لبني عمه بني هاشم على أخيه، حتى تنقاد شموس بني عبد شمس وتذعن نوفل بأن عدم مباينتها لهم أمس، بل لو تقدمت شمسه قليلا حتى أدرك ذلك الجيل، وجال في ذلك الصدر الجليل، لكان من أركان البيت بيت هاشم المعرق في بني لؤي، وسكان بيت البطحاء المجمع عليه لقصي، وأقرباء أهل العباء والمعد للمفاضلة في أهل المباهلة، بيد أنه من قريش في سرّة أباطحها، وأسرّة جحاجحها، وآبائها الشمّ الأنوف الكرام الضيوف، الخضر الأندية والكفوف، المتقدمة على العرب تقدّم الإمام على الصفوف، وقد حفظ دين محمد ﷺ على أمته، واقتاد العلم بأزمّته، فأصبح يجادل بحججه، ويقتحم البحر في لججه، وطلب الحديث حتى التقفه من أفواه الرجال، واقتطفه قبل تحين الآجال.

وتفقه على مالك، ثم مال إلى أوسع مجال، وجثا له على ركبتيه، وكالشياهم قعود ربات الحجال، وخاف الرشيد منه على الخلافة ويحق له أن يخاف، وظن الناس تثب معه لولا العقول السخاف. ولم يكن في عصره أجمع منه لشروط الإمامة، ولا أنقع للغلل ولا الغمامة.

وكان حلس الحرب، وحلف الغمام إذا اشتد الكرب، لندىّ تفيض سواكبه، وتغيض البحار وأدناها مواهبه، وتحصى النجوم ولا تعدّ مناقبه، وتحدّ الغيوم ولا تحد سواكبه، مع حبّ أشربته له النفوس وشربته على هلال جبين ما مثله شفاه الكؤوس، وقرب من الناس ينأى مداه، ويشاء الغيث جداه، وما علمه واحد بل شتى، ولا فضله إلا ما يفتى، مع آداب لا لغو في كأسها ولا تأثيم، وأطراب لا حرج فيها ولا تحريم، وإنما هي جنى جنات قطوفها دانية، وصفوفها متدانية، وشنوفها لا تقرط بها حسناء، ولا تجد غنى غانية، نهلة من العرب جرعها، وذروة من الأدب فرعها، ومروة من الشعر نحو صفا المشقّر قرعها، بأبيات مأهولة نفخ فيها الروح، ونفخ بينها النسيم كأنها الخيام بذي طلوح.

كان يحفظ ديوان هذيل، ويلفظ أشهر من سهيل، وكانت له فراسة هي فراسة المؤمن التي لا تخطئ، وظنانة هي كمخيلة النوء لا تبطئ.

سكن مكة المعظّمة، حيث شرب للعلم ماء زمزمها، وطلع قمرا في أفق مأزمها، ثم استوطن مصر يزيد على نيلها في وفائه، وعلى مقطعات خلجها في صفائه، وانتشر هنالك علمه الغزير، وتوارى في سرار ترابها بدره المنير، ودفن بها بالقرافة حيث هو الآن القبة المعقودة، وآثار الجود الموجودة، ولوامع البركات الباقية المشهودة.

كان الشافعي رحمه الله تعالى كثير المناقب، جمّ المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت فيه العلوم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكلام الصحابة وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك من معرفة كلام العرب، واللغة، والعربية، والشعر، حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن، قرأ عليه أشعار الهذليين - ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلا أكمل من الشافعي.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي؟.

فإني سمعتك تكثر من الدعاء له.

فقال: يا بني [كان] الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض.

وقال أحمد: ما بتّ منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي، وأستغفر له.

وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي ثم استقبلته يوما، والشافعي راكب بغلة، وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله، تنهانا عنه، وأنت تمشي خلفه؟.

فقال: اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت.

وحكى خطيب بغداد في "تاريخه": أنّ أمّ الشافعي لما حملت به رأت كأنّ المشتري خرج من فرجها، حتى انقضّ بمصر، ثم وقع في كل بلد شظيّة، فتأوّل أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخصّ علمه أهل مصر، ثم يتفرّق في سائر البلدان.

وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس، وقد حفظت الموطّأ، فقال لي:

أحضر من يقرأ لك!. فقلت: أنا قارئ. فقرأت عليه الموطّأ حفظا.

فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام.

وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي

فقال: سلوا هذا [الغلام].

وقال الحميدي: سمعت الزنجي بن خالد - يعني مسلما - يقول للشافعي:

أفت يا أبا عبد الله. فقد والله آن لك أن تفتي!. وهو ابن خمسة عشر سنة!!!.

وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدّث.

فقال: إن هذا يفوت، وذاك لا يفوت.

وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظّم أحدا من أهل العلم تعظيمه للشافعي. ولقد جاءه يوما فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن؛ فرجع محمد إلى منزله، وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحد عليه، والشافعي أول من تكلّم في أصول الفقه، وهو الذي استنبطه.

وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل الشافعي في علمه وفصاحته ومعرفته، وثباته، وتمكّنه، فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى في سبيله لم يعتض منه.

وقال أحمد بن حنبل: ما أجد من بيده محبرة ولا دواة إلا وللشافعي في رقبته منّة.

وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودا، حتى جاء الشافعي فأيقظهم، فتيقّظوا.

ومن دعائه المأثور عنه المداومة عليه في أحيانه كلها: "اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير".

رواه عنه ثقات، وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وأنه مجرّب، والله أعلم.

[وذكر الحافظ ابن عساكر، قال: خرج الشافعي إلى الصفا، ومعه الحارث ابن لبيد، وكان من الخاشعين، وكان حسن الصوت، فقرأ الحارث: ﴿هذا يَوْمُ اَلْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَاَلْأَوَّلِينَ فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾.

فاضطرب الشافعي وتغيّر لونه، وبكى بكاء شديدا، حتى لصق بالأرض، ثم لم يتمالك أن قال: "إلهي إنّي أعوذ بك من مقام الكذّابين، وأعلام الغافلين، إلهي خشعت لك قلوب العارفين، وولهت بك همم المشتاقين، فهب لي جودك، وجلّلني سترك، واعف عنّي بكرم وجهك يا كريم".

قال الربيع بن سليمان: سئل الشافعي ﵁ عن مسألة فأعجب

بنفسه، فقال:

إذا المشكلات تصّدين ليكشفت حقائقها بالنظر
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «إذا المشكلات تصدين لي»
ولست بهيّابة في الرجالأسائل هذا، وذا، ما الخبر؟
ولكنني مدره الأصغرين [.]فتّاح خير، وفرّاج شرّ

وذكر أن رجلا وقف بباب الشافعي فقال: يا ربّ الدار تصدّق علينا بما لا يتعب ضرسا، ولا يؤلم نفسا.

فأخرج إليه طعاما، فقال: حاجتي إلى كلامك أشدّ من حاجتي إلى طعامك، إنّي طالب هدى، لا طالب ندى.

فأمر أن يدخل عليه، فسأله عن مسألة من المسائل، فأجابه وأفاده. فخرج وهو يقول: علم أوضح لبسا، خير من مال أغنى نفسا.

فقال الشافعي: ما رأيت أعقل من هذا الرجل، بارك الله فيه.

والشافعي فوق كل [وصف]، وفضائله أكثر من أن تعدد، ومولده سنة خمسين ومائة، وقد قيل: إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه أبو حنيفة الإمام، وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، والأول أصح.

وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وقرأ القرآن الكريم.

وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل: سنة إحدى ومائتين، ولم يزل إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم، ﵀.

قال الربيع بن سليمان المرادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته فقلت: يا أبا عبد الله ما صنع الله بك؟.

فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر عليّ اللؤلؤ الرطب.

وقد اتّفق العلماء قاطبة من أهل العلم، والفقه، والحديث، واللغة، والنحو، وغير ذلك على ثقته، وأمانته، وعدالته، وزهده - وورعه، ونزاهة عرضه، وعفّة نفسه، وحسن سيرته، وعلوّ قدره، وسخائه.

وللإمام الشافعي أشعار كثيرة: من ذلك ما نقل من خط أبي طاهر السلفي:

إن الذي رزق اليسار ولم يصبحمدا ولا أجرا لغير موفّق
الجدّ يدني كلّ أمر شاسعوالجدّ يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأنّ محروما أتىماء ليشربه فغاض فحقّق
وإذا سمعت بأنّ مجدودا أتىعودا فأثمر في يديه فصدّق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتنيبنجوم أقطار السماء تعلّقي
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
لكنّ من رزق الحجى حرم الغنىضدّان مفترقان أيّ تفرّق
ومن الدليل على القضاء وكونهبؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤذو همة يبلى برزق ضيّق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»

ومن المنسوب إليه أيضا:

رام نفعا فضرّ من غير قصدومن البرّ ما يكون عقوقا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «رام نفعا فضر من غير قصد»

ومن المنسوب إليه أيضا:

كلّما أدّبني الدهر أراني نقص عقلي
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «كلما أدبني الده»
وإذا ما ازددت علمازادني علما بجهلي
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «كلما أدبني الده»

وقوله:

وضاحك والمنايا فوق هامتهلو كان يعلم غيبا مات من كمد
من كان لم يعط علما في بقاء غدماذا تفكّره في رزق بعد غد؟

وقوله:

هي الدنيا فلا يغضبك منهاولا من أهلها سفه يعاب
أتطلب جيفة وتنال منهاوتنكر أن تهارشك الكلاب
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «هي الدنيا فلا يحزنك منها»

وقوله:

ولولا الشعر بالعلماء يزريلكنت اليوم أشعر من لبيد
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «ولولا الشعر بالعلماء يزري»

قال الشافعي: تزوجت بمكة امرأة من قريش وكنت أمازحها، فأقول:

ومن البلية أن تحبّ، فلا يحبك من تحبّه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «ومن البلية أن تحب»

فتقول هي:

ويصدّ عنك بوجههوتلحّ أنت فلا تغبّه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «ومن البلية أن تحب»

وحكى أبو إسحق الشيرازي في "طبقات الفقهاء": عن الربيع بن سليمان قال: كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن، وقد طلب منه كتبا لينسخها فتأخّرت عنه، فكتب: -

قل للذي لم تر عينا من سن رآه مثله
ومن إذا رآهكأن قد رأى من قبله
العلم ينهى أهلهأن يمنعوه أهله
لعلّه يبذلهلأهله لعلّه

فأنفذ إليه الكتب من ساعته.

ومن شعره ﵁ ما قال لمّا قدموا به على هارون الرشيد مع العلويين:

عليّ ثياب لو تقاس جميعهابفلس لكان الفلس منهنّ أكبرا
وما ضرّ نصل السيف إخلاق غمدهإذا كان عضبا. حيث وجّهته برى

ومن أصحابه:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.