من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)
نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى
ولنتبع ذكر المعاني، وهو القسم الرابع من أقسام الشعر المفردات: ذكر الأربعة المركبات، التي قدمنا القول فيها في أول الكتاب، ولنبدأ بأولها وهو:
نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى.
ومن أنواع ائتلاف اللفظ مع المعنى المساواة.
المساواة:
وهو أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى، حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، وهذه هي البلاغة التي وصف بها بعض الكتاب رجلاً فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر، وذلك مثل قول امرئ القيس:
فإن تكتمُوا الداءَ لا نخفهِوإن تبعَثُوا الحربَ لا نقعدِ
وإن تقتلونَا تقتلكمُوإن تقصدُوا لدمٍ نقصدِ
وأعددتُ للحربَ وثابةًجوادَ المحثةِ والمردودِ
ومثل قول زهير:
ومهمَا تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍوإن خالهَا تخفَى على الناسِ تعلمِ
ومثل قوله:
إذا أنتَ لم تقصرْ عن الجهلِ والخنَاأصبتَ حليماً أو أصابكَ جاهلُ
ومثل قوله:
سعَى بعدهمْ قومٌ لكي يدركوهمُفلم يدركُوا ولم يليمُوا ولم يألُوا
ومثل قول طرفة:
لعمركَ إن الموتَ ما أخطأَ الفتَىلكالطولِ المرخَى وثنياهُ باليدِ
ستبدِى لك الأيامُ ما كنتَ جاهِلاًويأتيكَ بالأخبارِ منْ لم تزودِ
ومثله قول خالد بن زهير ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي:
فلا تجزعنْ من سنَّةٍ أنتَ سرتَهافأولُ راضٍ سنة من يسيرُها
ومثل قول ليلى الأخيلية:
فلا يبعدنكَ الله يا توبَ إنّمالقاءُ المنايَا دارِعاً مثل حاسرِ
ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإشارة:
الإشارة:
وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة بإيماء إليها أو لمحة تدل
علياه، كما قال بعضهم، وقد وصف البلاغة، فقال: هي لمحة دالة، وذلك مثل امرئ القيس:
فإنْ تهلكْ شنوءةُ أو تبدلْفسيري إن في غسانَ خَالا
بعزهمُ عززتِ وإن يذلُّوافذلهمُ أنالكِ ما أنالا
فبنية هذا الشعر على أن ألفاظه، مع قصرها، قد أشير بها إلى معان طوال، فمن ذلك قوله: تهلك أو تبدل، ومنه قوله: إن في غسان خالا، ومنه ما تحته معان كثيرة وشرح طويل، وهو قوله: أنالك ما أنالا. ومثل قول طرفة:
موضوعها زول ومرفوعهاكمر غيث لجب وسط ريح
فقوله زول: مشار به إلى معان كثيرة، وهو شبيه بما يقول الناس في إجمال نعت الشيء واختصاره: عجب، ومثل قول إسماعيل ابن يسار النساء:
هاج ذا القلب من تذكر جملما يهيج المتيم المحزونا
فقد أشار هذا الشاعر بوله: ما يهيج المتيم المحزونا، إلى معان كثيرة. ومثل قول امرئ القيس:
على هيكل يعطيك قبل سؤالهأفانين جري غير كز ولا وان
فقد جمع بقوله: أفانين جري، على ما لو عد لكان كثيراً، وضم إلى ذلك أيضاً جميع أوصاف الجودة في هذا الفرس، وهو قوله: قبل سؤاله، أي يذهب في هذه الأفانين طوعاً ن غير حث، وفي قوله: قوله: غير كز ولا وان، ينفي عنه أن يكون معه الكزازة من قبل الجماح والمنازغة، والونى من قبل الاسترخاء والفترة.
ومثل قولا امرئ القيس أيضاً يصف ذئباً:
فظل كمثل الخشف يرفع رأسهوسائره مثل التراب المدفق
وجاء خفياً يسفن الأرض بطنهترى الترب منه لازقاً كل ملزق
ففي هذا الشعر إجمال للمعاني كثير، وأوكد ما فيه من ذلك قوله: لازقاً كل ملزق. ومثل قول زهير:
فإني لو لقيتك واتجهنالكان لكل منكرة كفاء
ومثل قول أوس بن حجر:
فإن يهو أقوام ردائي فإننييقيني الإله ما وقى وأصادف
ومثل قول قتادة بن طارق المازني من الأزد:
اهاجك ربع قد تحمل حاضره وأوحش بعد الحي منه مناظرهيقول: ما تنظر إلى موضع منه إلا ذكرت فيه من الأنس بمن كان يحله منا قد أوحش في هذا الوقت بخلوه منه، وللعامرية:
كيف الفخار وقد كانوا لنسوتكميوم النسار، بنو ذبيان، أربابا
إذ جز ناصيتي حصن وأعتقنيوذاك شيب مني اليوم ما شابا
ولامرئ القيس:
فظل لنا يوم لذيذ بنعمةفقل في مقيل تحسه متغيب
ولامرأة من عكل:
يا ابن الدعى إنها عكل فقف
لتعلمن اليوم إن لم تنصرف
أن الكريم واللئيم مختلف
ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإرداف:
الإرداف:
وهو أن يريد الشعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع به، فإذا دل على التابع أبان عن المنبوع، بمنزلة قول ابن أبي ربيعة:
بعية مهوى القرط إما لنوفلأبوها وإما عبد شمس وهاشم
وإنما أراد هذا الشاعر أ، يصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل أتى بمعنى تابع لطول الجيد، وهو بعد مهوى القرط.
ومثل قول امرئ القيس:
ويضحي فتيت المسك فوق فراشهاتؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
وإنما أراد امرؤ القيس أن يذكر ترفه هذه المرأة وأن لها من يكفيها، فقال: نؤرم الضحى، وإن فتيت المسك يبقى إلى الضحى فوق فراشها، وكذلك سائر البيت، أي
هي لا تنتطق لتخدم، ولكنها في بيتها متفضلة، ومعنى عن في هذا البيت معنى: من بعد. وكذلك قوله:
وقد أغتدي والطير في وكناتهابمنجرد قيد الأوابد هيكل
فإنما أراد أن يصف هذا الفرس بالسرعة وأنه جواد، فلم يتكلم باللفظ بعينه، ولكن بأردافه ولواحقه التابعة له، وذلك أن سرعة إحضار الفرس يبعها أن تكون الأوابد، وهي الوحوش، كالمقيدة له إذا نحا في طلبها.
والناس يستجيدون لامرئ القيس هذه اللفظة، فيقولون: هو اول من قيد الأوابد، وإنما غزا بها الدلالة على جودة الفرس وسرعة حضره، فلو قال ذلك بلفظه لم يكن الناس من الاستجادة لقوله مثلهم عند إتيانه بالردف له.
وفي هذا برهان على أن وضعنا الإرداف من أوصاف الشعر ونعوته واقع بالصواب.
ومنه قول ليلى الأخيلية:
ومخرق عنه القميص تخالهبين البيوت من الحياء سقيما
فإنما أرادت وصفه بالجود والكرم، فجاءت بالأرداف والتوابع لهما، أما ما يتبع الجود، فإن تخرق قميص هذا المنعوت فسر أن العفاة تجذبه فتخرق قميصه من مواصلة جذبهم إياه، وأما ما يتبع الكرم فالحياء الشديد الذي كأنه من إماتته نفس هذا الموصوف وإزالته عنه الأشر يخال سقيما.
ومنه أيضاً قول الحكم الخضري:
قد كان يعجب بعضهن براعتيحتى سمعن تنحنحي وسعالي
فأراد وصف الكبر والسن، فلم يأت باللفظ بعينه، ولكنه أتى بتوابعه وهي السعال والتنحنح.
أبيات المعاني: ومن هذا النوع ما يدخل في الأبيات التي يسمونها أبيات معان. وذلك إذا ذكر الردف وحده، وكان وجه اتباعه لما هو ردف له غير ظاهر، أو كانت بينه وبينه أرداف أخر، كأنها وسائط، وكثرت حتى لا يظهر الشيء المطلوب بسرعة، وهذا الباب إذا غمض، لم يكن داخلاً في جملة ما ينسب إلى جيد الشعر، إذ كان من عيوب الشعر الانغلاق في اللفظ وتعذر العلم بمعناه.
التمثيل:
وهو أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى فيضع كلاماً يدل على معنى آخر، وذلك
المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه.
مثال ذلك قول الرماح بن ميادة:
ألم تك في يمنى يديك جعلتنيفلا تجعلني بعدها في شمالكا
ولو أنني أذنبت ما كنت هالكاًعلى خصلة من صالحات خصالكا
فعدل عن أن يقول في البيت الأول: إنه كان عنده مقدماً، فلا يؤخره، أو مقربا، فلا يبعده، أو مجتبى، فلا يجتنبه، إلى أن قال: إنه كان في يمنى يديه، فلا يجعله في اليسرى، ذهاباً نحو الامر الذي قصد الإشارة إليه بلفظ ومعنى يجريان مجرى المثل له، وقصد الإغراب في الدلالة والابداع في المقالة، وكذلك قول عمير بن الأيهم:
راح القطين من الثغراء أو بكرواوصدقوا من نهار الأمس ما ذكروا
قالوا لنا وعرفنا بعض بينهمقولاً فما وردوا عنه وما صدروا
فقد كان يستغنى عن قوله: فما وردوا عنه ولا صدروا، بأن يقو: فما تعدوه، أو فما تجاوزوه، ولكن لم يكن له من موقع الإيضاح وغرابة المثل ما لقوله: فما وردوا عنه ولاصدروا.
ومن هذا قول بعض بني كلاب:
دع الشر واحلل بالنحاة تعزلاإذا هو لم يصبغك في الشر صابغ
ولكن إذا ما الشر ثار دفينهعليك فأنضج دبغ ما أنت دابغ
فأكثر اللفظ والمعنى في هذين البيتين جار على سبيل التمثيل، وقد كان يجوز أن يقال مكان ما قيل فيه: دع الشر ما لم تنشب فيه، فإذا نشبت فيه فبالغ، ولكن لم يكن لذلك من الحظ في الكلام الشعري والتمثيل الظريف ما لقول الكلابي، ومن هذا قول الآخر:
تركت الركاب لأربابهاوأكرهت نفسي على ابن الصعق
جعلت يدي وشاحاً لهوبعض الفوارس لا يعتنق
وفي قوله: جعلت يدي وشاحاً له، إشارة بعيدة لغير لفظ الاعتناق وهي دالة عليه.
ومنه قول يزيد بن مالك الغامدي:
فإن ضجوا منا زأرنا فلم يكنشبيهاً بزأر الأسد ضبح الثعالب
فقد أشار إلى قوتهم وضعف أعدائهم إشارة مستغربة، لها من الموقع بالتمثيل ما لم يكن لو ذكر الشيء المشار إليع بلفظه، ومثل ذلك قول عبد الرحمن بن علي بن علقمة بن عبدة:
أوردتهم وصدور العيس مسنفةوالصبح بالكوكب الدري منحور
فقد اشار إلى الفجر إشارة بعيدة ظريفة بغير لفظه.
وكذلك قول اللعين المنقري، يصف ناره:
رأى أم نيران عواناً تكفهابأعرافها هوج الرياح الطرائد
فقد أومأ بقوله: أم نيران: إلى قدمها، وبعوان: إلى كثرة عادته لإيقادها، إيماء غريباً ظريفاً، وإن كانت العرب تقول ذلك في النار كثيراً.
وقال بعض العرب:
فتى صدمته الكأس حتى كأنمابه فالج من دائها فهو يرعش
والكأس لا تصدم، ولكنه أشار بهذا التمثيل إشارة حسنة إلى سكره.
وقال العباس بن مرداس:
كانوا أمام المؤمنين دريئةوالبيض يومئذ عليهم أشمس
يريد أن البيض عليهم قد صارت شموساً.
المطابق والمجانس:
وقد يضع الناس من صفات الشعر: المطابق والمجانس، وهما داخلان في باب ائتلاف اللفظ والمعنى، ومعناهما أن تكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت في لفظة واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة.
المطابق:
فأما المطابق فهو ما يشترك في لفظة واحدة بعينها، مثل قول زياد الأعجم:
ونبئتهم يستنصرون بكاهلوللؤم فيهم كاهل وسنام
وقال الأفوه الأودي:
وأقطع الهوجل مستأنساًبهوجل عيرانة عنتريس
فلفظة: الهوجل في هذا الشعر واحدة قد اشتركت في معنيين، لأن الأولى يراد بها الأرض، والثانية الناقة، وكذلك قول أبي دؤاد الإيادي:
عهدت لها منزلاً دائراًوآلا على الماء يحملن آلا
فالآل الأول في المعنى غير الثاني، لأن الأول أعمدة الخيام، والثاني من السراب.
المجانس:
وأما المجانس؛ فأن تكون المعاني اشتراكها في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق، مثل قول أوس بن حجر:
لكن بفرتاج فالخلصاء أنت بهافحنبل فعلى سراء مسرور
ومثل قول زهير:
كأن عيني وقد سال السليل بهموجيرة ما هم لو أنهم أمم
ومثل قول العوام في يوم العظالي:
وفاض أسيراً هانئ وكأنمامفارق مفروق تغشين عندما
ومثل قول حيان بن ربيعة الطائي:
لقد علم القبائل أن قوميلهم حد إذا لبس الحديد
ومثل قول الفرزدق:
خفاف أخف الله منه سحابهوأوسعه من كل ساف وحاصب
ومثل قول الكميت:
فقل لجذام قد جذمتم وسيلةإلينا كمختار الرداف على الرحل
ومثل قول مسكين الدارمي:
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهيةإذا الكواكب كانت في الدجى سرجا
وكما قال النعمان بن بشير لمعاوية بن أبي سفيان:
ألم تبتدركم يوم بدر سيوفناوليلك عما ناب قومك نائم
وقال ذو الرمة:
كأن البرى والعاج عيجت متونهعلى عشر نهى به السيل أبطح
وقال رجل من بني عبس:
وذاكم أن ذل الجار حالفكموأن أنفكم لا يعرف الأنفا
وقال المرار:
وأعظمني أن أرى زائراًوأختلف الحي يوماً خلوفا
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع