من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
إسحاق المنجم
وكان بدرا لا يتآكله المحاق، وجوادا لا يحاول به اللحاق، وبحرا في كل علم لا يشبه إلا بسميّه إسحاق، وكان يتحفّى بالغناء تحفي المنهمك في طلب المطالب، ويتكتم تكتم المأمون من أبيه حب آل أبي طالب، إلا أنه كان تلو
أخيه في اتساع الرواية وارتفاع الراية، ومن مشاهير أصواته:
ما يستحي أحد يقال لهنضلوك آل بويه أو فضلوا
فوق السّماء وفوق ما طلبوافإذا أرادوا غاية نزلوا
والشعر لأبي الطيب المتنبي، والغناء فيه في الهزج والمزموم، وكذلك صوته:
أرى ذلك القرب صار ازوراراوصار طويل السلام اختصارا
تركتني اليوم في خجلةأموت مرارا وأحيا مرارا
[ص] أسارقك اللحظ مستخفياوأزجر في الخيل مهري سرارا
وأعلم أني [إذا] ما اعتذرتأراد اعتذاري إليك اعتذارا
والشعر لأبي الطيب المتنبي، والغناء فيه ثقيل أول محمول.
قال ابن ناقيا: وفي هذا المذهب
أقول وقد أزمعو اللنوىعشية للبين حثوا المسير
يعز علي فراقي لكموإن كان سهلا عليكم يسير
ولإسحاق المنجم صوت هو من قلائده وفرائده، وهو:
أعددت للأعداء خيفانةمثل عقاب السرحة العادي
وأسمرا في رأسه أزرقمثل لسان الحية الصادي
أين محل الحي دون الغضاخبّر سقاك الرائح الغادي
والشعر لدعبل والغناء فيه من الرمل المسرح.
وذكر ابن ناقيا من أصواته في شعر أبي نواس:
إن كنت لست معي فالذكر منك معييراك قلبي إذا ما غبت عن بصري
العين تبصر من تهوى وتعدمهوناظر القلب لا يخلو من النظر
والغناء فيه من الرمل المزموم. ومن أصوات إسحاق بن المنجم أيضا:
نطوي الليالي علما أن ستطوينافشعشعيها بماء المزن واسقينا
وتوّجي بكؤوس الراح راحتنافإنما خلقت للراح أيدينا
والشعر للسّريّ بن أحمد بن السّريّ الرفاء الموصلي، والغناء فيه مطلق من الطريقة الرابعة من الرمل، وكان السّريّ من شعراء سيف الدولة، فحسده الخالديان فارتحل إلى بغداد قاصدا حضرة الوزير المهلبي، فارتحلا وراءه ودخلا على المهلبي وثلباه فلم يحظ بطائل، فأقام ورّاقا ببغداد إلى أن مات، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
ذكر أبو بكر الخطيب قال: أنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الجبار
قال: رأيت في منامي كأني دخلت [ص] دار عضد الدولة، ووصلت
إلى الصّفّة الكبيرة التي على البستان، فرأيته جالسا في صدرها، وبين يديه أبو عبد الله بن المنجم وهو يغني، فقال لي عضد الدولة: كيف تراه يغني، طيبا؟ فقلت: نعم، فقال: فاعمل له قطعة يغنيها، فانصرفت من حضرته، وجلست على طرف البستان، ومعي دواة وكاغد لأعمل وبدأت أفكر، فإذا الشيخ قد وافاني من عنده، وعليه رداء، فقال: ما ذا تصنع؟ قلت: أعمل قطعة لأبي عبد الله ابن المنجم يغني بها، فقال: فنتعاون عليها، فقلت: أفعل، فقال: إن شئت أن تعمل الصدور، وأعمل الأعجاز فافعل، فبدأت وقلت:
فبتنا وسادانا ذراع ومعصم
فقال في الحال:
وعضد على عضد وخدّ على خدّ
فقلت:
بكر التّشاكي في حديث كأنّه
فقال في الحال:
تساقط ذو [ب] العقد والعنبر الهندي
فقلت:
وقد لفّ جيدينا عناق مضيّق
فقال في الحال:
فلم تدر عين أيّنا لابس العقد
فقلت:
أضنّ على بدر السّماء بوجهها
فقال:
وأستره من أن يلاحظه جهدي
ثم قال: ألست تعلم أن قولك هذا في النوم، فقلت: بلى، فقال: كرّرها حتى تحفظها وتثبتها إذا انتبهت ولا تنسها، واخذ الرقعة بيده، وطفقت أقرأها عليه مرات حتى حفظتها، ثم انتبهت فعملت لها أولا مصوغا هو:
وزارت بلا وعد بنفسي التيتسير من الواشين في غابة الأسد
وبعد الأبيات:
إلى أن ثنت ريح الصبا من خمارهافأبصر أبهى منه منها [بلا] حمد
ولم أدر أن البدر أمسى متيمايجن بها ما في حشاي من الوجد
وكنت مروعا منه يفضح سرناولم أدر أن البدر يفضح من عندي
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع