من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عيسى الزواوي المالكي
(¬*)
شرف الدين، أبو الروح.
رجل لا يخاطر معه في شرف مروم، ولا يخاطب منه ما دون النجوم، سكن مصر فطاب به ناديها، وطال المجرّة واديها، ونظر في أفانين العلم فأسمى فروعها، وأهمى ضروعها، واقتنى الكتب فأبرأت يده العيسوية سقم صحفها، وأبدت كرم تحفها.
وطلب للقضاء خلافة بمصر والقاهرة غير ما مرّة، ويربأ به شرف دينه وشرف زهده فيما لم يمسكه بيمينه، ولحّ عليه وليّ الأمر في هذا، وأبى إلا خلافه.
وترفع عن رتبة القضاء وإن سمّي له خلافه. ولقد جالسته فخفت الغرق إذ فجأني سيله، وجاءني نهاره الذي محا ليله.
أصله من "زواوة" من بلاد أفريقية، وقدم البلاد كبيرا، وقد حصّل واشتغل، وصار يعدّ من الفقهاء، وأقام بمصر واشتغل بها، وحضر فيها الدروس، وزادت نباهته، وظهرت فضيلته، ثم قدم دمشق، وولي بها نيابة الحكم، وصرّف القضايا والأحكام بجأش رابط، ونفس قوية في الحق، ودام على هذا مدة ثم عاد إلى مصر وأقام بها. وفارقتها وهو أحد أئمتها الأعلام، وفقهائها الأفاضل، وإليه يرجع فيما أشكل من الفتاوى في مذهب الإمام مالك ﵁، وكان يتردّد إليّ، ويجتمع بي، وهو من أحسن الناس خلقا وخلقا. وأتمّهم فضلا في الفقه، ومشاركة في النحو والعربية، ونظرا في الهيئة، ومعرفة في مقادير الأفلاك، وأشكال الأرض، وأحوال الأقاليم والبلاد، ووضع المدن، وأحوال الأقاليم الشاسعة، والبحار الغامرة.
ولما ألّفت هذا الكتاب وسمع به كان يجيء إليّ ليقف على ما انتهى فيه شيئا بعد شيء، وربّما عاملني بالإحسان، ووقع منه موقع الاستحسان، ولقد استفدت منه فوائد في هذا الكتاب، ومعارف لولاها لما قدرت على الدخول من هذا الباب، وسيأتي في مواضع من هذا التأليف مقرا بما أعزوه من الرواية إليه. ولم أر في أمثاله من الفقه مثله في التجمّل، وحسن الهيئة، ومكارم الأخلاق، اللهم إلا إن كان ابن القوبع.
ولقد يحكى عنه من سعة الصدر، وكرم النفس ما يستغرب من المغاربة،
ويستبعد وقوعه من نقوسهم المقاربة.
ولقد كنت أرى منه وأسمع عنه ما يملأ العين والأذن، وعهدي به يجتمع هو وابن القاصح أحد فقهاء الشافعية الأخيار، وشيخنا أبو حيان بالمدرسة الصالحية، على تخت هناك، ويجري بينهم بحوث مفيدة، ومذاكرات جليلة، وربما تخلل ذلك بنكت طريفة ومداعبات لطيفة.
كان ابن القاصح على علمه وزهده تحدّثه نفسه بقضاء القضاة، ويظنّ أن الولاية تأتيه بكرة أو عشاء، لا يشك في هذا، وعرف هذا منه، فبقي كل متفرغ يأتي إليه ويقول له: يا سيدي .. سمعنا بأن السلطان ذكرك، وبلغنا أن فلانا شكرك، وأن فلانا وصفك عند أمراء الدولة وكبرائها، وقيل لنا إنك ذكرت للقضاء، وذكر معك فلان وفلان، فرجحت عليهم، وعيّنت دونهم، ومن هذا ومثله مما يعلم القائل أنه ينفق عليه، ويقع موقع الإعجاب منه، وهو يأخذ ما يقال له من هذا بالقبول، وتميل إليه أذنه.
وكان شيخنا أبو حيان ينهاه ولا ينتهي بعذله ولا يقبل، فاتفق شرف الدين عيسى هذا مع رجل من الفقهاء يعرف بالنجم سعيد، كان ظريفا مطبوعا، له نوادر، وطلبا ابن شيخنا أثير الدين أبي حيان، وكان إذ ذاك صغيرا، وقررا معه أن يقول لهما مقولة عن ابن القاصح، من هذا الباب، لينقلوه إليه، ويقولون: قال لنا ابن الأثير كذا وكذا، ليظن أنه علاء الدين ابن الأثير كاتب السر في ذلك الزمان. فقال لهم: اعلموا أن ابن القاصح قد ولّاه القضاء. ورسم بكتابه تقليده. فلما قال هذا، طار إليه النجم سعيد، وقال له: يا سيدي جئتك
ببشارة. قال: وما هي؟. قال: الساعة رأيت ابن الأثير وقال لي: إن السلطان قد ولّى ابن القاصح قضاء القضاة!، ورسم بكتابة تقليده.
ودخل شرف الدين عيسى وهم في هذا الحديث. فقال: وأنا سمعت ابن الأثير يقول هذا. فما شكّ ابن القاصح في هذا. وعمّم عمامته، ولبس قماشه، وتهيّأ للطلب والتولية، وخرج إلى التخت، وقعد حتى جاء أبو حيان، فقال له: ما لي أراك على هذه الهيئة؟. فأخبره الخبر، فأنكر أبو حيان، ثم قال: والله ما كأنهم عنوا إلا ابن أبي حيان. فإنه ابن الأثير، وإلا فهذا ما له صحة، وعيسى ما يكذب، وانقلب الجد هزلا، والتهنئة ضحكا عليه!!.
وهذا من المالكية آخر من ذكر. ويتلوهم من الفقهاء ثالث الأئمة وأصحابه ﵁.
فأما من نذكره منهم ممن كان بالجانب الشرقي فهو:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع