تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الشيباني

(¬*)

الإمام، أبو عبد الله، المروزي، ثم البغدادي.

أحد أئمة الإسلام، والهداة الأعلام، وأحد الأربعة الذين تدور عليهم أقضية

الحكام، وفتاوى الفقهاء في الحلال والحرام، والتابعين بإحسان لطرق السلف الكرام. وهو العلم إلا أنه في صدره النور، والنجم الذي يهدي ولا يغرّ، ويسري ولا يغور، وحافظ الملّة من تحريف الغالين، وتحريف القالين.

قام بالحق حتى كان أمة وحده، وقال بالصدق ولم يخش السيف ولا حدّه، وصبر على بلاء المحنة، وصابر من الأعداء الإحنة، وأقام في إخماد ضرم تلك الفتنة حين أضرمت الهيجاء، وأظلمت الأرجاء، حتى انكشفت تلك الضلة، وانصرفت تلك الفرق المضلّة، ووجهه يتهلّل، وشبهه القمر لمن يتأمل، حتى منع حمى القرآن ممن قال فيه تلك المقالات، ودعا فيه إلى تلك الضلالات، ولم يرعه مضاء السيف المصلت، ولا ضيق السجن الذي منه لا يفلت، وصابر السياط التي صبّت عليه عذابها، والقيود التي جمد عليه مذابها، حتّى جلّى الله تلك المحن، وقد وقى مهجته، ورفع بحط عدوّه درجته، وأعدّ له ما أعدّه، وأقامه قيام سيد تيم في قتال أهل الردّة، وكان لا تخور له قوى عزيمة، ولا تمرّ به الأبطال إلا كلمى هزيمة.

وكان غماما في المحل، إذا ما طرا ماطرا، وهماما في الخطب إذا عرا ذاعرا.

ما عدل عن كتاب ولا سنّة، ولا سلك مذهبه إلا طريقا إلى الجنة.

خرجت أمّه من مرو وهي حامل به، فولدته في بغداد، في ربيع الأول، سنة أربع وستين ومائة، وقيل: بل ولد بمرو، وحمل إلى بغداد وهو رضيع.

وطاف البلاد في سماع الحديث والعلم، فدخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة.

وروى عن الجمّ الغفير، والعدد الكبير من أهل العلم، ومشايخ الحديث، وأخذ الفقه عن جماعة من أجلّهم الإمام أبو عبد الله الشافعي.

وقد روي: أن الإمام أحمد صحب الشافعيّ مدّة مقامه ببغداد، في الرحلة الثانية، وأنه سلك مسلكه، ونهج منهجه، وقال: كل مسألة ليس عندي فيها دليل فأنا أقول فيها بقول الشافعي.

وكان إمام المحدّثين، صنّف كتابه "المسند" وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وهو من أجلّ كتب الإسلام، وصنّف كتاب "الزهد".

ويقال: إنه جمع تفسيرا جمع فيه مائة ألف حديث وعشرين ألفا.

وقال في حقّه الشافعي: خرجت من بغداد، وما خلّفت بها أتقى، ولا أفقه من ابن حنبل.

ودعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب، فضرب وحبس، وهو مصرّ على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة عشرين ومائتين.

وكان حسن الوجه، ربعة، يخضب بالحنّاء خضابا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود.

قال الزعفراني: ما قرأت على الشافعي حرفا إلا وأحمد حاضر، ولا ذهبت إلى الشافعي مجلسا إلا وجدت أحمد فيه.

وقال إبراهيم الحربي: الشافعي أستاذ الأستاذين، أليس هو أستاذ أحمد؟.

وقال صالح بن أحمد: مشى أبي مع بغلة الشافعي، فبعث إليه يحيى بن معين، فقال: أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟.

فقال: يا أبا زكريا، ولو مشيت إلى جنبها الآخر لكان أنفع لك.

وقال يحيى بن سعيد القطان: أحمد بن حنبل حبر من أحبار هذه الأمة.

وقال الميموني: قال لي عليّ بن المديني لما ضرب أحمد بن حنبل وحبس: يا ميموني!، ما قام أحد في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل.

قال المروزي: سمعت سلمة بن شبيب يقول: كنت عند أحمد بن حنبل، فجاءه رجل فقال: قد ضربت برّها وبحرها، أو قال: قصدت إليك، ولولا أني قيل لي في منامي أن آتيك فأخبرك لما جئت!. فقيل لي: قل له: إنّ الله قد باهى بضربك الملائكة.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لست أعلم في الإسلام مثل أحمد.

وقال أبو جعفر التفيلي: أحمد بن حنبل من أعلام الدين.

وقال مهنّا بن يحيى الشامي: ما رأيت أحدا أجمع لكلّ خير من أحمد بن حنبل وما رأيت مثله في علمه، وفقهه، وزهده، وورعه.

وسئل أبو ثور عن مسألة؟ فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا.

وقال حجّاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل.

وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود راس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد بن حنبل.

وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟. فقال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب.

وروى عنه جماعة من الأماثل منهم: البخاري، ومسلم، والشافعي، ويزيد بن هارون، - وهما من شيوخه - وإسحاق بن منصور الكوسج، وبقي بن مخلد الأندلسي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيّان، وحرب الكرماني، وابناه: صالح وعبد الله.

وذكر مناقبه يطول شرحها، وللناس في ذلك مصنفات مفردة، أحسنها وأبسطها ما جمعه أبو الفرج بن الجوزي.

وتوفي أحمد بن حنبل ضحوة نهار الجمعة، لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقيت من الشهر المذكور.

وقيل: من ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، ببغداد، عن سبع وسبعين سنة على المشهور.

ودفن بمقبرة باب حرب، وقبره مشهور هناك يزار.

وحزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا: ثمانمائة ألف، ومن النساء: ستين ألفا، وقيل: ألف ألف.

وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفا من النصارى، واليهود، والمجوس.

قال صالح بن أحمد: حضرت أبي الوفاة، فجلست عنده، وبيدي الخرقة لأشدّ بها لحيته، فجعل يعرق، ثم يفيق، ويفتح عينيه، ويقول بيده: هكذا - إلا بعد، إلا بعد! - ثلاث مرات. فقلت له: يا أبه، أيش هذا الذي لهجت به في هذا الوقت؟. قال لي: ما تدري؟. قلت: لا. قال: إبليس - لعنه الله - قائم بحذائي عاضّا على أنامله، يقول لي: يا أحمد فتّني!!. فأقول: لا، حتى أموت.

حدّث إبراهيم الحربي، قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام، كأنه خارج من مسجد الرصافة، وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك؟.

قال: غفر لي وأكرمني.

فقلت: ما هذا الذي في كمك؟.

قال: قدم علينا روح أحمد بن حنبل، فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا مما التقطت.

قلت: فما فعل الله بيحيى بن معين، وأحمد بن حنبل؟.

قال: تركتهما وقد زارا رب العالمين، ووضعت لهما الموائد.

قلت: فلم لم تأكل معهما أنت؟.

قال: قد عرف هوان الطعام علي، فأباحني النظر إلى وجهه [الكريم].

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.