من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
اجتماع عامر بن الظرب وحممة بن رافع عند ملك من ملوك حمير وتساؤلهما عنده
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: كان أَبُو حاتم يضنّ بهذا الحديث ويقول: ما حَدَّثَنِي به أَبُو عبيدة حتى اختلفت إليه مدّةً، وتحمّلت عليه بأصدقائه من الثّقفييّن وكان لهم مواخياً
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عبيدة، قَالَ: حَدَّثَنِي غير واحد من هوازن من أولى العلم وبعضهم قد أدرك أبوه الجاهلية أو جدّه، قَالَ: اجتمع عامر بن الظّرب العدوانيّ وحممة بن رافع الدّوسي، ويزعم النّسّاب أن ليلى بنت الظّرب أمّ دوس بن عدنان، وزينب بنت الظرب أم ّثقيف وهو قيسيّ، قَالَ: اجتمع عامر وحممة عند ملك من ملوك حمير، فقَالَ: تساءلا حتى أسمع ما تقولان قَالَ: قَالَ عامر، لحممة: أين تحبّ أن تكون أياديك؟ قَالَ: عند ذي الرّثية العديم، وذي الخلّة الكريم، والمعسر الغريم، والمستضعف الهضم، قَالَ: من أحقّ الناس بالمقت؟ قَالَ: الفقير المختال، والضّعيف الصّوّال، والعييّ القوّال، قَالَ: فمن أحقّ الناس بالمنع؟ قَالَ: الحريص الكاند، والمستميد الحاسد، والملحف الواجد، قَالَ: فمن أجدر الناس بالصّنيعة؟ قَالَ: من إذا أعطى شكر، وإذا منع عذر، وإذا موطل صبر، وإذا قدم العهد ذكر، قَالَ: من أكرم الناس عشرة؟ قَالَ: من إن قرب منح، وإن بعد مدح، وإن ظلم صفح، وإن ضويق سمح، قَالَ: من ألأم الناس؟ قَالَ: من إذا سأل خضع، وإذا سئل منع، وإذا ملك كنع، ظاهره جشع، وباطنه طبع، قَالَ: فمن أحلم الناس؟ قَالَ:
من عفا إذا قدر، وأجمل إذا انتصر، ولم تطغه عزّة الظّفر، قَالَ: فمن أحزم الناس؟ قَالَ: من أخذ رقاب الأمور بيديه، وجعل العواقب نصب عينيه، ونبذ التّهيب دبر أذنيه.
قَالَ: فمن أخرق الناس؟ قَالَ: من ركب الخطار، واعتسف العثار، وأسرع فِي البدار، قبل الاقتدار.
قَالَ: فمن أجود الناس؟ قَالَ: من بذل المجهود، ولم يأس عَلَى المعهود، قَالَ: فمن أبلغ الناس؟ قَالَ: من جلّى المعنى المزيز، باللفظ الوجيز، وطبّق المفصل قبل التّحزيز، قَالَ: من أنعم الناس عيشاً؟ قَالَ: من تحلّى بالعفاف، ورضا بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إِلَى ما لا يخاف، قَالَ: فمن أشقى الناس؟ قَالَ: من حسد عَلَى النّعم، وتسخّط عَلَى القسم، واستشعر النّدم، عَلَى فوت ما لم يحتم، قَالَ: من أغنى الناس؟ قَالَ: من استشعر الياس، وأبدى التّجمّل للناس، واستكثر قليل النّعم، ولم يسخط عَلَى القسم، قَالَ: فمن أحكم الناس؟ قَالَ: من صمت فادّكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر، قَالَ: من أجهل الناس؟ قَالَ: من رأى الخرق مغنما، والتجاوز مغرما الرّثية: وجع المفاصل واليدين والرجلين، قَالَ أَبُو عبيدة: أنشدت يونس النحويّ:
وللكبير رثيات أربعالرّكبتان والنّسا والأخدع
فقَالَ: إي والله، وعشرون رثية، والخلّة: الحاجة.
والخلّة: الصداقة، يُقَال: فلان خلّتي وفلانة خلّتي، الذكر والأنثى فيه سواء، وخلّي وخليلي، والخلّ: الطريق فِي الرّمل، والخلّ: الرجل الخفيف الجسم،
قَالَ: وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀:
فاسقنيها يا سواد بن عمروٍإنّ جسمي بعد خالي لخلّ
والخليل أيضاً: المحتاج، قَالَ زهير:
وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍيقول لا غائبٌ مالي ولا حرم
وقد استقصينا هذا الباب فيما مضى من الكتاب.
والكاند: الذي يكفر بالنعمة، والكنود: الكفور، ومنه قوله ﷿: ﴿إن الإنسان لرب لكنود﴾.
وامرأة كنودٌ كفورٌ للمواصلة، والمستميد مثل المستمير وهو المستعطي، ومنه اشتقاق المائدة لأنها تماد، ولا تسّمى مائدة حتى يكون عليها
طعام، فإذا لم يكن عليها طعام فهي خِوانٌ وخُوان، وجمع خِوانٍ خٌونٌ، وكنع: تقبضّ، يُقَال: قد تكنع جلده أنه ممسك بخيل، والجشع: أسوأ الحرص، والطّبع: الدّنس، ويقَالَ: جعلت الشيء دبر أذني إذا لم ألتفت إليه، والاعتساف: ركوب الطريق عَلَى غير هداية، وركوب الأمر عَلَى غير معرفة، والمزيز من قولهم: هذا أمزُّ من هذا أي أفضل منه وأزيد،
قَالَ: وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: سأل أعرابيٌ رجلاً درهماً، فقَالَ: لقد سألت مزيزاً الدرهم: عشر العشرة، والعشرة: عشر المائة، والمائة: عشر الألف، والألف: عشر ديتك، والمطبّق من السيوف: الذي يصيب المفاصل فيفصلها لا يجاوزها.
قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: دخلت عَلَى امرأة من العرب بأعلى الأرض فِي خباءٍ لها، وبين يديها بني لها قد نزل به الموت، فقامت إليه فأغمضته وعصّبته وسجّته، ثم قَالَت: يا ابن أخي، قلت: ما تشائين؟ قَالَت: ما أحقّ من ألبس النّعمة، وأطيلت به النّظرة، أن لا يدع التّوثق من نفسه قبل حلّ عقدته والحلول بعقوته والمحالة بينه وبين نفسه، قَالَ: وما يقطر من عينها قطرةٌ صبراً واحتساباً، ثم نظرت إليه فقَالَت: والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك! ثم أنشدت تقول:
رحيب الذّراع بالتي لا تشينهوإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا
قَالَ: وأنشدني أَبُو محمد عبد الله بن جعفر النحوي، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس محمد بن يزيد، قَالَ: أنشدني الخثعمي لنفسه:
أيّها النّاعيان من تنعيانوعلى من أراكما تبكيان
نعيا الثاقب الزناد أبا إسحاقرب المعروف والإحسان
هبابي إن لم يكن لكما عقرإِلَى تراب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كاندمي من نداه لو تعلمان
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع