من «طبقات فحول الشعراء» لمحمد بن سلام الجمحي (ت ٢٣٢هـ)
الطَّبَقَة الْخَامِسَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أَبُو زبيد الطَّائِي واسْمه حَرْمَلَة بن الْمُنْذر
والعجير بن عبد الله بن عُبَيْدَة بن كَعْب بن عَائِشَة بن الرّبيع بن ضبيط بن جَابر بن عبد الله بن سلول
وَعبد الله بن همام السَّلُولي
ونفيع بن لَقِيط الْأَسدي
أَنا أَبُو خَليفَة نَا مُحَمَّد بن سَلام أخبرنَا أَبُو الغراف قَالَ كَانَ أَبُو زبيد الطَّائِي من زوار الْمُلُوك ولملوك الْعَجم خَاصَّة وَكَانَ عَالما بسيرهم وَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان يقربهُ على ذَلِك ويدنيه ويدني مَجْلِسه وَكَانَ نَصْرَانِيّا
فَحَضَرَ ذَات يَوْم عُثْمَان وَعِنْده الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فتذاكروا مآثر الْعَرَب وَأَشْعَارهَا فَالْتَفت عُثْمَان إِلَى أبي زبيد فَقَالَ يَا أَخا تبع الْمَسِيح أسمعنا بعض قَوْلك فقد أنبئت أَنَّك تجيد فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا
من مبلغ قومِي النائين إِذْ شحطواأَن الْفُؤَاد إِلَيْهِم شيق ولع
وَوصف فِيهَا الْأسد فَقَالَ عُثْمَان تالله تفتأ تذكر الْأسد مَا حييت وَالله إِنِّي لأحسبك جَبَانًا هدَانَا فَقَالَ كلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِنِّي رَأَيْت مِنْهُ منْظرًا وَشهِدت مِنْهُ مشهدا لَا يبرح ذكره يَتَجَدَّد فِي قلبِي ومعذور أَنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ غير ملوم
فَقَالَ عُثْمَان وأنى كَانَ ذَلِك قَالَ خرجت فِي صيابة أَشْرَاف من أفناء قبائل الْعَرَب ذَوي هَيْئَة وشارة حَسَنَة ترتمي بِنَا المهارى بأكسائها وَنحن نُرِيد الْحَارِث بن أبي شمر الغساني ملك الشَّام فاخروط بِنَا الْمسير فِي حمارة القيظ حَتَّى إِذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت الْمِيَاه وأذكت الجوزاء المعزاء وذاب الصيهد وصر الجندب وضاف العصفور الضَّب فِي جُحْره أَو قَالَ فِي وجاره قَالَ قائلنا يَا أَيهَا الركب غوروا بِنَا فِي ضوج هَذَا الْوَادي
وَإِذا وَاد قديد يمتنا كثير الدغل دَائِم الغلل شجراؤه مغنة وأطياره مرنة فحططنا رواحلنا فِي أصُول دوحات كنهبلات فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها المَاء الْبَارِد فَأَنا لنصف حر يَوْمنَا ذَلِك ومماطلته إِذْ صر أقْصَى الْخَيل أُذُنَيْهِ وفحص الأَرْض بيدَيْهِ
فو الله مالبث أَن جال ثمَّ حمحم فَبَال وَفعل فعله الَّذِي يَلِيهِ وَاحِدًا فواحدا فتضعضعت الْخَيل وتكعكعت الْإِبِل وتقهقرت البغال فَمن نافر بشكاله وناهض بعقاله فَعلمنَا أَن قد أَتَيْنَا وَأَنه السَّبع فَفَزعَ كل امرىء منا إِلَى سَيْفه فاستله من جربانه ثمَّ وقفنا رزدقا فَأقبل يتظالع من بغيه كَأَنَّهُ مجنوب أَو فِي هجار لصدره نحيط ولبلاعيمه غطيط ولطرفه وميض ولأرساغه نقيض كَأَنَّمَا يخبط هشيما وَإِنَّمَا يطَأ صريما فَإِذا هَامة كالمجن وَإِذا خد كالمسن وعينان سجراوان كَأَنَّهُمَا سراجان يقدان وقصرة ربلة ولهزمة رهلة وكتد مغبط وزور مفرط وساعد مجدول وعضد مفتول وكف شثنة البراثن إِلَى مخالب كالمحاجن
فَضرب بيدَيْهِ فأرهج وكشر فأفرج عَن أَنْيَاب كالمعاول مصقولة غير مفلولة وفم أشدق كالغار الأخرق ثمَّ تمطى فأشرع بيدَيْهِ وحفز وركيه برجليه حَتَّى صَار ظله مثلَيْهِ
ثمَّ أقعى فاقشعر ثمَّ تميل فاكفهر ثمَّ تجهم فازبأر فَلَا وَالَّذِي بَيته فِي السَّمَاء مَا انفيناه إِلَّا بِأول أَخ لنا من بني فَزَارَة كَانَ ضخم الجزارة فوقصه ثمَّ نفضه نفضه فقضقض متنيه ثمَّ جعل يلغ فِي دَمه فذمرت أَصْحَابِي فَبعد لأي مَا استقدموا فهجهجنا بِهِ فكر مقشعرا بزبرة كَأَن بَين كَتفيهِ شيهما حوليا فاختلج رجلا أعجر ذَا حوايا فنفضه نفضة تزايلت مفاصله ثمَّ نهم ففرفر ثمَّ زفر فبربر ثمَّ زأر فجرجر ثمَّ لحظ فوَاللَّه لخلت الْبَرْق يتطاير من تَحت جفونه من عَن شِمَاله وَيَمِينه فأرعشت الْأَيْدِي واصطكت الأرجل وأطت الأضلاع وارتجت الأسماع وحمجت الْعُيُون وَلَحِقت الْبُطُون وانخزلت الْمُتُون وَسَاءَتْ الظنون فَقَالَ عُثْمَان اسْكُتْ قطع الله لسَانك فقد رعبت قُلُوب الْمُؤمنِينَ
وَقَالَ يصف الْأسد
فَبَاتُوا يدلجون وَبَات يسريبَصِير بالدجى هاد هموس
إِلَى أَن عرسوا وأغب عَنْهُمقَرِيبا مَا يحس لَهُ حسيس
خلا أَن الْعتاق من المطاياحُسَيْن بِهِ فهن إِلَيْهِ شوس
فَلَمَّا أَن رَآهُمْ قد تدانواأَتَاهُم وسط أرحلهم يميس
فثار الزاجرون فَزَاد مِنْهُمتقرابا وواجهه ضبيس
بنصل السَّيْف لَيْسَ لَهُ مجنفصد وَلم يصادفه جبيس
فَيضْرب بالشمال إِلَى حشاهوَقد نَادَى فأخلفه الأنيس
بسمر كالمحاجن فِي قنوبيَقِيهَا قضة الأَرْض الدخيس
فَخر بِالسَّيْفِ وَاخْتلفت يَدَاهُوَكَانَ بِنَفسِهِ وقيت نفوس
فطار الْقَوْم شَتَّى والمطاياوغودر فِي مَكْرهمْ الرئيس
وجال كَأَنَّهُ فرس صَنِيعيجر جَلَاله ذبل شموس
كَأَن بنحره وبساعديهعبيرا بَات تعبؤه عروس
فَذَلِك إِن تفادوه تفادواوَيصرف عَنْكُم أَمر شكيس
وحَدثني أبي سَلام عَمَّن حَدثهُ أَن رجلا من طَيء من بني حَيَّة نزل بِهِ رجل من بني الْحَارِث بن ذهل بن شَيبَان يُقَال لَهُ المكاء فذبح لَهُ شَاة وسقاه من الْخمر فَلَمَّا سكر الطَّائِي قَالَ هَلُمَّ أفاخرك أبنو حَيَّة أكْرم أم بَنو شَيبَان فَقَالَ لَهُ الشَّيْبَانِيّ حَدِيث حسن ومنادمة كَرِيمَة أحب إِلَيْنَا من الْمُفَاخَرَة فَقَالَ الطَّائِي وَالله مَا مد رجل قطّ يدا أطول من يَدي فَقَالَ الشَّيْبَانِيّ وَالله لَئِن أعدتها لأخضبنها من كوعها فَرفع الطَّائِي يَده فخضبها من كوعها فَقَالَ أَبُو زبيد فِي ذَلِك
خبرتنا الركْبَان أَن قد فخرتموفرحتم بضربة المكاء
ولعمري لعارها كَانَ أدنىلكم من تقى وَحسن وَفَاء
ظلّ ضيفا أخوكم لأخينافِي صبوح ونعمة وشواء
ثمَّ لما رَآهُ رانت بِهِ الْخمروَأَن لَا يرِيبهُ باتقاء
لم يهب حُرْمَة النديم وحقتيالقوم للسوأة السوآء
وَقَالَ حِين عزل الْوَلِيد بن عقبَة بن أَبى معيط عَن الْكُوفَة وحملت أثقاله
من يرى العير لِابْنِ أروى على ظهرالمرورى حداتهن عِجَال
مصعدات وَالْبَيْت بَيت أبي وهبخلاء تحن فِيهِ الشمَال
يعرف الْجَاهِل المضلل أَن الدَّهْرفِيهِ النكراء والزلزال
لَيْت شعري كَذَا كم الْعَهْد أم كَانُواأُنَاسًا كمن يَزُول فزالوا
بعد مَا تعلمين يَا أم زيدكَانَ فيهم عز لنا وجمال
أصبح الْبَيْت قد تبدل بالحيوُجُوهًا كَأَنَّهَا أقتال
غير مَا طَالِبين ذحلا وَلَكِنمَال دهر على أنَاس فمالوا
كل شىء تحتال فِيهِ الرِّجَالغير أَن لَيْسَ للمنايا احتيال
في هذا الباب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع