من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
من أخبار الحطيئة وذكر المختار من شعره
ولقي الزبرقان بن بدر - وهو قاصد بصدقات قومه إلى أبي بكر الصديق ﵀ الحطيئة في طريقه، فقال له الزبرقان: من أنت? فقال: أنا أبو مليكة، أنا حسب موضوع، فقال له الزبرقان: إني أريد هذا الوجه، ومالك منزلٌ، فامض إلى منزلي بهذا السهم، فسل عن القمر بن القمر، وكن هناك حتى أود إليك، ففعل فأنزلوه وأكرموه، فأقام فيهم فحسدهم عليه بنو عمهم من بني قريع، وذلك أن الزبرقان من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعدٍ بن زيد مناة بن تميم، وحاسدوه بنو قريع بن عوف بن كعب بن سعدِ، ولم يكن لعوف إلا قريقع وعطارد وبهدلة. وكان الذين حسدوه منهم بنو لأي بن شماس بن أنف الناقة بن قريع فدسوا إلى الحطيئة: أن تحول إلينا نعطط مائة ناقةٍ، ونشد كل طنب من أطناب بيتك بجلة بحونةٍ، قال: فأنى لي بذلك! قالوا: إنهم يريدون النجعة فإذا احتملوا فتخلف عنهم، ثم دسوا إلى امرأة الزبرقان من خبر بأن الزبرقان إنما قدم هذا الشيخ ليتزوج ابنته، فقدح ذلك في قلبها، فلما تحمل القوم تخلف الحطيئة، فاحتمله القريعيون، فبنوا له ووقوا له، فلما جاء الزبرقان صار إليهم، فقال: ردوا علي جاري، فقالوا: ليس لك بجارٍ وقد طرحته؛ فذلك حيث يقول الحطيئة:
وإن التي نكبتها عن معاشرٍعلي غضاب أن صددت كما صدوا
أتت آل شماسٍ بن لأيٍ وإنماأتاهم بها الأحلام والحسبُ العد
فإن الشقي من تعادي صدروهموذا الجد من لانوا إليه من ودوا
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتهاوإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكمُمن اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البناوإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
ون كانت النعماء فيهم جزوا بهاوإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وإن قال مولاهم على جل حادثٍمن الدهر ردوا فضل أحلامكم، ردوا
وتعذلني أفناء سعدٍ عليهموما قلت إلا بالذي علمتُ سعدُ
قوله: "جلة بحونة": أي خمة، يقال ذلك للناقة والنخلة إذا استفحلت وطالت.
وقوله: نكبتها يقول: عدلت بها.
وقوله: "والحسب العدُّ" معناه: الجليل الكثير، وأصل ذلك في الماء: يقال بئر عد، إذا كانت ذات مادة من العيون لا تنقطع وكل ماء ثابت فهو عد.
وقوله:
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها
يقول: ثقال لا يبلغ آخرها، وأصل الأناة من التأني والانتظار، يقول: لا يبلغ آخرها فتسفه.
وقوله:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا
وإن شئت قلت "البنا" فهما مقصوران، يقال: بنى بنية وبُنية فجمع بنيةٍ بنى
وجمع بنيةٍ بنى فبنيةٌ وبنى ككسرةٍ وكسرٍ، وبنيةٌ وبنى كظلمة وظلم، فأما المصدر من بنيت فممدود، يقال بنيته بناء حسناً، وما أحسن بناءك.
وقوله: "وإن عاهدوا أوفوا" أوفى، أحسن اللغتين، يقال وفى وأوفى. قال الشاعر – فجمع [بين] اللغتين:
أماابن بيض فقد أوفى بذمتهكماوفى بقلاص النجم حاديها
وفي القرآن: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾، وقال الله ﵎: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ وقال ﷿: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.
فهذا كله على أوفى. وقال رسول الله ﷺ فيما روي من أنه قتل مسلماً بمعاهد، وقال: "أنا أولى من أوفى بذمته".
وقال السموأل في اللغة الأخرى:
وفيت بأدرع الكندي إنيإذا عاهدت أقواماً وفيت
وقال المكعبر الضبي:
[قال أبو الحسن: حفظي "المكعبر"]:
وفيت وفاء لهم ير الناس مثلهبتعشار إذ تحبو إلي الأكابر
وقوله:
وإن كانت النغماء فيهم جزوا بهاوإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
يقول ما قال جرير مثله:
وإني لأستحيي أخي أن أرى لهعلي من الحق الذي لا يرى ليا
يقول: أستحيي أن أرى نعمته علي ولا يرى على نفسه لي مثلها.
وقوله: "على جل حادث" فهو الجليل من الأمر، ويقال: فلان يدعى للجلى، قال طرفة:
وإن أدع للجلى أكن من حماتها
وفيهم يقول الحطيئة:
لقد مريتكم لو أن درتكميوما يجيء بها مسحي وإبساسي
لما بدا لي منكم غيب أنفسكمولم يكن لجراحي فيكم آسي
أزمعت يأساً مبيناً من نوالكمولا ترى طارداً للحر كالياس
ما كان ذنب بغيض لا أبالكمفي بائس جاء يحدوا آخر الناسِ
جارٍ لقوم أطالوا هون منزلهِوغادروه مقيماً بين أرماسِ
ملوا قراه وهرته كلابهموجرحوه بأنيابٍ وأضراسِ
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناسِ
قوله: "لقد مريتكم" أصل، المري المسح، يقال مريت الناقة، إذا مسحت ضرعها لتدر، ويقال: مرى الفرس والناقة إذا قام أحدهما على ثلاثٍ ومسح الأرض بيده الأخرى، قال الشاعر:
إذا حط عنها الرحل ألقت برأسهاإلى شذب العيدان أو صنفت تمري
وهذا من أحسن أوصافها.
وقال بعض المحدثين يصف برذوناً بحسن الأدب.
وإذا احتبى قربوسه بعنانهعلك اللجام إلى انصراف الزائر
ويقال: مراه مائة سوطٍ ومائة درهم؛ إذا أوصل ذلك إليه، ولمراهُ موضع آخر، ومعناه مراه حقه؛ إذا دفعه عنه ومنعه منه، وقد قرىء ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾، أي تدفعونه، وعلى في موضع عن قال العامري:
إذا رضيت علي بنو قشيرلعمر الله أعجبني رضاها
وبنو كعب بن ربيعة بن عامر يقولون: رضي الله عليك.
وأما الإبساس فأن تدعو الناقة باسمها، أوتلين لها الطريق إلى الحلب، بقول أو مسح أو ما أشبه ذلك، فذا كانت الناقة تدر على الدعاء والملق قيل: ناقة بسوسُ، وذلك من صفاتها في حسن الخلق.
وقوله:
ولم يكن لجراحي فيكم آسي
يقول: مداوٍ، الآسي: الطبيب، قال الفرزدق يصف شجة:
إذا نظر الآسون فيها تقلبتحماليقهم من هول أنيابها العصل
والإساء الدواء، ممدودٌ، وقال الحطيئة:
هم الآسون أم الرأس لماتواكلها الأطبة والإساءُ
فأما الأسي فمقصور، وهو: الحزن، ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وقال العجاج:
يا صاح هل تعرف رسماً مكرساقال نعم أعرفهُ، وأبلسا
وأنحلبت عيناه من فرط الأسى
فإذا قلت: "الأسى" قصرت أيضاً، وهو جمع أسوة، يقال فلان أسوتي وقدوتي. قال الله جل وعزَّ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
والرَّمس: التراب، يقال: رمسَ فلانٌ في قبره.
وأشعار الحطيئة في هذا الكتاب كثيرة، ولولا أنها معروفة مشهورة لأتينا على آخرها، ولكنا نذكر منها شيئاً مختاراً.
فمن ذلك قوله:
جزى الله خيراً والجزاء بكفهعلى خير ما يجزي الرجال بغيضا
فلو شاء إذا جئناه فلم يلموصادف منا في البلاد عريضا
يقول: كثرت محاسنه حتى كذب ذامه، فاستغنى عن أن يكثر مادحه، ثقة بأن هاجيه غير مصدقٍ، فاعتبر هذا الكلام، فإنك تجده رأساً في بابه.
ومن ذلك قوله:
وإني قد علقتُ بحبل قومأعانهم على الحسب الثراء
إذا نزل الشتاء بجار قومتجنب جار بيتهم الشتاءُ
همُ الآسون أم الرأس لماتواكلها الأطبة والإساءُ
ثم قال يخاطب الزبرقان ورهطه:
ألم أك نائياً فدعوتمونيفجاء بي المواعد والدعاءُ
فلما كنت جاركم أبيتموشر مواطن الحسب الإباءُ
ولما كنت جارهم حبونيوفيكم كان لو شئتم حباءُ
فلما أن مدحت القوم قلتمهجوت، وهل يحل لي الهجاءُ!
ولم أشتم لكم حسباً ولكنحدوت بحيث يستمع الحداءُ
ويروى أن الحطيئة - واسمه جرول بن أوس ويكنى: أبا مليكة - مر بحسان بن ثابتٍ وهو ينشدُ:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
[ش: أدخله سيبويه ﵀ على أن "الجفنات" من الجمع الكثير].
فالتفت إليه، فقال: كيف ترى? فقال: ما أرى بأساً، قال حسان: انظروا إلى [هذا] الأعرابي يقول: ما أرى بأساً، أبو من? قال: أبو مليكة، قال حسان: ما كنت علي أهون منك حيث اكتنيت بامرأة! ما أسمك? قال: الحطيئة، قال: امضِ بسلامٍ.
وكان الحطيئة في حبس عمر بن الخطاب ﵀، باستدعاء الزبرقان عليه في هذه القصة، ولعمر يقول:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرححمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةفاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبهألقت إليك مقاليد النُّهى البشر
ما آثروك بها إذ قدّموك لهالكن بك استأثروا إذ كانت الأثر
ويرى عن أبي زيد الأنصاريّ أنه قال: ويرى الأثر والواحدة أثرة وإثرة؛ ومعناه الاستئثار.
فرقّ له عمر فأخرجه، فيروى أنّ عمر ﵀ دعا بكرسيّ فجلس عليه، ودعا بالحطيئة فأجلسه بين يديه، ودعا بإشفى وشفرة، يوهمه أنه على قطع لسانه، حتى ضجّ من ذاك، فكان فيما قال له الحطيئة: يا أمير المؤمنين؛ إني والله قد هجوت أبي وأمي، وهجوت امرأتي، وهجوت نفسي. فتبسم عمر ﵀، ثم قال: فما الذي قلت? قال: قلت لأبي وأمي - والمخاطبة للأمّ:
ولقد رأيتك في النساء فسؤتنيوأبا بنيك فساءني في المجلس
وقلت لها:
تنحّي فاجلسي منّي بعيداًأراح الله منك العالمينا
أغربالاً إذا استودعت سرّاًوكانوناً على المتحدّثينا
وقلت لامرأتي:
أطوّف ما أطوف ثم آويإلى بيت قعيدته لكاع
فقال له عمر ﵀: فكيف هجوت نفسك? فقال: اطّلعت في بئر فرأيت وجهي فاستقبحته، فقلت:
أبت شفتاي اليوم ألاّ تكلّمابسوء فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً قبّح الله خلقهفقبّح من وجه وقبّح حامله
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع