تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة إلى سنة أربعين وخمس مئة

[في سنة إحدى ثلاثين وخمس ومئة] (¬*) عزل الحافظ وزيره بهرام الأرمني النصراني بسبب ما اعتمده من تولية الأرمن على المسلمين وإهانتهم لهم، وأنف من ذلك شخص يقال له رضوان بن الوكحشي، وجمع جمعا وقصد بهرام فهرب بهرام إلى الصعيد، ثم عاد وأمسكه الحافظ وحبسه بالقصر، ثم إن بهرام ترهب وأطلقه الحافظ، ولما هرب بهرام استوزر الحافظ رضوان المذكور

ولقبه الملك الأفضل، وهو أول وزراء المصريين لقب بالملك، ثم إنه فسد ما بين رضوان والحافظ فهرب رضوان وجرى له أمور يطول شرحها آخرها أن الحافظ قتل رضوان المذكور، ولم يستوزر بعده أحدا، وباشر الأمور بنفسه حتى مات.

وفيها، نازل عماد الدين زنكي حمص وبها صاحبها معين الدين أنر، فلم يظفر بها فرحل عنها في عشري شوال إلى بعرين وحصر قلعتها وهي للفرنج وضيق عليهم فجمع الفرنج ملوكهم ورجالهم وساروا ليرحّلوا زنكي عن بعرين، فلما وصلوا إليه قاتلهم واشتد القتال فانهزمت الفرنج ودخل كثير من ملوكهم لما هربوا إلى حصن بعرين، وعاود عماد الدين زنكي حصار الحصن وضيق عليه فطلبت الفرنج الأمان فقرر عليهم تسليم الحصن وخمسين ألف دينار يحملونها إليه، فأجابوا فأطلقهم وتسلم الحصن والذهب، وكان زنكي في مدة حصاره لبعرين قد فتح المعرّة وكفر طاب وأخذهما من الفرنج، وحضر أهل المعرة وطلبوا تسليم أملاكهم التي كان أخذها الفرنج، وطلب زنكي كتب أملاكهم فذكروا عدمها، فكشف من ديوان حلب عن الخراج وأفرج عن كل ملك كان عليه الخراج لأصحابه.

وفي سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة (¬*)، في المحرم وصل زنكي إلى حماة وسار منها إلى بقاع بعلبك فملك حصن المجدل وكان لصاحب دمشق، وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه وسار إلى حمص فحصرها، ثم رحل عنها إلى سلميّة بسبب نزول الروم على حلب على ما نذكره، ثم عاد إلى منازلة حمص فسلمت إليه المدينة والقلعة، وأرسل عماد الدين زنكي وخطب أم شهاب الدين محمود صاحب دمشق واسمها زمرد خاتون بنت جاولي، وهي

<التي> قتلت ابنها شمس الملوك إسماعيل بن بوري، وهي التي بنت المدرسة المطلة على وادي الشقراء بظاهر دمشق، وحملت الخاتون إلى عماد الدين في رمضان، وإنما تزوجها طمعا للاستيلاء على دمشق.

وفيها، خرج ملك الروم متجهزا من بلاده سنة إحدى وثلاثين، واشتغل بقتال الأرمن وفرنج أنطاكية.

فلما دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة سار إلى بزاعة، وهي على ستة

فراسخ من حلب وحاصرها وملكها بالأمان في خامس عشري رجب، ثم غدر بأهلها، وقتل منهم وأسر، وتنصر قاضيها وأربع مئة نفس من أهلها، وأقام على بزاعة بعد أخذها عشرة أيام ثم رحل عنها بمن معه من الفرنج إلى حلب ونزل على قويق، وزحف على حلب وجرى بينه وبين أهلها قتال كثير، فقتل من الروم بطريق عظيم عندهم، فعادوا خاسرين إلى الأثارب وملكوها وتركوا فيها سبابا بزاعة، وتركوا عندهم من الروم من يحفظهم، وسار ملك الروم بجموعه نحو شيزر فخرج الأمير أسوار نائب زنكي [بحلب بمن معه] وأوقع بمن في الأثارب من الروم فقتلهم واستفك أسارى بزاعة وسباياها، وسار ملك الروم بجموعه إلى شيزر وحصرها ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقا، فأرسل صاحبها أبو العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني إلى زنكي يستنجده فسار زنكي ونزل على العاصي بين حماة وشيزر، وكان يركب عماد الدين زنكي وعسكره كل يوم ويشرفون على الروم وهم محاصرون لشيزر بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا ويأخذون كل من وجدوه من الروم منفردا.

وأقام ملك الروم يحاصر شيزر أربعة وعشرين يوما ثم رحل عنها ولم ينل منها غرضا، وسار زنكي في أثر الروم فظفر بكثير ممن تخلف منهم، ومدح الشعراء زنكي بسبب ذلك، فمنه ما قاله مسلم بن خضر بن قسيم الحموي: <الوافر>

لعزمك أيها الملك العظيمتذلّ لك الصعاب وتستقيم
ألم تر أنّ كلب الروم لماتبين أنه الملك الرحيم
للشاعر ابن قسيم الحموي، من قصيدة «بعزمك أيها الملك العظيم»
وقد نزل الزمان على رضاهودان لخطبه الخطب العظيم
فحين رميته بك عن خميستيقّن فوت ما أمسى يدوم
كأنك في العجاج شهاب نورتوقّد وهو شيطان رجيم
للشاعر ابن قسيم الحموي، من قصيدة «بعزمك أيها الملك العظيم»
أراد بقاء مهجته فولىوليس سوى الحمام له حميم
للشاعر ابن قسيم الحموي، من قصيدة «بعزمك أيها الملك العظيم»

كان الراشد قد سار من بغداد إلى الموصل كما تقدم ذكره وخلع، ثم فارق الراشد زنكي وسار إلى مراغة، واتفق ملوك الأطراف والسلطان داود على خلاف مسعود وقتاله وإعادة الراشد إلى الخلافة، فسار السلطان مسعود إليهم واقتتلوا، فانهزم داود وغيره، واشتغل أصحاب مسعود بالكسب وبقي هو وحده، فحمل عليه أميران يقال لأحدهما [بوزابه] وللآخر عبد الرحمن طغا يرك فانهزم مسعود بين أيديهما، وقبض بوزابه على جماعة من أمرائه وعلى صدقة بن دبيس صاحب الحلّة وقتلهم أجمعين، وكان الراشد إذ ذاك بهمذان، فلما كان من تلك الوقعة ما كان سار السلطان داود إلى فارس وتفرقت تلك الجموع، وبقي الراشد وحده، فسار إلى أصفهان، فلما كان [الخامس والعشرون] من رمضان وثب عليه نفر من الخراسانية الذين في خدمته فقتلوه وهو يريد القيلولة، وكان من أعقاب مرض قد برئ منه، ودفن بظاهر أصبهان بشهر ستان، ولما وصل خبر قتل الراشد إلى بغداد جلسوا لعزائه يوما واحدا.

وفيها، ملك حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي صاحب ماردين قلعة الهتاخ من ديار بكر، أخذها من بعض بني مروان الذين كانوا ملوك ديار بكر جميعها وهو آخر من بقي منهم.

وفيها، قتل السلطان مسعود ألب قش شحنة بغداد.

وفيها، جاءت زلزلة عامة على جميع البلاد، فخربت مدنا كثيرة وهلك عالم كثير بالردم.

وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسين مئة (¬*)، في المحرم، سار السلطان سنجر بجموعه إلى خوارزم شاه أطسز بن محمد بن أنوش تكين، وقد تقدم ذكر ابتداء دولة محمد بن أنوش تكين سنة [تسعين وأربع مئة]، فخرج خوارزم شاه لقتال سنجر واقتتلوا فانهزم أطسز خوارزم شاه، واستولى سنجر على خوارزم وأقام بها من يحفظها وعاد إلى مرو في جمادى الآخرة من هذه السنة، وبعد أن عاد سنجر إلى بلاده عاد أطسز إلى خوارزم واستولى عليها.

وفيها، في شوال، قتل شهاب الدين محمود بن بوري بن طغتكين صاحب دمشق، قتله غيلة ثلاثة نفر من خواص غلمانه وأقرب الناس منه، وكانوا ينامون عنده فقتلوه وخرجوا هاربين من القلعة فنجا أحدهم وأخذ الإثنان وصلبا واستدعى معين الدين أنر أخاه جمال الدين محمد بن بوري وكان صاحب بعلبك فحضر إلى دمشق وملكها.

وفيها، في ذي القعدة، سار زنكي إلى بعلبك ووصل إليها في عشري ذي

الحجة وحصرها ونصب عليها أربعة عشر منجنيقا فطلب أهلها الأمان فأمنهم، وسلموا إليه المدينة، واستمر الحصار على القلعة حتى طلب أهلها الأمان أيضا فأمنهم وسلموا إليه القلعة، فلما ملكها غدر بهم وصلبهم عن آخرهم، واستقبح الناس ذلك واستعظموه وحذره الناس، وكانت بعلبك لمعين الدين أنر أعطاه إياها جمال الدين محمد لما ملك دمشق، وكان أنر قد تزوج بأم جمال الدين محمد صاحب دمشق، وكان له جارية يحبها فأخرجها أنر إلى بعلبك فلما [ملك] زنكي بعلبك أخذ الجارية وتزوجها في حلب وبقيت مع زنكي حتى قتل على قلعة جعبر، فأرسلها ابنه نور الدين محمود بن زنكي إلى أنر وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين محمود وبين أنر.

وفيها، توالت الزلازل بالشام وخربت كثيرا من البلاد لا سيما حلب، فإن أهلها فارقوها وخرجوا إلى الصحراء ودامت من رابع صفر إلى تاسع عشره.

وفي سنة أربع وثلاثين وخمس مئة (¬*)، سار عماد الدين زنكي إلى دمشق وحصرها وبذل لصاحبها جمال الدين محمد بعلبك وحمص فلم يأمنوا إليه بسبب غدره بأهل بعلبك، وكان نزوله على داريّا في ثالث عشر ربيع الأول، واستمر منازلا لدمشق فمرض في تلك المدة جمال الدين محمد بن بوري صاحب دمشق، ومات في ثامن شعبان، فطمع زنكي حينئذ في ملك دمشق وزحف عليها، واشتد القتال فلم ينل غرضا.

ولما مات جمال الدين محمد أقام معين الدين في الملك ولده مجير الدين أبق ابن محمد بن بوري بن طغتكين، واستمر يدبر أمر الدولة فلم يظهر لموت جمال

الدين أثر، ثم رحل زنكي ونزل بعذراء من المرج في سادس شوال، وأحرق عدة من قرى المرج ورحل إلى بلاده.

وفيها، ملك زنكي شهرزور وأخذها من صاحبها قبجق بن أرسلان، التركماني، وبقي قبجق في طاعة زنكي ومن جملة عسكره.

وفيها، قتل المقرب جوهر من كبراء عسكر السلطان سنجر، وكان قد عظم قدره في الدولة، وكان من جملة إقطاعه الري، قتله الباطنية، وقفوا له في زيّ النساء واستغاثوا به فوقف يسمع كلامهم فقتلوه.

وفي سنة خمس وثلاثين وخمس مئة (¬*)، وصل رسول السلطان سنجر ومعه البردة التي للنبي ﷺ والقضيب وكانا أخذا من الراشد فأعادهما الآن إلى المقتفي.

وفيها، ملك الإسماعيلية حصن مصياف بالشام، وكان واليه مملوكا لبني منقذ أصحاب شيزر فاحتالت عليه الإسماعيلية ومكروا به حتى صعدوا إليه وقتلوه وملكوا الحصن.

وفيها، توفي الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان قتيلا في فندق بمّراكش.

وفي سنة ست وثلاثين وخمس مئة (¬**)، كان المصاف العظيم بين الترك الكفار وبين السلطان سنجر، فإن خوارزم شاه آطسز بن محمد لما هزمه سنجر وقتل ولده عظم عليه وكاتب الخطا وأطمعهم في ملك ما وراء النهر، فساروا في أربع مئة <ألف> مقاتل، وسار إليهم السلطان سنجر فهزموه وقتلوا من أصحابه

[خلقا عظيما]. وأسروا امرأة سنجر، ولما تمت الهزيمة على المسلمين سار خوارزم شاه آطسز إلى خراسان ونهب من أموال سنجر ومن بلاده [شيئا كثيرا] فاستقرت دولة الخطا والترك الكفار بما وراء النهر.

وفي سنة سبع وثلاثين وخمس مئة (¬*)، جهز عماد الدين زنكي جيشا ففتحوا قلعة آشب، وكانت من أعظم حصون الأكراد الهكّاريّة وأمنعها، ولما ملكها زنكي أمر بإخرابها وبناء القلعة العمادية عوضا عنها وكانت العمادية حصنا عظيما خرابا فلما عمرها عماد الدين سماها العمادية نسبة إليه.

وفيها، سارت الفرنج في البحر من صقلّية إلى طرابلس الغرب فحصروها ثم عادوا عنها.

وفيها، قتل محمد بن الدانشمند صاحب ملطية والثغر، واستولى على بلاده الملك مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب قونية.

وفي سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة (¬**)، كان الصلح بين السلطان مسعود وبين عماد الدين زنكي.

وفيها، سار زنكي بعساكره إلى ديار بكر ففتح منها طنزة وإسعرد وحيزان وحصن الروق وحصن قطليس وحصن باتاسا وحصن ذي العرنين، وأخذ من بلاد ماردين ما هو بيد الفرنج جملين والموزّر وتل الموزّر من حصون شبختان.

وفيها، سار السلطان سنجر بعساكره إلى خوارزم فحصر آطسز بها فبذل

خوارزم شاه أطسز الطاعة فأجابه سنجر واصطلحا وعاد سنجر إلى مرو.

وفيها، ملك زنكي عانة من أعمال الحديثة.

وفيها، قتل داود بن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه قتله جماعة اغتالوه ولم يعرفوا.

وفي سنة تسع وثلاثين وخمس مئة (¬*)، فتح عماد الدين زنكي الرّها من الفرنج بالسيف بعد حصار ثمانية وعشرين يوما، ثم تسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات.

وأما البيرة فنزل عليها وحاصرها ثم رحل عنها بسبب قتل نائبه بالموصل، وهو نصير الدين جقر، وسبب قتله أنه كان عند زنكي ألب أرسلان بن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه، وكان زنكي يقول: إن البلاد التي بيدي إنما هي

لهذا الملك المذكور ألب أرسلان بالموصل، وجقر يقوم بوظائف خدمته، فحسن بعض المناحيس لألب أرسلان قتل جقر وأخذ البلاد من عماد الدين زنكي، فلما دخل جقر إلى ألب أرسلان على عادته فوثب من عند ألب أرسلان على جقر وقتلوه، واجتمع كبراء دولة زنكي وقبضوا على ألب أرسلان ولم يطعه أحد، ولما بلغ زنكي ذلك وهو محاصر البيرة عظم عليه قتل جقر وخشي من الفتن، فرحل عن البيرة لذلك وخشي الفرنج الذين بها من معاودة الحصار، وعلموا بضعفهم عن عماد الدين فراسلوا نجم الدين صاحب ماردين وسلموا البيرة إليه، فصارت للمسلمين.

وفيها، خرج أسطول الفرنج من صقلية إلى ساحل أفريقية فملكوا مدينة برسك وقتلوا أهلها وسبوا الحريم.

وفيها توفي تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب، وولي بعده أخوه إسحاق بن علي وضعف أمر الملثمين، وقوي عبد المؤمن، وقد تقدم ذلك سنة أربع عشرة وخمس مئة.

وفي سنة أربعين وخمس مئة (¬*)، هرب علي بن دبيس بن صدقة من السلطان مسعود، وكان أراد حبسه في قلعة تكريت، فهرب إلى الحلّة واستولى عليها، وكثر جمعه وقويت شوكته.

وفيها، اعتقل الخليفة المقتفي أخاه أبا طالب وضيق عليه، واحتاط على غيره من أقاربه.

وفيها، ملك الفرنج شنترين وتاجر وماردة وأشبونة وسائر المعاقل المجاورة لها من بلاد الأندلس.

وفيها توفي مجاهد الدين بهروز، وحكم في العراق نيفا وثلاثين سنة، وكان خصيا أبيض.

تم هذا الجزء، ويتلوه:

سنة إحدى وأربعين وخمس مئة ذكر ملك الفرنج طرابلس وسبب ذلك …

الحمد لله وحده، وصلواته على نبينا محمد وآله وصحبه وسلامه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

كتبه محمد بن شكر (شاكر؟) الشافعي في صفر (؟) سنة هجرية.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.