تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابن العلاف نديم المعتضد

وهو أبو بكر الحسن بن علي بن أحمد بن بشار نديم المعتضد، ومسايس ذلك

الأسد، وملاين صعاب تلك العريكة، ومجالس تلك الصمصامية على الأريكة، وكان ممن أجاد في الغناء، وجاء في ألحانه بقطع الروضة الغناء، وكان لا يغني إلا للمعتضد [ص] منفردا، ولا يسمع منه صوت إلا كالماء مطردا، ولم تنقل أصواته إلا من دفتر كان له دوّن فيه غناءه، وعرف به من بعده اعتناءه:

لعمرك إني في الحياة لزاهدوفي العيش مالم ألق أم حكيم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
من الخفرات البيض لم أر مثلهاشفاء لذي بث ولا لسقيم
للشاعر عبيدة اليشكري، اقرأ القصيدة
ولو شهدتنا يوم دولاب أبصرتطعان فتى في الحرب غير ذميم

والشعر لقطري بن الفجاءة، وروي لعمرو القنا، وروي لحبيب بن سهم، وقيل: بل لعبدة بن هلال اليشكري، ودولاب اسم قرية من أعمال الأهواز كانت بها حرب الأزارقة وابن عنبس بن كريز أيام ابن الزبير، والغناء فيه ثقيل أوّل مزموم، وذكره ابن خرداذبة ونسب صنعته إلى المعتضد، وقد نسب إليه عدة أصوات كثيرة، منها في شعر عمر بن أبي ربيعة:

رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيضحى وأما بالعشي فيخصر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»
أخا سفر جواب أرض تقاذفتبه فلوات فهو أشعث أغبر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»
قليل على ظهر المطية ظلهسوى ما نفى عنه الرداء المحبر

وكان الأصمعي يقول: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد، حتى سمع قوله هذا فقال: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر.

عدنا إلى ابن العلاف، ومن أصواته في شعره:

سرى طيف سعدى موهنا فاستقر بيهيوبا وصحبي بالفلاة رقود
ولما انتهينا للخيال الذي سرىإذا الدار قفر والمزار بعيد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعيلعل خيالا طارقا سيعود
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة

والبيت الثاني منسوب إلى المعتضد وباقيه لابن العلاف، وكان ينادم المعتضد، ويشرف في الاجتماع به ولا يقتصد.

وقد حكي أن المعتضد بعث إليه بخادم من خاصته في بعض الليالي، فقال:

إن أمير المؤمنين يقول لك: ارقب الليلة، فعملت بيتا من الشعر وأرتج عليّ تمامه، قال: [ص] وأنشد البيت، قال: فأجزته له، فمضى وعاد، فقال: أحسنت ووقع قولك على غرض أمير المؤمنين، وقد أمر لك بجائزة، وها هي، فدفعها إليّ، فقلت:

وآخر يأتي رزقه وهو نائم

قال: ثم أمرني فغنيت فيه، والغناء فيه خفيف الثقيل المزموم.

ومن الأصوات المنسوبة إليه:

يا من يحاكي البدر عند تمامهارحم فتى يحكيه عند محاقه
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أوليس من إحدى العجائب أنني»
أو ليس من إحدى العجائب أننيفارقته وبقيت بعد فراقه
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

والشعر له ويروى لغيره، والغناء فيه من الهزج المحمول، ولغيره فيه غناء:

أما ترى الليل قد ولت عساكرهمهزومة وجيوش الصبح في الطلب
والبدر في الأفق الغربي مطلعهمن فوق دجلة منحازا إلى الهرب
كأنما هو بالخط السوي بهاقد مدّ جسرا على الشطين من ذهب

والشعر لبعض الهاشميين والغناء فيه في الهزج المجنب، وللمختارين فيه غناء في الزريقي المطلق وفي هذا ذكره ابن ناقيا وقال:

وغنوا في هذا المذهب:

وخمار تخب إليه ليلاقلائص قد تعبن من النهار
فحمحم والكرى في مقلتيهلمخمور شكا ألم الخمار
أبن لي كيف صرت إلى حريميوجفن الليل مكتحل بقار
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «وخمار حططت إليه ليلا»
فقلت له ترفق لي فإنيرأيت الصبح من خلل الديار
فكان جوابه أن قال صبحولا صبح سوى ضوء العقار
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «وخمار حططت إليه ليلا»

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.