تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي

(¬*)

أبو الوليد. صاحب التصانيف، إمام لولاه ما وجدت الألسن مقالا، ولا حلت

من العلم عقالا، ولا نفرت من الخواطر المعاني خفافا وثقالا.

ثم أقبل على الفقه بكليته، فسلم من كل ظنّة، ولم يكن على نفسه لغيرها منّة، وفضله أشهر من بشائر الصباح، وأظهر من أمائر السماح، على أن المجد فيه لا يبلغ المرام، والمحيد معرض للملام.

قال ابن بسام فيه: نشأ [أبو] الوليد هذا، وهمّته في العلم تأخذ عنان السماء، ومكانه في العلم يسامي مناط الجوزاء، وبدأ بالأدب فبرز في ميادينه، واستظهر بأكثر دواوينه، وجعل الشعر بضاعته، فوصل له الأسباب بالأسباب، ونال به من كل الرغاب، ثم رحل عن القيروان، إلى جهة مصر، فما حلّ بلدا إلا وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، فمال إلى علم الديانة، وقد كان قبل رحلته تولّى إلى ظله، ودخل في جملة أهله، فمشى بمقياس، وبنى على أساس، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون للأخذ عنه، حتى علم العلم أن له أشكالا، وتيقّن العراق أن بالأندلس رجالا.

ثم كرّ، وقد نفع وضر، وأحلى وأمرّ، واستقضي في طريقه بحلب، فأقام بها نحوا من عام، ثم نازعه هوى نفسه إلى مسقط رأسه، [ومنبت غرسه، من أرض الأندلس، فورد وعشب بلادها ناب وظفر، وصوب عهادها] دم هدر، ومال لا عين ولا أثر، فأسف على ما ضيّعه، وندم لو أجدى عليه ذلك أو نفعه، على أنه لأول قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة، بصلة ما انبتّ من تلك الأسباب.

بيد أنه كلما وفد على ملك منهم بادره بالترحيب وهو في الباطن يستثقل به، وكان يفطن بأمورهم، ولكنّه كان يرجو حالا تثوب ومذنبا يتوب.

أصله من مدينة بطليوس، فانتقل جده إلى باجة المدينة التي بقرب إشبيلية، فنسب إليه، وليس هو من باجة القيروان.

ولد سنة ثلاث وأربعمائة، وارتحل سنة ست وعشرين، فحج أربعا، وجاور ثلاثة أعوام، ملازما لأبي ذر الحافظ الهروي، وكان يسافر معه إلى سراة بني شبابة، ويخدمه، ثم رحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويقرأ الحديث، ودمشق: فسمع من جماعة كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والقاضي أبي عبد الله الحسين الصيمري، وأبي الفضل بن عمروس المالكي.

وأقام بالموصل سنة يأخذ علم العقليات عن أبي جعفر السمناني. وبرع في

الحديث وعلله ورجاله، وفي الفقه وغوامضه وخلافه، وفي الكلام ومضايقه، ورحل إلى الأندلس، وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاما.

وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى عنه الخطيب بعلم جمّ، حصله مع الفقر والتعفّف، وروى عنه الكبار، وتخرّج به الأصحاب.

قال القاضي عياض: آجر أبو الوليد نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب [للغزل]، ويعقد الوثائق، قال لي أصحابه:

كان يخرج إلينا للإقراء، وفي يده أثر المطرقة، إلى أن فشا علمه، وهيئت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر. وكان يستعمله الأعيان في ترسّلهم، ويقبل جوائزهم.

ولي القضاء بمواضع من الأندلس.

قال ابن ماكولا: أما الباجي ذو الوزارتين أبو الوليد: ففقيه، متكلّم، أديب، شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام، وصنّف، إلى أن قال: وكان رفيع القدر والخطر.

وقال أبو علي بن سكّرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدا على سمته، وهيئته، وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي، فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعلّه ابن الباجي؟. قلت: نعم، فأقبل عليه.

وقال القاضي: "كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته الرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره، فكان يبعث إليها خلفاءه وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلا، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد، فيما سمعته، مستفيضا لحراسة درب.

وقد جمع ابنه شعره.

قال: ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلا أنه كان خارجا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل.

وحلّ بجزيرة ميورقة، فرأس فيها، واتّبعه أهلها، فلما قدمها أبو الوليد حكّموه في ذلك، فدخل إليه، وناظره وشهر باطله، وله معه مجالس كثيرة، ولما تكلّم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في" البخاري "، قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ، وكفّره بإجازته الكتب على الرسول الأمي ﷺ، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلّم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عليه عند العامة، وتكلّم به خطباؤهم في الجمع، فقال شاعرهم:

برئت ممن شرى دنيا بآخرةوقال: إن رسول الله قد كتبا

فصنّف أبو الوليد رسالة [بيّن فيها] أنّ ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة.

قال ابن سكّرة: مات بالمرية، في تاسع عشر رجب، سنة أربع وسبعين وأربعمائة.

قال ابن بسّام: وبلغني عن ابن حزم أنه كان يقول: لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم.

وناظره بميورقة ففلّ من غربه، وسبّب إحراق كتبه.

توفي وهو بسبيله في تصنيف الدواوين في علوم الدين.

وأنشد له:

إذا كنت أعلم علما يقينابأن جميع حياتي كساعه
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
فلم لا أكون ضنينا بهاوأجعلها في صلاح وطاعه؟
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة

ومما روى عنه الخطيب أبو بكر الحافظ قوله في قلم:

وأسمر ينطق في مشيةويسكت مهما أمرّ القدم
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
على ساحة ليلها مشرقمنير وأبيضها مدلهم
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
وشبّهتها ببياض المشيبيخالط نور سواد اللّمم
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة

وقوله يمدح قاضي القضاة السمناني ببغداد، وكان قد أتاها من مكة المعظّمة، فأناله ما أحسبه، والله أكسبه بقصيدة منها:

يا بعد صبرك أتهموا أم أنجدواهيهات منك تصبّر وتجلّد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
يأبى سلوّك بارق متألّقوشميم عرف عرارة ومغرّد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
في كل أفق لي علاقة خولةتهدي الهوى وبكل أرض ثهمد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
ولقد مررت على المعاهد بعد مالبس البداوة رسمها المتأبّد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
طفقت تسابقني إلى أمد الصباتلك الربى ومنال شأوي يبعد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
أيام أنفض للمراح ذؤابتيبين اللدات ودرع بردي مجسد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
أتقنص الظبيات في سبل الصبافيصيدهنّ لي العذار الأسود
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
حتى علاني الشيب قبل تحلّموأبرّ ما سبق المشيب المولد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
أسري إذا اعتكر الظلام وقادنيأمل مطالبه العلا والسؤدد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
حيث استقر حمى السماحة والعلاورست قواعده وحل المقود
عالي محل النار في كلب الشتاإذ بالحضيض لغيره مستوقد
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

ولله طيف لا يلمّ كأنماله من سهادي في الزيادة عاذل
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
ولما التقينا للجمار وأبرزتأكفّ لتقليب الحصى وأنامل
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
أسرّت إلينا بالغرام محاجروباحت به منا جسوم نواحل
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
سقى أثلاث الجزع من أم مالكعشار سحاب مترعات حوافل
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.