من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
المبرد أبو العباس محمد بن يزيد بن مالك بن الحارث الثمالي
الأزدي البصري، رام العلياء فنالها، وأمّ النجوم فأدنى منالها، فصار علما يعشى إلى ضوء ناره، وقمرا يهتدى بأنواره، تميّز في إعلام زاد صيته فهمّ على الغيوث السواكب وتزينت الأرض بهم زينة السماء بالكواكب، فشاع فضله، وشاء اللّه أن يمتد ظلّه، ففضل على إياس في ذكائه، وحفظ به الفضل بعد ذهاب دمائه، ولم تذهب
ساعة من أيامه إلاّ في محاضرة، ولا لفظة من كلامه إلاّ في مناظرة، إلى أن كان سهمه من الحظ موفرا، وقيل كلّ الصيد في جوف الفرا، فأخذ في كل فنّ، وشذّ وجود مثله في ظنّ، حتى كان إليه المرجع في كل مرام، والمبرّد الذي لا يخبو له ضرام. قلت. جرى مرة ذكر علم النحو وأهل العلم به، وانتصر رجل حضرنا لليزيدي وفضّله على المبرّد، وسئلت في ذلك فقلت:
لئن أصبحت أهل العلوم موارداويصدر عنها بالرواء ويورد
فورد اليزيديّ الذي ليس مثلهلديّ عطاش والشّراب المبرّد
قال ابن خلكان: نزل بغداد، وكان إماما في النحو واللغة، وله التواليف النافعة في الأدب، منها الكامل والروضة والمقتضب، أخذ عن المازني والسجستاني وأخذ عنه نفطويه وغيره، وكان المبرد وثعلب صاحب الفصيح عالمين متعاصرين قد ختم بهما تاريخ الأكفاء، وكان المبرد يحب الاجتماع بثعلب للمناظرة والاستكثار منه، وكان ثعلب يكره ذلك، ويمتنع منه، وكان المبرّد كثير النوادر. حكي أن المنصور ولى رجلا على الإجراء على العميان والأيتام والقواعد من النساء، فدخل عليه بعض المتخلفين ومعه ولده، فقال له: إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد، فقال له القواعد نساء، فكيف أثبتك فيهنّ، قال:
ففي العميان، قال: أما هذا فنعم؛ لأن الله تعالى يقول لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فقال: وتثبّت ولدي في الأيتام، فقال هذا أفعله أيضا، فإنه من تكن أنت أباه فهو يتيم وقد عناه ابن المعذل فقال:
سألنا عن ثمالة كلّ حيّفقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهمفقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لي المبرّد خلّ عنّافقومي معشر فيهم نذاله
وقال ابن خلكان: ويقال إنّ المبرّد قال هذه الأبيات لتحفظ [و] ليشتهر نسبه في ثمالة.
ولد المبرّد يوم عيد الأضحى سنة عشر، وقيل سنة سبع وثلاثين وتوفي في ذي الحجة سنة ست وثمانين، وقيل في ذي القعدة سنة خمس وثمانين ومئتين ببغداد. وفي ثعلب قال أبو
بكر بن العلاف:
ذهب المبرّد وانقضت أيّامهوليذهبن إثر المبرّد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفهخربا وباقي بيتها فسيخرب
فابكوا لما سلب الزمان ووطّنواللدّهر أنفسكم على ما تسلب
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسهإن كانت الانفاس مما يكتب
والمبرد لقب غلب عليه، قيل إنه كان عند بعض أصحابه، وإن صاحب الشرطة طلبه للمنادمة، فكره المبرّد ذلك، وألحّ الرسول عليه، وكان هناك مزملة لتبريد الماء فارغة، فدخل المبرّد فيها واختفى في غلاف المزملة، فدخل الرسول في تلك الدار وفتش على المبرّد فلم يجده، فلما مضى الرسول جعل صاحب الدار يصفق وينادي على المزملة المبرّد المبرّد وتسامع الناس بذلك فلهجوا به وصار لقبا عليه.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع