من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار
النحوي الشيباني بالولاء، أبو العباس المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في العربية. ذو أمد لا يغلب وصيد للشوارد لا يعرف [إلا] من ثعلب، لا يحاذر الصقر المحلّق، ولا يبادر السهم المخلّق، لأفعاله طراوة، ولمقاله طلاوة، ولم يوجد مثله بالأشقرا، ولا حصل مثله عند الفرا، ولا نظن إلاّ تغلّبه، ولا نعدّ في غير السباع ثعلبه. طالما قهر به المغالب، وودّت قمم
الأعداء لو أنها وجار الثعالب. فلم يزل مناظره معه يتغلب، ويعطيه حلاوة من طرف اللسان ويروغ كما يروغ الثعلب، فلم تعرف له أوقات فراغ، ولا وصف وصف ثعلب ذهب فراغ، فحمد رايته رأيه في مطلع ومغيب، وطلع عليه فقال: صباحك ثعلب ومساك ذيب.
قال ابن خلكان: كان إمام الكوفيين في النحو واللغة، وكان ثقة حجة صالحا مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية، ورواية الشعر القديم، مقدما منذ هو حدث. وكان ابن الأعرابي إذا شكّ في شيء قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا؛ ثقة بغزارة حفظه.
وكان يقول: نظرت في حدود الفرّاء وسنّي ثماني عشرة سنة وبلغت خمسا وعشرين سنة، وما قرئت عليّ إلا وأنا أحفظها.
وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ، قال لي ثعلب: يا أبا بكر اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ما ذا يكون حالي في الآخرة، فانصرفت من عنده فرأيت النبي ﷺ في تلك الليلة في المنام فقال لي: أقرئ أبا العبّاس عنّي السلام، وقل له أنت صاحب العلم المستطيل. قال أبو بكر: أراد أن الكلام به يكمل والخطاب به يحمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه. وكان له شعر. قال أبو بكر بن القاسم الأنباري: انشدني ثعلب ولا أدري هي لغيره أم لا.
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتهافكم تلبث النّفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضبّ في الماء أو كمايبقّي لدى ديمومة البيد حوتها
ولد في سنة مئتين لشهرين مضيا منها، وتوفي يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، سنة إحدى وتسعين ومئتين ببغداد.، وقيل إنه قال: رأيت المأمون لمّا قدم من خراسان في سنة أربع ومئتين، وقد خرج من باب الحديد يريد الرصافة والناس صفّان فحملني أبي على يده، وقال هذا المأمون وهذه سنة أربع فحفظت ذلك عنه إلى الساعة. وكان سبب وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب فصدمته فرس فألقته في هوّة، فأخرج منها وهو كالمختلط، فحمل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوه فمات ثاني يوم، وكتب إليه ابن المعتز:
ما وجد صاد في الجبال موثقبماء مزن بارد مصفّق
بالرّيح لم يطرق ولم ترنّقجادت به أخلاق دجن مطبق
في صخرة لم ترشمسا تبرقفهو عليها كالزّجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذقإلا كوجدي بك لكن أتّقي
يا فاتحا لكلّ باب مغلقوصيرفيّا ناقدا للمنطق
إن قال هذا بهرج لم ينفقإنّا على البعاد والتفرّق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتقإنّا على البعاد والتفرّق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق …
فأجابه من رقعة نحن كما قال، وفيه:
إني وإن [لم] ترني فإنّنيأراك بالغيب وإن لم ترني
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع