من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد الوهاب القاضي بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون ابن مالك بن طوق التغلبي البغدادي
(¬*)
الفقيه المالكي، من ذرية مالك بن طول صاحب الرحبة.
فقيه لا يفاضل، وأديب لا يناضل، وكريم بين معروف كرمه لا يعاضل. بلي بالإملاق وضني بالرزق الذي لا يبل الآماق، ورمي بالتشتّت في الآفاق، وكان يضني به السفر، ويعلم أن كل دار فارقها هي الفقر، وكان حيث تنقل من البلاد أو بقي حيث فارق الميلاد، مثل الدرة المكنونة إن فارقت البحار، وزايلت المحار، نفلت إلى التاج أو بقيت في الأدراج، وسواه كالثمرة إن فارقت الشجرة، ذبلت نضرتها بمفارقة الأمواه، وابتذلتها الأيدي والأفواه، على أنه وصل في وقت من الضائقة إلى حال ترحمه فيها الأعداء، وتساعده البعداء، ومع هذا فكم بجّل في زمان من رفعه قدر، وتلبية مضطر!!.
وقال فيه ابن بسام: كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وجدت له
شعرا معانيه أجلى من الصبح، ومعانيه أحلى من الظفر بالنجح، ونبت به بغداد كعادة البلاد، بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها، فخلع أهلها، وودع ماءها وظلها، وحدّثت أنه شيّعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية.
وفي ذلك يقول:
سلام على بغداد في كل موطنوحق لها مني سلام مضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلى لهاوإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنّها ضاقت عليّ بأسرهاولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّهوأخلاقه تنأى به وتخالف
ثم توجّه إلى مصر فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب، فمات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها.
زعموا أنه قال وهو يتقلب، ونفسه يصعد ويتصوب: "لا إله إلا الله" إذا عشنا متنا.
وله أشعار رائقة ظريفة، فمن ذلك قوله:
ونائمة قبلتها فتنبّهتفقالت: تعالوا نأخذ اللصّ بالحد
فقلت لها إني فديتك غاصبوما حكموا في غاصب بسوى الرد
خذيها وكفّي عن أثيم ظلامتيوإن أنت لم ترضي فألفا على العد
فقالت: قصاص يشهد العقل أنهعلى كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هميان خصرهاوباتت يساري وهي واسطة العقد
فقالت: ألم أخبر بأنك زاهدفقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد
ومن شعره:
بغداد دار لأهل المال طيبةوللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتهاكأنني مصحف في بيت زنديق
انتهى كلام ابن بسام في ذلك.
وأنشد ابن خلكان له:
متى يصل العطاش إلى ارتواءإذا استقت البحار من الركايا
ومن يثنى الأصاغر عن مرادإذا قعد الأكابر في الزوايا
وإن ترفّع الوضعاء يوماعلى الرّفعاء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأسافل بالأعاليفقد طابت منادمة المنايا
صنّف في مذهبه كتاب "التلقين"، وعدة مصنّفات.
وكان فقيها، أديبا، شاعرا، ثقة، لم يلق من المالكين أحدا أفقه منه، وكان
حسن النظر، جيّد العبارة، وتولّى القضاء ببادرايا وباكسايا.
وخرج في آخر عمره إلى مصر فاجتاز في طريقه بمعرة النعمان، وبها أبو العلاء المعري فأضافه، وفي ذلك يقول المعري من جملة أبيات:
والمالكي ابن نصر زار في سفربلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكا جدلاوينشر الملك الضّلّيل إن شعرا
وتوفي ليلة الاثنين رابع عشر صفر، سنة اثنين وعشرين وأربعمائة بمصر.
وقيل: في شعبان منها. ومولده في شوال سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ببغداد.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع